زوايامختارات

أقباط في بلاط محمد علي.. دماء.. وكرابيج.. وعطايا!

 

سنوات عجاف عاشها الأقباط خلال عصور العثمانيين والمماليك، بين اضطهادات ودفع الجزية وإلزامهم بملابس زرقاء وسوداء، تصنيفًا لهم كمواطنين أقل من غيرهم، حتى لاحت في الأفق بارقة أمل حين اعتلى محمد علي باشا كرسي الحكم في مصر المحروسة. رجل سعى لبناء دولة حديثة تعتمد على العلم والمتخصصين، وهو ما وجده في الأقباط، ففتح لهم بلاط حكمه، فأصبح منهم حكام أقاليم وكَتَبة ومترجمون، بل حتى أصبح منهم كاتم أسراره، وفي عهده نال أول قبطي درجة البكوية.

وعلى الرغم من تحسُّن أوضاع الأقباط في فترة محمد علي عن الفترات السابقة، لا يمكن القطع بكونها أزهى عصورهم، إذ عانى بعضهم من التقلبات المزاجية والطبيعة الصعبة التي غلبت على شخصية الوالي الجديد، في ظل سعيه وراء جمع الأموال لتوطيد مقاليد حكمه إرضاءً للباب العالي، لذا لم تسر العلاقة مع الأقباط على أفضل حال طيلة الوقت، بل كثيرًا ما انكوى بعضهم بنيران الصراعات في بلاط الباشا.

صورة مرسومة لبلاط محمد علي باشا

صعوبة البدايات

الشرارة الأولى من نيران محمد علي مع الأقباط، بدأت مع رغبته في تعزيز كلمته، وإظهار سلطانه، وتأييد مقامه، واسترضاء الجند، وصرف المتأخرات من رواتبهم، فبحث عن الوسائل التي تزيد من دخل خزينة الدولة، فكان على رأسها فرض الجزية المضاعفة على قبط مصر، وبالخصوص على كبار الأغنياء ممن يحوزون أموالاً وأملاكًا واسعة.

سعي محمد علي وراء الأموال، جعله يدخل في صراع مع المعلم “جرجس الجوهري” الذي كان يتقلد منصب كبير كُتَّاب مصر، ما يعادل وزير المالية المصري حاليًّا، والذي كلما أراد الوالي جمع أموال أكثر قابله جرجس بالرفض لصعوبة التحصيل. لذا لم يجد الباشا سبيلاً سوى التخلص من ذلك الرجل الذي مثَّل له عقبة في جمع الأموال، فأودعه السجن.

زاد خوف الأقباط من عصر محمد علي بعد أن فرض الأخير الجزية، ثم أعقب ذلك بسجن المعلم جرجس شقيق المعلم إبراهيم الجوهري أحد كبار الأقباط والذي لُقب بـ”سلطان الأقباط” في عصر المماليك والذي توفي قبل حكم محمد علي باشا.

صعوبة البدايات

صراع محمد علي مع الأقباط لم يدم طويلاً، إذ وجد مبتغاه عبر كبارهم لما لهم من خبرات في جمع الأموال والترجمة وأمور كثيرة تخص الحكم، ويعد أول من احتاج إليهم محمد علي، المعلم جرجس الذي كان يشغل منصب كبير كتبة مصر في فترة المماليك وبداية عصر محمد علي، إلا أن باشا مصر أراد زيادة الخبرات في جمع الأموال، فأضاف إليه المعلم غالي الذي كان يعمل كاتبًا للأمير الألفي، أحد أمراء المماليك، ثم تركه وتعلق بخدمة محمد علي، وفقًا لما ذكره كتاب تاريخ الأمة القبطية.

وجود ثنائي من أكبر كتبة “وزراء” ذلك العصر في خدمة محمد علي، ولَّد صراعًا غير منظور لكنه اتضح عبر مواقف محمد علي معهما، فالمعلم غالي الذي  يعد دخيلاً حديثًا بحث عن فرصة لاقتناص مكانة المعلم جرجس، بحيث قدم طاعة عمياء واستجابة تامة لكل أوامر الوالي ليكسب رضاه، على عكس جرجس، وهو ما رصده المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي قائلاً: “إن وضع جرجس الجوهري لم يزل على حالته حتى ظهر المعلم غالي، وتداخل في هذا الباشا وفتح له الأبواب لأخذ الأموال”.

ذكاء المعلم غالي تجسد في انتهازه الفرص لكسب ود محمد علي. ووفقًا للجبرتي أيضًا، فإن الباشا حينما كان يطلب طلبًا واسعًا من المعلم جرجس كان يقول له: “هذا لا يتيسر تحصيله”، فيأتي المعلم غالي فيسهل له الأمور، ويفتح له أبواب التحصيل.

محمد علي باشا

المعلم جرجس.. عزيز قوم ذل

طاعة المعلم غالي لمحمد علي ضيقت الخناق على المعلم جرجس، وهو ما دفع محمد علي للقبض عليه برفقة مجموعة من الأقباط، بحجة تأخرهم عن سداد حساب التزامه “أي الأموال التي يجب جمعها”، وأحضر المعلم غالي وعيَّنه رئيسًا مكانه، وكلفه بعمل حساب التزامه عن السنين الخمس الماضية، وبعد 7 أيام أمر بالإفراج عنه ومن معه على شرط أن يدفع 4800 كيس، فدفع جرجس تلك الأموال لإنقاذ نفسه من قضبان السجن.

ويسرد المؤرخ جرجي زيدان، في كتابه “تراجم مشاهير الشرق في القرن الـ19″، أن الأمر لم يقف عند السجن والغرامة، بل ازدادت المضايقات الشديدة على جرجس الجوهري واضطرته إلى التنازل عن أفخر أملاكه، ولا سيما التي كانت على بركة الأزبكية وقنطرة الدكة، وأخذ نجم المعلم جرجس في الأفول، وبدأ نجم المعلم غالي في الصعود، فرحل جرجس إلى الصعيد -حيث كان أمراء المماليك- هربًا أو نفيًا.

النتيجة واحدة في كل الأحوال، فمحمد علي نزع منه ما كان يقع تحت التزامه وطرحه في المزاد على الراغبين فأخذه القادرون.

المؤرخ جرجي زيدان

نيران السلطة تحرق المعلم غالي

فاز المعلم غالي في جولته أمام المعلم جرجس، وحصد وظيفته، إلا أنها لم تكن بداية النعيم، بل كانت بداية لعنة طالته منذ تلك اللحظة وحتى مماته، فعلى الرغم من اعتماد الوالي على المعلم غالي في كل الأمور المالية، ونجاح غالي في تأسيس مصلحة المساحة، لزيادة موارد الدولة، لم يشفع له ذلك كله عند باشا مصر الذي علا جشعه في حصد الضرائب، في حين يعجز غالي ورجاله عن جمعها بالسرعة المطلوبة، فجاء عقاب الوالي شديدًا بمحاصرة بيوتهم، وأخذ دفاترهم والزج بهم إلى السجون، ليفرج عنهم بعد أيام بعدما دفعوا 7 آلاف كيس من الأموال.

تلك لم تكن المرة الأخيرة التي يسجن فيها الوالي عامله المعلم غالي، فكلما نفدت خزانة الدولة من الأموال كان الحل السريع هو سجن غالي ورفاقة، واستلاب ما بحوزتهم من أموال.

يقول الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني، في كتابه “وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها”: “كان محمد علي يغضب عليه تارة ويعزله من منصبه ويرميه في السجن ويضربه مئات الكرابيج، ثم يعيده إلى منصبه بعد دفع مبلغٍ طائلٍ”.

سنوات الشقاء والتعب التي عاشها المعلم غالي مع محمد علي، عُوضت بمنصب رفيع جدًّا، إذ رضي الباشا عنه أخيرًا، نظيرًا لفتح غالي لأبواب تحصيل الأموال للخزينة، عبر ابتكار أشياء وحسابات يتحصل منها على مقادير وافرة من المال، وهو ما جعل محمد علي يثني عليه، ومن ثم اتخذه كاتبًا لسره، وخَصه بمباشرة الأعمال الحسابية التي ابتكرها، فكانت يده فوق أيدي الجميع بمن فيهم حتى حكام الأقاليم.

القلعة

لم  تكن نهاية المعلم الغالي أحسن حظًّا من حياته برفقة محمد علي، فإبراهيم باشا، نجل محمد علي، أطلق عليه الرصاص بعدما رفض “غالي” تكليفه بجمع  ضرائب باهظة من المصريين، وقد فعل ذلك قبل طرح الأمر على الوالي محمد علي، ونظرًا إلى الصراع بين إبراهيم ووالده، اغتاظ إبراهيم باشا وقتله أمام ابنه طوبيا.

ووفقًا لكتاب “قاموس آباء الكنيسة وقديسيها”، للقمص تادرس يعقوب ملطي، فقد بقيت جثة غالي ملقاة لمدة يومين لا يجرؤ أحد على دفنها، حتى استأذن رزق أغا حاكم الشرقية في دفنها، فأقيمت الصلاة على المعلم غالي بكنيسة أبي سيفين بزفتى ثم دفن بجوارها.

أول قبطي يحصل على البكوية

“مصائب قوم عند قوم فوائد” ربما يكون هو التعبير الأنسب الذي يمكن إطلاقه على ما حدث مع باسيليوس، نجل المعلم غالي، الذي عوضه محمد علي عن مقتل أبيه بمنحه البكوية، ليصبح أول قبطي يحصل عليها. إلا أن ذلك الأمر لم يكن وليد لحظة القتل، بل كان نتيجة مواقف عدة أعجبت باشا مصر بهذا الشاب الصغير.

فقصة محمد علي وباسيليوس بدأت حين ذهب المعلم غالي إلى قصر محمد علي ومعه ابنه باسيليوس، وكان حينها صبيًّا، فأراد محمد علي مداعبة الصبيّ فأخذ قلنسوته “طاقيته” من فوق رأسه وقال له: “إذا بعتها فمن يشتريها؟ وبكم تقدّر؟” فأجاب الصبيّ: “أنا المشتري وأدفع ألف كيس ثمنًا لها”.

فسأله محمد على متعجباً: “أتقدّر قلنسوتك بكل هذا المبلغ؟” فأجابه على الفور: “إن القلنسوة التي يكون محمد علي باشا دلّالها (بائعها) تقدّر بأكثر من ذلك”. فسُرّ محمد علي من ذكاء الصبي باسيليوس وقال: “إن الولد سرّ أبيه” وأمر بأن يكون تعليم باسيليوس على نفقته، وفقًا لما رصده كتاب “تاريخ الأمة القبطية”.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فكان لقاء باسيليوس مع محمد علي الذي يعد والد قاتل أبيه، بمنتهى الود والذكاء، على عكس ما قد ينتج من أي شخص آخر مع قتلة والده. أأفيقول ذات الكتاب، إن محمد علي استدعى باسيليوس بعد مقتل المعلم غالي لتطييب خاطره بعد ما فعله ابنه ابراهيم، وقال لباسليوس: “هل أنت حزين لموت أبيك؟”، فأجابه باسيليوس: “لم يمت أبي ما دام مولاي الأمير حيًّا”، فأُعجب به محمد علي وأسند إليه وظيفة رئيس المحاسبة في الحكومة المصرية، كما أنعم عليه برتبة البكوية كما ذكرنا.

أقباط خارج البلاط

لم يكن جميع الأقباط من المقربين من محمد علي، لذا فمن الضروري البحث عن حياة الأقباط ككل في تلك الفترة، وهو ما يفسره القمص أنجيلوس جرجس، الباحث في التاريخ القبطي، الذي يرى أن فترة حكم محمد علي مثلت نقلة كبيرة في حياة الأقباط، لكونه أول من عمل على إعادة حقوق الأقباط الذين عاشوا في مهانة منذ القرن السابع الميلادي، في فترة نادرًا ما كان يظهر خلالها حاكم يعطي بعض الحقوق للأقباط، بل كان السائد هو اضطهادهم وتهميشهم طوال فترات حكم العثمانيين والعباسيين قبلهم.

القمص أنجيلوس جرجس

ويضيف الباحث القبطي لـ”ذات مصر”، أن محمد علي دشّن عصرًا جديدًا للأقباط استكمله من بعده ابنه سعيد باشا، بإلغاء الجزية وإدخال الأقباط الجيش، وكلل كل هذه الجهود الخديوي إسماعيل الذي تعد فترة حكمه أفضل فترات الأقباط، إذ غاب الاضطهاد وسادت المساواة والعدل، ولم يشعر الأقباط حينها بأي تمييز، لافتًا إلى أن فكر إسماعيل المعتدل جاء نتيجة تربيته في فرنسا.

ويشير الباحث إلى أن أفضل ما قدمه محمد علي للأقباط، تمثل في تصاريح بناء الكنائس، وإلغاء الأمور التي كانت تحط من قيمة الأقباط، إذ كانوا مجبرين على ارتداء ملابس معينة، وعدم ركوبهم إلا على اليسار… كل هذا أنهاه باشا مصر، بل وسمح للأقباط برفع الصلبان في الجنازات، وأكد حقهم في المحاكمات العادلة.

يوافقه الرأي المؤرخ جاك تاجر، في كتابه “أقباط ومسلمون” الذي يروي فيه أن محمد علي خلق في مصر جوًّا اجتماعيًّا جديدًا، أكمله بعده خلفاؤه الذين انتهجوا سياسة رفعت مصر في نظر الأمم الغربية.

وعلى حد قوله فإنه “من اللحظة التي قرر فيها محمد علي استخدام المصريين والاعتماد عليهم، قضى مبدئيًّا على التفرقة بين القبطي والمسلم، لأن كليهما يستطيع أن يقدم له أحسن الخدمات، ورأى أيضًا أنه لا داعي لتحقير الأقباط بلا سبب، حتى يؤدوا واجبهم على أحسن وجه”.

كما ثمّن تاجر الحريات الدينية التي أتاحها باشا مصر للأقباط، إذ لم يرفض لهم أي طلب تقدموا به لبناء أو إصلاح الكنائس، بل وأنهى كل العوائق التي كانت تواجههم في عهد المماليك، للحصول على إذن في الحج إلى الأراضي المقدسة.

لكن هذا لا ينفي عن محمد علي اهتمامه بالناحية الدينية الإسلامية. فيقول المؤرخ إنه كان يكافئ الذين يعتنقون الإسلام بمنح نقدية، ويعينهم في الوظائف الحكومية، ولم يتردد في معاقبة المسلمين المرتدين علانية. كل هذا يوضح جانبًا من مساحات التناقضات التي كانت من سمات ذلك العصر، ومن طباع ذلك الرجل الذي رغب في كسب الجميع، والكسب من الجميع.

 

كيرلس مجدى

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى