وجهات نظر

ألا تستحمّ يا رجل!.. لماذا يُضطر نبي إلى حث قومه على النظافة؟

محمد حمدي أبوالسعود

من منا لم ينتبه وعيه، ولو للحظة، عند سماعه بأن الأسلام يأمر الناس أن يدخلوا الخلاء (الحمّام The bathroom) بالقدم اليسرى، وأن يخرجوا باليمنى؟ لحظة الانتباه تلك بالطبع استدعت رد فعل من دماغنا وتفكيرنا، فمنا من أحس بالحيرة، ومن أخذه الاستغراب، ومن حمل الأمر على عاتق الجد، ومن ضحك على طرافة القول.. لكن الأهم أن نمعن في تأمل الظاهرة نفسها.. لماذا يأمر نبيٌّ قومه أي أمر في شؤون كهذه أصلاً؟!

بصرف النظر عن صحة أو ضعف أسانيد المأثورات في هذا الباب من السنن، يخلو لنا وجه من وجوه الحقيقة، يعكسه واقع الحياة على المستويين البيئي والاجتماعي، عند صدور أوامر ونواهٍ من ذلك النوع، أو حتى -على الأقل- اهتمام شريحة كبيرة من منتجي الفكر بها.. ومنتجو الفكر في حالتنا هذه هم الفقهاء ورواة الأحاديث، الذين هم “علماء الإسلام”.

إذا بحث أحدنا عن أصول مسألة دخول الخلاء بالقدم اليسرى، فلن يجد أمرًا مباشرًا من النبي، غير أن “ابن تيمية” يرجّح استخدام القدم اليمنى في أي فعل تتشارك القدمان فيه، كالوضوء والغسل والمصافحة والأكل، وذلك “من باب الكرامة”، بحسب “مجموع فتاوى ابن تيمية”، المجلد الحادي والعشرين.

إذًا فالأمر عائد إلى تفضيل يمين المرء على يساره، من ناحية، وتصنيف أفعاله إلى جميل ومُستقبَح، من ناحية أخرى.. ومردّ هذا إلى العادات التي كانت سائدة في الثقافة العربية حتى قبل الإسلام، فقد كانوا أهل كرامة، وتفاصيل كالتيامن والتشاؤم (من اليمين والشمال) كانت ذات قيمة لديهم في هذا السياق.

لكن لدي سؤالاً استطراديًّا إلى حد ما.. ماذا كانت طبيعة الخلاء عند العرب وقت النبي؟ وماذا كانت طبيعته وقت أن قال ابن تيمية مقالته؟

المعروف أن الخلاء عند العرب في وقت النبوة كان (من اسمه) مكانًا بعيدًا في البراري، ومن الصعب أن تتحدد له عتبة تعين المرء على معرفة أنه الآن مأمور أن يخطو بالقدم اليسرى.. أما في وقت ابن تيمية فكانت الحمامات والمراحيض المملوكية منتشرة في دمشق وقتئذ وحيث عاش.

من مسألة كهذه نستخلص أمرين، الأول أن فقيهًا كابن تيمية لم يخرج عن سياق التيامن والتشاؤم الذي وصل إليه من طريق الهدي الإسلامي، والثاني والأهم أن النبي نفسه لم يخرج من سياق التيامن والتشاؤم الذي وصل إليه من طريق ثقافة العرب قبل الإسلام أصلاً!

لكن بعيدًا عن مسألة الخلاء -بما فيها من معقولية ولا معقولية- نجد أن النبي بالفعل صدرت عنه أقوال وأفعال في إطار المنفعة العامة والفردية، وفقًا لما جناه من ثقافة واطلاع على الحضارات من ناحية، واتساقًا وميلاً إلى مكارم الخصال الإنسانية من ناحية أخرى.

فمثلاً نجد في صحيح مسلم حديثًا رواه جابر بن عبد الله يقول: “نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، عن أكْلِ البَصَلِ والْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنا الحاجَةُ، فأكَلْنا مِنْها، فقالَ: مَن أكَلَ مِن هذِه الشَّجَرَةِ المُنْتِنَةِ، فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنا، فإنَّ المَلائِكَةَ تتَأَذَّى، ممَّا يَتَأَذَّى منه الإنْسُ”.

وقد جاء في “الدُّرَر السَّنِيَّة” تعليقًا على هذا الحديث: “وفي هذا الحديثِ: زَجرٌ عن أذَى النَّاسِ بكُلِّ حالٍ، وأمرٌ بتَحسينِ الأدَبِ في حُضورِ مَواطنِ الصَّلاةِ من تَعاهُدِ الإنسانِ نفْسَه بتَرْكِ ما يُؤذِي ريحَهُ”.

هكذا إذًا نرى القيمة الأخلاقية في نهي كهذا النهي، وهي قيمة يمكننا القياس عليها في أمور إنسانية أخرى بسهولة، ألا وهي قيمة “كف الأذى” التي جاءت في أحاديث أخرى كثيرة، بل وفي آيات قرآنية.

لكن من الفقهاء من أخذ هذا الحديث إلى طرق أخرى لا علاقة لها بالحث على الخصال الكريمة ولا كف الأذى، فنجد اختلافًا بينهم على حكم أكل الثوم والبصل ونحوهما بين الكراهة والتحريم، أما الكراهة فقالت بها المذاهب الفقهية الأربعة، وأما التحريم فقال به ابن جرير وابن عثيمين والظاهرية ورواية لأحمد وقول للمالكية، وجاء تعليق ابن عبد البر في “التمهيد” بأن النهي للتحريم، وأن “كل ما منع من إتيانِ الفرضِ والقيامِ به فحرامٌ عملُه والتشاغلُ به، كما أنَّه حرامٌ على الإنسان فعلُ كلِّ ما يمنعُه مِن شهودِ الجمعةِ”، وكذلك علق الشوكاني في “نيل الأوطار” بأن “صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيانِ، ولا تتمُّ إلَّا بتركِ أكلِ الثُّومِ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ”!

وحتى لا نكون قساة ونحن نتناول تعليقات الفقهاء القدامى هذه، ينبغي أن نشير إلى أنهم كانوا يعملون وفقًا لقواعد أصولية منهجية ألزموا أنفسهم بها، في وقت ربما لم تكن فيه وسائل سهلة للتخلص من روائح الفم الكريهة كما هو متاح الآن، فلم يحثوا على إزالة رائحة الثوم والبصل قبل الخروج إلى المسجد أو السوق أو أي تجمع بشري، وركزوا فقط على منع أكل الثوم والبصل، لكن العجيب أن بعضهم ربط المسألة فقط بصلاة الجمعة، رغم أن الرائحة الكريهة ستظل كريهة في بقية الصلوات، والأعجب أن فقيهًا معاصرًا كابن عثيمين (توفي في 11 يناير/ كانون الثاني 2001) لم يجنح لتفصيل المسألة بما يلائم العصر الحديث، إذ من السهل استخدام غسول الفم وما شابه للقضاء على المشكلة من منبعها، واستسهل القول بحرمانية أكل الثوم يوم الجمعة.. هكذا ببساطة!

من مسألة كهذه تتضح لنا أزمة التعاطي الفقهي مع أوامر النبي ونواهيه، وهو ما يجعلنا مطالبين بإعادة النظر فيها بمنظور مختلف يراعي المقاصد الأساسية من جهة، ومقتضى الحال وقت النبي من جهة أخرى.

فعلى سبيل المثال، أمر النبي أتباعه بأن يغتسلوا من الجنابة، وأن يغتسلوا يوم الجمعة وفي العيدين، وأن تغتسل المرأة بعد انقضاء الحيض، وهو ما يسميه القرآن “طهارة”، وفي حين أنه من معلوم من التحضر بالضرورة أن يحرص الإنسان على نظافة جسده، اضطر النبي إلى أن يأمر أتباعه بالاغتسال.. والسؤال هنا: لماذا؟

للإجابة عن هذا السؤال، نعود إلى عبارة قرآنية وردت على لسان سادات العرب من معارضي دعوة النبي: “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا”، وهو ما تعضده كتب السيرة التي تخبرنا أن كثيرًا ممن اتبعوا محمدًا في سنوات دعوته الأولى كانوا من طبقة الخدم والعبيد، الذين رأوا في دعوته خلاصًا من الذل والمهانة والحرمان مما يتمتع به السادة من رفاهية، ومن هذه الرفاهيات في بيئة صحراوية قاحلة كبيئة شبه الجزيرة العربية رفاهية حيازة الماء.

ومن أجل هذا كان النبي يأمر في الوقت نفسه بالحفاظ على الموارد المائية، بأحاديث مثل حديث النهي عن البول في الماء الراكد، وعدم الإسراف في الماء ولو كان المرء على شفا نهر جارٍ، والأهم أنه أكد العدالة بين الناس في استخدام الماء، فقال: “المسلِمونَ شُركاءُ في ثلاثٍ، في الكَلَإِ، والماءِ، والنَّارِ”، وهو حديث أخرجه أبو داوود وأحمد، وأورده الألباني في صحيح الترغيب، واللافت هنا أن النبي قرن الماء بالكلإ والنار، لأنها جميعًا من الموارد الشحيحة والضرورية في آنٍ.

إذًا، كان النبي كرجل دولة وقائد لجماعة المسلمين مدركًا لأهمية عدالة توزيع الموارد الطبيعية بما يتيح للجميع اللحاق بركب النقلة الحضارية التي أرادها لأمّته، وهو ما دأب عليه بالفعل، بدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن الصحابي سلمان الفارسي قوله: “قالَ لنا المُشْرِكُونَ إنِّي أرَى صاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حتَّى يُعَلِّمَكُمُ الخِراءَةَ، فقالَ: أجَلْ”.

وقد أوجز جعفر بن أبي طالب للنجاشي دعوة النبي فقال كما أورد أحمد في مسنده: “أَيُّهَا الْمَلِكُ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (…) وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ…”

هكذا إذًا يتبدى لنا أن مسألة النظافة جزء من منظومة حضارية متكاملة، شرّع النبي تفاصيلها بما يتلاءم مع مقتضى حال البلاد والعباد، غير أن كثيرًا من الفقهاء انشغل بتحويل المقاصد العامة إلى قوانين صارمة يؤديها المسلم آليًّا وهو خائف من الوقوع في الخطأ التطبيقي لئلا تَفسد أموره العقائدية، وهو ما يظهر في تناول غُسل الجنابة مثلاً، فالنبي أمر بهذا الغسل في إطار التطهر دون ذكر لطريقة محددة في الغسل، كما أن القرآن أمر بهذا الغسل نفسه في سورة المائدة: “وإن كنتم جُنُبًا فاطَّهَّروا”، وأيضًا لم يتطرق إلى أي تفاصيل، لكن الفقهاء تركوا المغزى من الأمر، وهو النظافة والتطهر بعد جماع الزوجين بما فيه من تعرض لخليط من سوائل البدن، وأخذوا يفصّلون الحالة التي يجب فيها على المرء غسل الجنابة، وسأكتفي هنا بنقل ما أورده عبد الرحمن الجزيري في كتاب “الفقه على المذاهب الأربعة” عن موجبات غسل الجنابة..

(الحنفية قالوا: إذا توارى رأس الإحليل أو قدره في قُبُل أو دُبُر من يجامع مثله دون حائل سميك يمنع حرارة المحل، وجب الغسل على الفاعل والمفعول به سواء أأنزل أم لم يُنزل، ويشترط في وجوب الغسل عليهما أن يكونا بالغين، فإن كان أحدهما بالغًا، والآخر غير بالغ، وجب الغسل على البالغ منهما، فإذا أولج غلام ابن عشر سنين في امرأة بالغة، وجب الغسل عليها دونه، أما هو فيؤمر بالغسل ليعتاده، كما يؤمر بالصلاة، ومِثْل الغلام في ذلك الصَّبِيّة، ولا يجب الغسل بتواري رأس إحليل البالغ في فرج بهيمة أو ميتة، كما لا يجب بالإيلاج في فرج الخنثى المشكل، لا على الفاعل ولا على المفعول، وكذا لو أولج الخنثى في قُبُل أو دُبُر غيره، فإنه لا يجب عليهما الغسل، أما إذا أولج غير الخنثى في دبر الخنثى، وجب الغسل على البالغ منهما.

والشافعية قالوا: إذا غاب رأس الإحليل، أو قدره من مقطوعه في قُبُلٍ أو دُبُرٍ وجب الغسل على الفاعل والمفعول، سواء أكانا بالغين أم لا، فيجب على وليّ الصبي أن يأمره به، ولو فعله يجزئه، وإلا وجب على الصبي بعد البلوغ، سواء أكان المفعول مطيقًا للوطء أم لا، وسواء أكان على رأس الإحليل حائل يمنع حرارة المحل أم لا، سواء أكان المفعول آدميًّا أم بهيمة، حيًّا أم ميتًا، أم خنثى مشكلاً إذا كان الوطء في دبره، أما إذا كان الوطء في قُبُل الخنثى، فلا يجب الغسل عليهما، كما لا يجب عليهما بالإيلاج من الخنثى في قُبُل أو دُبُر غيره، ويُشتَرط أن يكون الإيلاج الذي في القُبُل في محل الوطء، فلو غَيَّب بين شفريها لم يجب الغسل عليهما إلا بالإنزال.

والمالكية قالوا: تحصل الجنابة، ويجب الغسل منها بإيلاج رأس الإحليل في قُبُل أو دُبُر ذكر أو أنثى أو خنثى أو بهيمة، سواء أكان الموطوء مطيقًا أم لا، وعلى الموطوء المكلَّف إن كان الواطئ مكلَّفًا، فمَن وطِئها صبي لا يجب عليها الغسل إلا إذا أنزلت، ويشترط في حصول الجنابة للبالغ ألا يكون على رأس الإحليل حائل يمنع اللذة وإن تجاوز ختان المرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل”.

والحنابلة قالوا: إن توارى رأس الإحليل في قُبُل أو دُبُر مَن يطيق الوطء دون حائل، ولو رقيقًا، وجب الغسل على الفاعل والمفعول، إذا كان الذكر لا ينقص عن عشر سنين، وسن الأنثى لا تنقص عن تسع سنين، ويجب الغسل لتواري الحشفة، ولو كان المفعول به بهيمة أو ميتة، وإذا أولج الخنثى ذكره في قُبُل أو دُبُر غيره لم يجب الغسل عليهما، وكذا لو أولج غيره في قبله لم يجب عليهما، أما لو أولج غير الخنثى في دبر الخنثى وجب الغسل عليهما لكونه محقق الأصالة)!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى