ثقافة وفن

أفلام “الأنيميشن”.. الأرض أجمل من الجنة أحيانا

أزدادت في السنوات الأخيرة معالجة أفلام الرسوم المتحركة لفكرة حياة ما بعد الموت أو أرض الموتى، دون أن يكون الهدف منها صنع فيلم رعب، بل العكس، كان الهدف الانطلاق نحو حكايات أكثر دفئاً عن الحياة والحب والعائلة، ربما أشهرها أفلام مثل Coco 2017، وCorpse Bride 2005، وآخرها فيلم Soul، الذي طرح نهاية العام الماضي وأحدث صدوره جدلاً نقدياً، بين مشيد بتحطيمه لفكرة الشغف الذي يستعبد البشر منذ طفولتهم ويستهلك طاقتهم وأعمارهم، ومنتقد لكثرة الأفكار والجدل الفلسفي الذي لا يتناسب مع جمهوره من الأطفال.

طالما كانت فكرة تخيُّل حياة ما بعد الموت ووضع تصورات لشكلها ومكانها تداعب عقل البشر منذ قديم الزمن، وتظهر في تدويناتهم ورسومهم على جدران المعابد والكهوف في الحضارات القديمة، ومحاولة تصور التجهيزات التي يجب أن يعدها الإنسان ليأخذها معه إلى العالم الآخر.

وبعد نزول الأديان السماوية التي بدأت تصنف الحياة بعد الموت إلى جنة وجحيم، وتصف تفاصيل الحياة بهما، اتجه الفنانون إلى اتخاذ القصص الديني أساساً لرسومهم وكتاباتهم عن الحياة بعد الموت، تاركين مساحة لخيالهم ليضيف من عنده ما يناسب رؤيتهم الخاصة لهذا العالم السحري المثير للفضول.

كان من الطبيعي أن تجد هذه الفكرة المغرية والجذابة في الرسوم المتحركة مادة ثرية تتشكل بألوانها وتطلق للعقل العنان للتعبير عما يجول بخاطر صناعه من معتقدات وتصورات تجاوزت الحكايات الدينية والتراث الشعبي، وتوسعت في طرح الأسئلة ووجهات النظر من مجرد الاستفهام البسيط حول شكل وأسلوب الحياة بعد الموت إلى عقد مقارنات فلسفية أكثر عمقاً وتعقيداً حول أيهما أفضل: حياة البشر القصيرة المليئة بالتحديات والحزن والمغامرات والمشاعر المتضاربة على الأرض، أم الحياة الأخرى الأبدية المتخمة بالدعة والراحة كما وصفها القصص الديني؟

في هذا الصدد، نتعرض لعدد من أفلام الرسوم المتحركة التي أُنتجت في الثلاثين عاما الأخيرة، والتي تناولت بشكل مباشر الحياة ما بعد الموت، بعضها يحتفي بالحياة الأخرى على حساب الحياة الدنيا على الأرض، والبعض الآخر يرى في الحياة في حد ذاتها، حتى بأسوأ ما فيها، هي أكثر متعة وجمالاً من الحياة الهانئة الرغدة في جنة السماء.

تتبنى هذه الأفلام التي تعالج تلك الفكرة نمطاً متشابهاً، حيث يذهب البطل في رحلة إلى العالم الآخر، إما عن طريق الموت ثم البعث إلى الحياة مرة أخرى أو الدخول إلى عالم الموتى من بوابة سحرية ويخوض مغامرة عودته إلى الأض مرة أخرى.

حياة باهتة وموت مشرق

برغم أن فيلم Corpse Bride  إخراج تيم بيرتون ومايك جونسون وإنتاج وارنر برو، يدور حول مثلث حب بين شاب وفتاة وجثة فتاة أخرى، فإنه يقدم نموذجا بصريا رائعا للاحتفاء بعالم الأموات الذي يغمره الحياة والدفء والصخب أكثر من الأحياء ذاتهم.

تدور أحداث الفيلم في القرن الثامن عشر، حيث ترتب أسرة فيكتور/ جوني ديب، تجار الأسماك الأغنياء، تزويجه من فيكتوريا/ إيملي واتسون، ابنة الأسرة الأرستقراطية المفلسة، طمعاً في الارتقاء بمرتبتهم الاجتماعية، بينما تسعى أسرة الفتاة إلى الاستفادة من أموال الرعاع محدثي الثروة، وبرغم زواج المصلحة المرتب فإن الفتى والفتاة يقعان في الحب من النظرة الأولى.

يفتتح الفيلم الموسيقي بتتابع لقطات يقدم فيه البطل الهزيل والمدينة التي يعيش فيها، حيث يبدو الناس متجهمين وصامتين، يتحركون ويؤدون أعمالهم بشكل آلي، وكأنهم جثث متحركة لا روح فيها، ثم ينتقل إلى تقديم الأسرتين في فقرتين غنائيتين يعبران فيهما عن غرضهما الحقيقي وراء هذا الزواج.

مشهد من فيلم Corpse Bride

يصطبغ هذا العالم بتدرجات من الأزرق الغامق الباهت الممتزج بالرمادي، ويخيم على الأجواء داخل القصر الأرستقراطي أو حتى في شوارع المدينة نهاراً عتمة توحي ببرودة الشتاء والمدينة الخالية من الروح، والأسرتان الللتان يفتقران إلى دفء المشاعر ولا يحركهما سوى المنفعة المتبادلة.

في المقابل، حينما يهرب فيكتور إلى المقابر ليتمرن على نذور الزواج التي فشل في تلاوتها، يلتقي بالعروس الجثة إيملي/ هيلينا بونهام، التي تأخذه إلى عالمها السفلي، حيث تعيش الجثث بالهيئة التي ماتت عليها، مقطوعة الرأس أو مطعونة بسكين، منها من لا تزال جثته تحمل بعض اللحم والأعضاء والملابس ومنها من تحول بالفعل إلى هيكل عظمي.

وبرغم الوصف الذي يبدو مرعباً وطعامهم وشرابهم المقزز، فإنهم ينعمون بحياة مرحة مبهجة مليئة بالصخب والبهجة والرقص والغناء، مترابطون فيما بينهم ويتعاطفون مع مأساة إيملي التي قُتلت غدراً على يد حبيبها.

جانب من فيلم Corpse Bride

يحتفي الفيلم بحياة الموتى بصرياً بألوان زاهية بتدرجات الأخضر والأحمر والبنفسجي والأزرق المشرق، حتى أن إيملي بوجهها الذي يختلج بمشاعرها وشفاهها الحمراء تملؤها الحياة أكثر من فيكتوريا الهادئة الشاحبة ذات الوجه الخالي من التعبيرات.

يخبرنا الفيلم، من خلال تصميم كلا العالمين وشكل الحياة فيهما، أن الحياة غائمة باردة بسبب طمع البشر وسعيهم وراء المال، متجاهلين الاهتمام حتى بأبنائهم في سبيل المادة، لكنهم يصبحون أكثر دفئاً وحياتهم أكثر إشراقاً بعد أن تغادرهم الروح وجشعها.

فيلمان آخران يشاركان Corpse Bride تبجيله لحياة الموتى، وهما The Book of Life للمخرج المكسيكي خورخي جوتيرز وإنتاج جيليرمو ديل تورو، وفيلم Coco إخراج لي أونكريتش وإنتاج والت ديزني وستديو بيكسار، وإن كانا أقل حدة من المقارنة وشدة التباين بين العالمين، وعلى عكس الفيلم الأول، يبرز الفيلمان قيمة العائلة وأهميتها وتكاتفها جنباً إلى جنب مع إعلاء قيمة الفردية والتنوع وأهمية اختيار المرء طريقه الخاص وإيمانه بموهبته وتقبل الآخرين اختلافه.

يتشابه الفيلمان، إلى حد كبير، على اختلاف قصصهما، في أن البطل فيهما موسيقي يريد أن يترك عمل العائلة المتوارث: صناعة الأحذية في Coco ومصارعة الثيران في The Book of Life، وينطلق نحو شغفه الخاص، بينما ترفض العائلة هذا الخروج عن التقليد وتحاول إثناء الابن عن هجر عمل الأجداد.

أحداث الفيلمين تدور في المكسيك، حيث الاحتفال بعيد الموتى في الثاني من نوفمبر، وهو كرنفال فلكلوري تجمتع فيه العائلة لتتذكر أحباءها من الموتى وتحتفي بأراواحهم التي يعتقدون أنها تزور الأرض في هذا اليوم.

ينقسم عالم الموتى في كلا الفيلمين إلى عالم “الموتى المذكورين”، الذين لهم عائلات أحياء تعيش على ذكراهم، وهؤلاء يعيشون في احتفال دائم وغناء ورقص وأضواء متلألئة والكثير من الألوان الصارخة، أو كما يقول الراوي في The Book Of Life “أرض المذكورين مبهجة ومفعمة بالحياة مثل الأرض لكن أكثر حيوية وجمالاً وبهجة”، و”أرض المنسيين” الحزينة الباهتة الخالية من الحياة لأنه لا يوجد من يُحيي ذكراهم على الأرض.

لا يتم التركيز على التباين بين حياة الموتى والحياة على الأرض في كلا الفيلمين دائماً، وإن كانت هناك مقارنة لافتة بين الأموات المذكورين والآخرين المنسيين في فيلم  Cocoالذي يسعى فيه الجد هيكتور إلى أن تتذكره عائلته التي نسيته منذ وقت طويلة بسبب جريمة دنيئة ارتكبها في حقه أقرب أصدقائه.

فيلم  All Dogs Go to Heaven

جنة أكثر من اللازم

على النقيض من النماذج السابقة، هناك أفلام رسوم متحركة أخرى وجدت في الحياة على الأرض متعة وبهجة أكثر من العيش في السماء أو في الجنة بعد الموت، واحتفت بمتع الحياة البسيطة، بل ومفاجآتها ومغامراتها في مقابل العيشة الهادئة الرغدة في الفردوس، بل ورأت في الحياة الأخرى مكاناً رتيباً ومملاً يتمتع القائمون عليه باللا مبالاة والسذاجة أحياناً، حيث يمكن التحايل عليهم والهرب منهم.

فيلم  All Dogs Go to Heaven بجزأيه اللذين تم إنتاجهما بفارق عشر سنوات، مثال كلاسيكي لهذه الفكرة التي عاد وطرحها فيلمSaul  بشكل مختلف بعد أكثر من ثلاثين عاماً.

يحكي الفيلم الذي أُنتج جزؤه الأول عام 1986، من إخراج وإنتاج دون بلوث، عن الكلب المقامر والمحتال “شارلي” الذي يهرب من السجن ليجد شريكه في نادي القمار “كارفيس” قد استولى على النادي لنفسه، وعندما يحاول أن يسترد حصته يقتله كارفيس ويجد شارلي نفسه في الجنة، لأنه “على عكس البشر كل الكلاب ستدخل الجنة لأنها مخلصة ومطيعة”، مثلما تخبره “أنابيل” حارسة السماء عند ترحيبها به.

يعلن “شارلي” موقفه من حياة الجنة المترفة في الفقرة الغنائية التي يدور فيها الحوار بينه وبين “أنابيل”، حينما تخبره أن “الشمس مشرقة طوال الوقت والطقس معتدل ويمكنه أن يأكل ما يشاء ولا توجد مفاجآت”، فيرد عليها “شارلي”: “كل شيء منظم وجميل هنا، وهذا ما يدفعني إلى الجنون.. أريد أن أشعر بالإثارة بالخطر والمغامرة”.

فهذا السلام والطعام الذي بلا عناء أمر مُمل ولا يوجد في هذا العالم ما يحرك مشاعره مثلما في الحياة، بل ويسخر “شارلي” أيضاً من فكرة أن كل شيء مُدوّن ومعلوم سلفاً بسرقة ساعته، التي يعني توقفها انتهاء وقته في الحياة، وإعادتها للعمل مرة أخرى ومفاجآت “أنابيل” بالهرب إلى الأرض والعودة إلى الحياة.

ولا يختلف الأمر بعد قبول “شارلي” بالموت في نهاية الجزء الأول والعودة إلى الجنة مرة أخرى في الجزء الثاني الذي أُخرجه لاري ليكر وبول سابيلا وأنتجته مترو جولدن ماير في 1996.

يلتقي “شارلي” في هذا الجزء بصديقه “إيتشي” في الجنة ويأخذه في جولة سماوية، ويخبره في مونولج غنائي أن هذه الحياة السهلة والسلام الذي يعم المكان لا يسعده فهي “جنة أكثر من اللازم”، وأنه يفتقد لمشاعر التوتر والصراع ولذة الشعور بالخطر والانتصار كما كان على قيد الحياة.

يعود هذا الجزء أيضاً إلى هدم فكرة عدم وجود مفاجآت في الجنة وسذاجة ساكنيها بسرقة “كارفيس” لبوق “جبريل”، الذي ينفخ فيه لتفتح أبواب السماء للقادمين الجدد ليقوم بتسليمه إلى الشيطان.

لا يمكننا الحديث كثيراً عن التصميم البصري لعالم الأموات، فهو تصور نمطي للجنة، حيث جميع الكائنات لها أجنحة بيضاء تطير بها، وترتدي عباءة فضفاضة وتوجد هالة نور فوق رؤوسهم، وجميعهم يسيرون على السحب، وتم استخدام درجات الألوان الفاتحة من الأزرق والأخضر والبرتقالي لتعزيز الشعور بالهدوء والسلام، على عكس عالم الحياة على الأرض الذي تملؤه الألوان الصاخبة.

فيلم Saul

اقتناص البهجة هنا والآن

يعطي فيلم Saul للمخرج بيتي دوكتر وإنتاج ستديو “بكسار” فكرة عن الرتابة في الحياة الأخرى بُعدًا أكثر عمقاً، بل يتجاوز فكرة عالم الأموات إلى عالم ما قبل ميلاد الروح، حيث يتم تأهيلها قبل نزولها إلى الأرض بطريقة آلية، ومنحها سمات شخصية مثل النرجسية والانعزال والتشكك دون اكتراث بما ستفعله مثل هذه الشخصيات في الحياة “فهذه هي مهمة الأرض”.

هذه الآلية والرتابة والنمطية في تصوير الحياة على الأرض وإعطاء الروح هدفاً لتولد من أجله كانت سبباً في إحجام شخصية (22) الروح التي لم تولد بعد، عن النزول إلى الحياة لوقت طويل، وتجدها مكانا بائسا ومؤذيا لا جدوى للعيش فيه، لكن حينما تأتيها فرصة التجربة بفضل محاولات “جو جاردنر” اليائسة للعودة إلى الحياة مرة أخرى، رغم أنه لم يحقق أي إنجاز بها من وجهة نظره، تجد في تجربة الأشياء البسيطة الصغيرة متعة أكبر بكثير من الحلقات الدراسية التي كانت تحضرها في عالمها، ويعطي استمتاعها بتفاصيل الحياة العادية لجو جاردنر درساً في الاستمتاع بكل لحظة تمر عليه في الدنيا والشغف بها في حد ذاتها بعيداً عن الأهداف العظيمة التي تستهلك أرواح البشر.

ينتصر Saul وAll dogs go to heaven للحياة، على اختلاف طريقة معالجة الفكرة ووجهات النظر التي بنيت عليها، ويرفعان من قيمة تناقضاتها التي تجعل الإنسان ينبض بالحياة مفعماً بالمشاعر التي يتلخص فيها معنى أن تكون حياً.

أروى تاج الدين

ناقدة سينمائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى