ثقافة وفنمختارات

“أغنية على الممر”.. المقاومون بالنيابة عنا

 

إن تحويل مسرحية إلى عمل سينمائي لأمر شاق على مخرج لم يبلغ فيلمه الرابع حينها، إلا أن علي عبد الخالق تلاعب بكل شيء، الصوت، حركة الممثلين، التصوير بإضاءة فقيرة، وأغنية الفيلم المشحونة بالعواطف، لكي يخرج فيلم “أغنية على الممر” مثاليًّا.

في الفيلم كادرات مقربة لا تنمحي من الذاكرة لوجوه يتنازعها الشك والوحدة والخوف، ورغبة عنيدة في المقاومة، وأفكار تحثهم على الاستسلام.

معزولون عن أهاليهم في موقع عسكري يحرس ممرًّا جبليًّا، لا يستجيب لهم أحد من قيادة ألقت بهم إلى هذا الجحيم وولّت هاربة، تركتهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم.

في الممر.. جميعنا في المأزق

أسكت علي عبد الخالق كل شيء في الفيلم، أراد أن يجعلنا نركز على تطور الشخصيات في مواجهة لحظة الموت، رعب البشر الأعظم، فحيَّد كل مؤثر يطغى على صوت المغدور بهم في الصحراء.

الموسيقى استبدل بها أغنية أُدّيت بلا آلات، دون كورال، ودار معظم الفيلم في أماكن تصوير قليلة، لكونه مأخوذًا عن مسرحية، حتى جهاز الإشارة الذي افتتح به الفيلم، وظل الشاويش محمد، الذي قام بدوره الفنان محمود مرسي، يحاول تصليحه طول مدة العرض، لم نسمع منه إلا جملة واحدة في نهايته.

مشهد من فيلم أغنية على الممر

يعتمد الفيلم على تطور الشخصيات والعلاقات بين الجنود الخمسة، وهم يعدون أيامهم الأخيرة في بؤرة موحدة للعناصر.

إيقاع هذه النوعية من الأفلام بطيء عادةً، لكن الأسلوب الذي استخدمه المخرج أشعرنا بهول ما يمر به ممثلوه على الشاشة، ووصل إلينا حتى الإحساس بحرارة الجو، وضيق المكان، فأضاع الملل، وشد أعصاب المشاهد طوال الفيلم.

استغل عبد الخالق كل شيء؛ حتى العرق على ملابس الجنود ووجوههم، كما استخدم صوت رياح الصحراء ليضفي جوًّا من الوحدة والخوف والإحساس بالضياع والترقب.

حركة الكاميرا التي تجمعهم كثيرًا في لقطة واحدة -غالبًا طويلة تُستخدم فيها حركة الممثلين المدروسة- وضعتنا معهم في المأزق.

أبطال “أغنية على الممر” في كادر واحد

كان للمؤلف المسرحي علي سالم دور في غنى الشخصيات، خاصة شخصية “منير” المستسلمة، فلم يكن شريرًا، صحيح أن ماضيه ليس نقيًّا، إلا أن المؤلف سلط الضوء على إدانة نظام أورثه الفقر وسحق طبقته الاجتماعية، حتى لم يعد بهم القوة ليدافعوا عن كرامتهم، فكان صوت الانهزام بالفيلم في مقابل صوت المقاومة الذي جسده الشاويش محمد، الذي يصر على الصمود، والذي جرى تبريره كذلك من خلال استكشاف تاريخه الشخصي مع العدوان الثلاثي عام 1956، الذي جُند له مسلوبًا من أرضه وأسرته.

“الفلاش باك” الذي عرض تاريخ “عم محمد”، كما ينادونه في الفيلم، وهو ذاهب مع عدد من شباب قريته الذين سبق لهم التجنيد، صوره عبد الخالق بناءً على معرفة دقيقة بواقع تلك المناسبات في قرى مصر وقتها، حينما يذهب شباب فجأة إلى السّخرة أو الحرب، دون أي دور لهم أو قرار.

يعد تطور شخصية الشاويش هو الأجمل في الفيلم، إذ امتلأت بالتحديات التجسيدية التي تصدى لها محمود مرسي بأداء سلس، انتقل بيسر من اليقين في أهمية قرار الصمود إلى الشك في جدواه، من الخوف وهو يستمع إلى صوت الطائرات الإسرائيلية إلى الشجاعة وهو يُطمئن “منير” في أثناء هجوم العدو بعدها بثوانٍ، والشعور بالمسؤولية ناحية جنود في سن أبنائه، يختبرون الهزيمة للمرة الأولى، في حين يصارع انهياره النفسي ويحاول الثبات.

شخصية شوقي الشجاعة التي جسدها الفنان محمود ياسين

لقد أسهم النص في إقناع المشاهد بقرار “شوقي”، الذي قدمه محمود ياسين، بالعودة للقتال حتى آخر رصاصة، بعدما افترق عن “عم محمد”.

الإخفاق كدافع للبطولة

ما كشفه لنا المؤلف من فشل “شوقي” في حياته العلمية والمهنية والعاطفية قبل الحرب، جعلنا نصدق تعلقه بنجاحه في التصدي للعدو حد التراجع عن قرار الفرار بالحياة، وعلاقته بـ”حمدي” التي توطدت بسبب التشابه بين مواقفهما الحدية من العالم، جعلنا نقتنع بأنه في ظل الجوع والعطش والخوف الذي يعاني منه، من الممكن أن يهتم بتوصيل لحن زميله بعد موته، مع علمه بأنه قد لا يذاع أبدًا، مثل ما سبق من ألحان قدمها زميله بنفسه وهو على قيد الحياة.

الفنان محمود مرسي مع صلاح السعدني

ضُمّن الفيلم في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، وحصد المركز الثاني في مهرجان “كان” السينمائي، وقُوبل باحتفاء نقدي كبير لتصويره الحرب كتجربة إنسانية شديدة القسوة، لا يخرج منها من يدخلها معافى، فتجاوز بذلك قشور قصة البطولة والصمود إلى عمق الصراع النفسي الذي انتاب الشخصيات.

يتركك الفيلم بتساؤلات تتسابق في ذهنك، تحاول أن تغير نهاية الفيلم في رأسك، ماذا لو استطاع أحدهم العودة؟ هل كان يستطيع استئناف حياته؟ كيف سينسى كل ما لقي من ترويع؟ هل كان “مسعد” سيعود إلى ضحكه، و”شوقي” إلى الأدب، و”منير” إلى أحلام الصعود السريع بسهولة بعد هذه التجربة؟

عُرض الفيلم قبل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بعامٍ واحدٍ، أي وقت حشد الشعب لمعركة تحرير الأرض، رغم ما به من جرأة في تناول الهزيمة، تلك التى حاول نظام يوليو/تموز إخفاءها والتشويش عليها وراء نصر أكتوبر، المكلل كذلك بتضحيات جنود مثل أبطال الفيلم، كان من الممكن أن يحيوا لولا أخطاء غيرهم.

علي سالم مؤلف مسرحية أغنية على الممر التي تحولت إلى فيلم

هزيمة على مرحلتين

لا يمكن ذكر فيلم “أغنية على الممر”، الفيلم الحربي المصري الوحيد الذي تناول الهزيمة، إلا ويتبع ذلك حديث عن اختيارات مؤلفه السياسية، تحديدًا موقفه من التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

يتعجب المشاهد حين يعرف أن علي سالم أيّد التطبيع الثقافي مع إسرائيل عقب عرض فيلمه بثلاثين عامًا، وذهب إلى إسرائيل كي يستكشفها عام 1994، وكتب تلك الرحلة في كتاب “رحلة إلى إسرائيل”، ما جعل العديد يعتبره انهزم كما انهزم غيره من أبناء جيله.

إلا أن مواقف “سالم”، منذ تأييده اتفاقية السلام مع إسرائيل 1977، تُنبئ عن تصوره الغريب لقضية الصراع العربي الإسرائيلي.

فـ”سالم”، الذي يركز دائمًا على الناس الذي يدفعون ثمن فشل السلطة من أعمارهم وأرواحهم، ربما ظن كما ذكر في أكثر من لقاء أن “هذا هو الطريق الوحيد لحفظ الناس من الانجرار لحرب أخرى تُدفع بها تضحيات أفدح، دون رغبة، من وقود الحرب الحقيقيين، وهم أبناء الفلاحين”.

ربما نختلف مع بساطة رؤيته لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي كإدارة ناجحة لمجتمع ديمقراطي، وليست إدارة ناجحة في عزل السكان الأصليين، واحتجازهم خلف أسوار مكهربة وحواجز يحرسها الجيش الإسرائيلي، ومحاولات تركيعهم بحصار فور آخر، كذاك الحصار الذي خطه في فيلمه “أغنية على الممر”، أغنية الحصار والهزيمة.

 

معتز حجاج

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى