“ألغاز الغاز”.. كيف أصبحت مصر مركزًا إقليميًا للطاقة؟

عندما تدق طبول الحرب، فتش عن الاقتصاد. وعندما تطغى النزاعات، ابحث عن المصالح المتعارضة، والثروات محل النزاع. هذا هو “مربط الفرس”. لا يمكن التعامل مع ملف غاز شرق المتوسط بعيدا عن هذه القاعدة. على مدار الأشهر والسنوات القريبة، وتحديدا تلك التي تلت أحداث “الربيع العربي”، كان ملف اكتشافات الغاز بمثابة “اللغز الأكبر” لا لشيء سوى لكثرة تعقيداته وتشابكاته اللانهائية، فضلا عن أطرافه المتعددة.

تعقيدات الملف كانت – ولا زالت – تكمن في هذا الكم الهائل من تداخل الخرائط، وتسارع الأحداث، وتبدل الأدوار، وتزايد التساؤلات حول من يملك مفاتيح شرق المتوسط؟، ومن أبرز المستفيدين من الاكتشافات الجديدة للغاز الطبيعي بتلك المناطق؟، ولماذا أعلنت مصر سعيها للتحول إلي مركز إقليمي للطاقة؟، وما الذي يغضب دولة مثل تركيا من أمر كهذا؟، وهل التحالفات الإقليمية التي تكونت بفعل اكتشافات الغاز الجديدة يمكن أن يكون لها دورا مؤثرا في خريطة الغاز العالمية بالفعل، أم أن الأمر برمته مجرد “شو إعلامي” وتسويق سياسي أكثر من أي شيء آخر على أرض الواقع؟

الحديث عن الصراع الدائر حاليًا في منطقة شرق المتوسط، يتطلب بالضرورة المرور على محطات تاريخية وجغرافية لمعرفة ما الذي حدث، وربما ما الذي قد يحدث مستقبلا، لكننا نسعى في السطور التالية، التركيز بشكل أساسي على الدور المصري في شرق المتوسط، وتأثير خطة مصر بشأن التحول لمركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز على خطط جيرانها، وخطط دول أخرى – وتحديدا تركيا –  كانت تطمح في القيام بهذا الدور، إلي جانب التركيز على أهمية توظيف الاكتشافات الجديدة بالشكل الأنسب، حتى لا تتكرر أخطاء الماضي.

اللغز الأول: كيف غيّر حقل “ظهر” خريطة الطاقة في المنطقة؟

منذ اكتشاف حقل “ظهر” العملاق، كان واضحا أن قواعد لعبة الغاز، وأن الخريطة تغيرت بالفعل. صحيح أن اكتشافات أخرى في دول الجوار ظهرت للعيان قبل ذلك بسنوات، لكنها لم تكن تحوي هذا الكم من الاحتياطي الذي امتلكه الحقل المصري. فوفقا لبيانات رسمية فإن احتياطي الغاز في العالم يقدر بنحو 6952 تريليون قدم مكعب، وهو احتياطي يغطي الاحتياجات لمدة تصل إلى 50 عاما تقريبا، بينما يبلغ إجمالي احتياطيات حقول منطقة شرق المتوسط، أكثر من 100 تريليون قدم مكعب، وهو ما يمثل أقل من 2% من الاحتياطي العالمي، في الوقت الذي يمثل إنتاج كافة حقول منطقة الشرق الأوسط مجتمعة نحو 38%.

البيانات المعلنة تؤكد تماما أهمية ودور حقل “ظهر” الذي تقدر احتياطاته بنحو 30 تريليون قدم مكعب، ما جعله يتصدر خريطة حقول الغاز في شرق المتوسط، مقارنة بحقل “تمار” الإسرائيلي الذي تقدر احتياطاته بنحو 10 تريليونات قدم مكعب، وحقل “ليفياثان”، الذي يعد أكبر حقل غاز في إسرائيل، وتقدر احتياطاته بنحو 18 تريليون قدم مكعبة، بجانب حقل “تانين” الذي يبعد نحو 120 كيلو من شاطئ إسرائيل ويمتلك احتياطي يقدر بـ2.1 تريليون قدم مكعب. في المقابل تمتلك دولة قبرص حقل “أفروديت” الشهير، والذي تبلغ احتياطاته 8 تريليونات قدم.

في أغسطس أعلنت شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف حقل “ظهر” العملاق، وكان للحدث وقعه على سوق الغاز العالمية، خاصة أن الأمر جاء بالتوازي مع تنمية واكتشاف حقول أخرى، صحيح أن تلك الحقول لا تقارن بـ”ظهر”، لكنها مثلت إضافة لا يستهان بها لإنتاج الغاز المصري، ومن هذه الحقول  حقل شمال الإسكندرية فى البحر المتوسط، على مقربة من “إدكو ورشيد”، وتقدر احتياطاته بنحو 5 تريليونات قدم مكعب من الغاز من مرحلته الأولى، وحقل “آتول” المكتشف فى مارس 2015، ثم حقل “نورس” الذي تم الإعلان عن اكتشافه فى يوليو 2015، ويصل معدل إنتاجه حاليا إلى 1.2 مليار قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعى، فيما يبلغ إجمالي احتياطي الحقل إلى نحو تريليوني قدم مكعب من الغاز.

  إنتاج حقول الغاز ومصنعي الإسالة في مصر بحسب المنطقة

وبحسب بيانات وزارة البترول فقد ارتفع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى معدلات غير مسبوقة نتيجة الإسراع بتنمية الحقول المكتشفة ووضعها على الإنتاج ليبلغ إجمالي الإنتاج الحالي من الغاز الطبيعي نحو 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً، منها 3 مليارات قدم عبر حقل “ظهر” وحده، في الوقت الذي لم يتجاوز معدل استهلاك الغاز المحلي، بينما قدر تقرير صادر عن الشركة القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس”، متوسط استهلاك السوق المحلي من الغاز خلال العام المالي 2018-2019  بنحو 5.97 مليار قدم مكعبة يومياً، مقارنة بـ 5.75 مليار فى 2017-2018، ما يعني أن هناك أكثر من مليار قدم مكعب فائض إنتاج محلي، وهو ما جعل مصر تتجه إلي جزء من شحنات الغاز لديها، ولو بكميات ضئيلة عبر المزادات التجارية، وقدر مسئول بوزارة البترول تلك الكميات بمليار قدم مكعب في اليوم يتم تصديرها على 10 شحنات شهريًا.

ويؤكد مسئول رفيع بوزارة البترول لـ “ذات مصر” أن حقل ظهر يعد بالفعل “نقلة كبرى” في سوق الغاز، لكنه في الوقت ذاته يحذر من خطورة الاعتماد على الحقل العملاق وحده، إذ يغطي احتياجات مصر لمدة 10 سنوات، مضيفا: “لا نريد المبالغة في الأمر، وفي الوقت ذاته لا نحبذ التهوين منه، والخطوات التي تتبع ما بعد ظهر قد تكون أهم، من خلال المزيد من البحث والاستكشاف، نظرا لأن الحقول لها أعمارها، وتنضب مع مرور الوقت”، مشددا على أن “ظهر وحده لن يكفي” إذا كنا نتحدث عن التحول إلي مركز إقليمي للطاقة بالمنطقة.

اللغز الثاني: صراع القاهرة – أنقرة.. من يصل أسرع إلى أوروبا؟

على موقع وزارة الطاقة الإسرائيلي تتصدر فكرة موقع إسرائيل وإسهامه في إمكانية تحويل تل أبيب إلى مركز للطاقة؛ يصلح لإمداد دول أوروبا المعتمدة على الغاز الروسي بنسبة كبيرة، وفي المقابل تسوق مصر لاستراتيجيتها متوسطة المدى بشأن احتلال موقع على خريطة الغاز الإقليمية في ذات الوقت، عبر التأكيد بأن لديها بنية تحتية تجعلها المرشح الأول في المنطقة للقيام بدور التاجر والمعبر الأساسي في صناعة الغاز، وهو الدور الذي له تأثيره المباشر والأكبر على دولة طالما خططت لبلوغه، بالتعاون مع الشريك الروسي، وهي الدولة التركية.

التطور التاريخي والمستقبلي لإنتاج الغاز بمصر وفقا لكل منطقة

وتمثل البنية التحتية للغاز في مصر “كلمة السر” في تعزيز خطة مصر نحو تحولها إلى مركز لتجارة وتداول الغاز، فوفقا لرسالة دكتوراه قُدمت إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أعدها الباحث أحمد زكريا الباسوسي، تمتلك مصر 3 منشآت رئيسة لتسییل وتصدير مختلف أنواع الغاز الطبیعي إلى العالم الخارجي، منها ما یستخدم لتصدير الغاز المسال، وأخرى للغاز الطبيعي الخام، وتنقسم تلك المنشآت إلي منشآت “تسیل وتصدير الغاز المسال”، ومنها منشأتان رئيستان تعملان على تسییل الغاز الطبيعي من أجل تصديره وهما مجمع “سیجاز” للغاز المسال، و شركة “إدكو” لتسیل الغاز الطبیعي.

وتقع شركة “سیجاز” المصریة الإسبانیة في دمیاط على بعد ٦٠ كیلو متر غرب بورسعید، حیث بدأت إنتاجها عام ٢٠٠٤ بهدف تصدیر الغاز المصري، وتستحوذ  شركة یونیون فینوسا على ٨٠ %من إجمالي حصة المجمع، في الوقت الذي تمتلك فیه الهیئة العامة للبترول ١٠% والشركة المصریة القابضة للغاز الطبیعي “إیجاس” على الـ١٠% الأخرى، لكن هذا المجمع توقف في العام 2012 نتيجة وجود نقص في إمدادات الغاز للسوق المحلية، ما نتج عنه وجود خلافات قانونية، أدت إلى ذهاب الشركة الإسبانية إلى التحكيم الدولي للحصول على تعويض مادي، لكن مصدر في وزارة البترول قال إن الوزارة بصدد الانتهاء من قضايا التحكيم ليتم تشغيل المحطة واستئناف التصدير من خلالها في غضون شهور.

وبحسب الدراسة فإن هناك محطة أخرى للإسالة تعمل حاليًا وتُمثل شركة “إدكو” الواقعة بالبحيرة. وتمتلك شركة بي جاز البریطانیة ٣٨ % من إجمالي حصة المشروع، بینما تملك شركة بترو ناس ٣٨ %من الحصة، في الوقت الذي تمتلك فیه كل من الهیئة العامة للبترول و”إیجاس” ١٢% لكل منهما. وتمتلك تلك المحطة قدرة تسیل تبلغ ٦,٣ ملیون طن في العام، وفقًا للدراسة.

أما بالنسبة لخطوط نقل وتصدیر الغاز الطبیعي تؤكد الدراسة أن خط الغاز العربي یعتبر الشریان الرئیس لنقل الغاز المصري إلى دول المشرق العربي، حيث تم الاتفاق على إنشائه من خلال توقيع مذكرة تفاهم ثنائية بين مصر والأردن في عام ٢٠٠١، لكن تم مراجعتها بعد ذلك لتضم كل من سوريا ولبنان، ویمتد الخط لمسافة أكثر من ١٢٠٠ كيلو متر بتكلفة وصلت 1.2 ملیار دولار. الخط في مراحله الأولى أمتد من “العریش” المصریة إلى العقبة وأنُجز في عام ٢٠٠٣، أما المرحلة الثانية فتمتد من العقبة إلي الرحاب في شمالي الأردن ثم الحدود السوریة الأردنیة في عام ٢٠٠٧، لتصل إلى حمص السوریة في عام ٢٠٠٨ ، ثم طرابلس اللبنانیة بعدها، فضًلا عن امتداد الخط من العریش إلى عسقلان بطول ١٠٠ كیلو متر، وهو الامتداد الذي تم تشغيله بشكل عكسي بعد ذلك لينقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر.

وفي حوار سابق لوزير البترول طارق الملا، قال إن استراتيجية مصر بشأن الغاز تتضمن عدة محاور، كان من بينها استغلال البنية التحتية لمحطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط؛ لإسالة الغاز الخاص بالدول الأعضاء في منتدى دول شرق المتوسط وتصديره بعد ذلك، فضلا عن وجود شبكة قوية من خطوط الأنابيب تربط مصر من شمالها إلى جنوبها والتي ستنقل الغاز لمحطات الإسالة، موضحا أن هذه البنية هى التي عززت التوجه المصري نحو في تجارة الغاز بالمنطقة، والتحول إلى مركز إقليمي للطاقة بكل أنواعها.

تقرير الغاز العالمي 2019 – كميات الغاز المسال وغير المسال المصدّر إلى أوروبا وآسيا

استراتيجية مصر بشأن الغاز يدعهما بالأساس عنصران غاية في الأهمية، الأول هو الموقع الجغرافي، والقرب الشديد من القارة الأوروبية، والثاني، حاجة أوروبا ذاتها إلى تنويع مصادر حصولها على الغاز، ووفقا لمسئول بارز بقطاع الغاز في وزارة البترول فإن موقع مصر مثالي للغاية، وأن المقومات والبنية التحتية تؤهلانها لذلك، موضحا أن ما يدعم تلك البنية ويعزز من مكانتها هو الفوائض لدى قبرص وإسرائيل التي يمكنها أن تسهم في تشغيل محطات الإسالة، مضيفا: “محطات الإسالة لدينا تكفي، ومصر قادرة على زيادة طاقات محطاتها للإسالة، وهناك إمكانية لإضافة محطتين جديدتين، كما أن الدولة قادرة على زيادة طاقة محطة إدكو بنسبة 100%، ومحطة دمياط بنسبة 50%”.

ويؤكد المصدر أن القارة الأوروبية تستورد نحو 300 مليار قدم مكعب في العام، وأن إنتاج أوروبا يغطي حوالي ثلث الاستهلاك، بينما يتم الاعتماد على الاستيراد من الخارج لتغطية باقي الكميات، وتأتي تلك الكميات عبر عدة دول في مقدمتها روسيا والجزائر وقطر، لافتا إلى أن التوجهات الأوروبية تتركز على أهمية تنويع مصادر الاستيراد حتى وإن كانت بكميات ليست كبيرة.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار هو: ما تأثير الاستراتيجية المصرية على الطموحات التركية؟ وهل  يمكن القول أن التحرك المصري سحب بشكل أو آخر البساط من تحت أقدام الأتراك؟

 الإجابة الأكثر ترجيحا هي “نعم”، فوفقا للمصدر تريد تركيا أن يمر الغاز عبر خطها الجديد الذي تم تدشينه الشهر الماضي مع روسيا تحت اسم “السيل التركي”، وهو الخط الذي يصل من روسيا إلى أوروبا عبر تركيا، مروراً بالبحر الأسود إلى البر التركي، لينتهي عند الحدود التركية- اليونانية حيث تُقام مستودعات ضخمة للغاز، ومن ثم يورد للمستهلكين في شرق ووسط أوروبا.

ويشير المصدر إلى أن تركيا تستهلك كمية من الغاز تصل إلى 50 مليار متر مكعب في العام، وأن 75% من تلك الكميات تأتي عن طريق غاز روسيا وأذربيجان وإيران، عبر خطوط أنابيب، والباقي عبارة عن غاز مسال من خلال قطر والجزائر، موضحا أن الخط الجديد “السيل التركي” عبارة عن أنبوبين أحدهما يحتمل 15.5 مليار وهى الكمية التي ستذهب جميعها إلى تركيا، والباقي سيتم تسويقه في جنوب أوروبا.

ويؤكد المصدر أن التحركات المصرية نجحت في تحقيق السبق واتخاذ خطوة سابقة على الخطوة التركية عبر الاتفاق مع شركاء شرق المتوسط لاستيراد الغاز وتسييله في مصر وتوريده إلي أوروبا، وهو ما أغضب الجانب التركي الذي سارع إلى توقيع اتفاق مع الجانب الليبي، مضيفا أن صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي التي أبرمتها مصر  وبموجبها ستورد الشركات نحو 85.3 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى لمصر، على مدى 15 عاما، كان نجاحا كبيرا، إذ أدى في النهاية إلي إسقاط قضية تحكيم دولي بنحو 1.5 مليار دولار بين مصر وإسرائيل، فضلا عن استغلال فوائض الغاز الإسرائيلي لتشغيل مصانع الإسالة وتوريده إلي أوروبا.

اللغز الثالث: هل كان “إيست ميد” طعنة في ظهر القاهرة؟

في ديسمبر الماضي أعلنت قبرص واليونان وإسرائيل توقيعها اتفاقية من أجل إنشاء خط بحري لمد الغاز من حقولها يبدأ بإسرائيل وينتهي في إيطاليا، وهى الخطوة التي سوّق لها البعض على أنها “طعنة” في ظهر القاهرة، التي دشنت قبل نحو عام ونصف منتدى غاز المتوسط الذي يضم الدول ذاتها، واعتبر البعض أن هذا الخط قد يمثل تهديدا لاستراتيجية مصر في التحويل نحو مركز لتجارة الغاز، لكن الواقع والحقائق تقول غير ذلك.

خط الغاز إيست مد

وفيما بدا أنه رد على هذا الطرح ظهر وزير البترول طارق الملا مرتين، الأولى في حوار تليفزيوني، والثاني في حوار صحفي، ليؤكد أن الإعلان عن الخط الجديد الذي حمل اسم “إيست ميد” لا يمثل من قريب أو بعيد تهديدا لمصر أو خطتها بشأن منظومة الغاز.

ووفقا لتصريحات الوزير فإن “إنشاء هذا الخط لم يكن تحديا أو منافسة لمصر ولكن في حالة مشاركة مصر سيكون عامل إنجاح للمشروع”، معتبرا أن تعجيل الدول الثلاث في الإعلان عن هذا المشروع كان أمرا له أهداف سياسية. ووفقا لتصريحات الوزير فإن مصر لم تشترك في هذا الاتفاق، “لعدة أسباب أهمها وجود البنية التحتية الخاصة بها، وهذه البنية تعمل بشكل جيد، ويتم من خلالها بالفعل تصدير كميات بالفعل لأوروبا، وبالتالي لسنا في حاجة إلي المشاركة بالاتفاق”.

ويدلل مسئول بارز بوزارة البترول على هذا القول بغياب الجانب الإيطالي عن مراسم التوقيع، رغم إنه الجانب الذي من المفترض أن يستفيد من الأمر؛ نظرا لانتهاء الخط عند حدوده.

ويشير وزير البترول أيضا إلى الصعوبات التي تجعل من وجود هذا الخط أمرا غير واقعيا بنسبة كبيرة، أولها أن أغلب الخط سيمر في المياه التي يوجد عليها خلافات كبيرة بين تركيا وقبرص واليونان، وبالتالي ليس من المؤكد أن يمر هذا الخط ببساطة، كما أن هناك مشكلات فنية تكمن في العمق الكبير للمياه ببعض المناطق التي سيمر بها، ما سيجعل الخط مكلفا للغاية، حيث سيتكلف مثل هذا المشروع نحو 7 مليارات دولار، كما من الممكن استغراق إنشاءه حوالي 6 إلى 7 سنوات.

اللغز الرابع: كيف تتفادى مصر “أخطاء الماضي” في ملف استغلال الغاز؟

جميع المعطيات في سوق الغاز تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هناك طفرة حقيقية ستشهدها سوق الغاز المصري، الأمر الذي يجب – ولو نظرياً – أن ينعكس على كثير من الصناعات التحويلية، خاصة تلك التي تعتمد على الغاز كمدخل إنتاج وليس مصدرا للطاقة.

وليس سراً أن العام 2015 كان الأسوأ بالنسبة لعدة صناعات مثل الأسمدة الآزوتية والأسمنت والحديد وغيرها من الصناعات التي اضطرت في بعض الأحيان إلى إيقاف خطوط إنتاج بكاملها نتيجة نقص إمدادات الغاز الطبيعي إليها.

الواقع يقول إنه قبل العام 2011 كانت مصر من الدول التي تتمتع باكتفاء ذاتي من الغاز، وكانت تصدره بأرقام تبدو زهيدة إلي دول عدة من بينها إسرائيل، لكن الواضح أن الوفرة في الغاز آنذاك انتجت “سفها” في الاستهلاك والتصدير معا، وعقب 25 يناير 2011 تحول الأمر إلى عكسه، وأصبحت مصر – تحت وطأة عدم القدرة على سداد مستحقات شركات البترول الأجنبية – مستوردا صافيا لجزء كبير لاحتياجاتها من الغاز، لكن الأمر اختلف بشكل كبير بعد العام 2015.

الاكتشافات التي حدثت وغيرها من الاكتشافات المستقبلية، تبشر بالخير، وتؤكد أن الحكومة المصرية لديها بالفعل خطة جيدة لتنمية إنتاج الغاز ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه حاليا تزامنا مع الاكتشافات المتعددة هو: هل نحن مستعدون لاستقبال الزيادات الجديدة في إنتاج الغاز؟

هذا السؤال سعى المركز المصري للدراسات الاقتصادية للإجابة عنه في إحدى أوراقه المنشورة مؤخرا، حيث أكد المركز أن الزيادة في إنتاج الغاز أدت إلى توفير مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي كانت مخصصة للاستيراد، وتلبية حاجة محطات الكهرباء والمصانع والمنازل بما لا يمثل ضغطا إضافيا على ميزان المدفوعات.

وأكد المركز أهمية التعامل مع الغاز كعنصر من عناصر الطاقة في المنظومة الاقتصادية ككل، وليس كمادة خام في حد ذاته وهو ما يقتضي وضع رؤية شاملة لتحقيق أقصي استفادة ممكنة منه، وتحديد أفضل البدائل الممكنة لاستخدامه بما يحقق أقصي قيمة مضافة.

رسم لتطور استهلاك الغاز محليًا مقابل الإنتاج منذ 2011 حتى 2020- الجمعية المصرية للغاز

وبما إن الغاز المصري يمثل ثروة للأجيال الحالية والقادمة، فإن المركز يرى أنه ينبغي استخدام تلك الثروة بما يحقق عائدا مع الإبقاء على قيمتها غير منقوصة، وهو يقتضي أمرين، الأول عدم تصدير الغاز الخام، واستخدامه في الصناعة وتحويله إلى منتجات يتم تصديرها مثل صناعة الأسمدة، بما يؤدي إلى زيادة قيمته عدة أضعاف، والثاني هو توجيه حصيلة هذه الصادرات إلى استثمارات منتجة تساهم في زيادة الطاقة الإنتاجية ورفع معدلات النمو الاقتصادي، ومن ثم تتحول الثروة من شكل إلى آخر يحقق عائدا أكبر دون أن تستنزف في بنوك الاستهلاك الجاري.

وشدد المركز على ضرورة إعادة هيكلة قطاع البترول والغاز الطبيعي على المستويات التشريعية والتنظيمية والإدارية والمالية كافة، بالإضافة إلى تطوير وصيانة محطات “إدكو” ودمياط لتسييل الغاز والاستفادة من الميزة النسبية التي توفرها، خاصة أن دول أخرى منتجة للغاز كإسرائيل ما زالت عاجزة عن امتلاك مثل هذه المحطات نظرا لارتفاع تكلفة إنشائها.

الأمر الأكثر أهمية في هذا الملف هو ضرورة قيام الحكومة بتدبير تكاليف البحث عن الغاز على المدى الطويل بدلا من الشركات الأجنبية بهدف تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية، عندئذ قد تتمكن الحكومة الحالية من تلافي أخطاء كارثية ارتكبتها حكومات ما قبل الثورة في التعامل مع ملف الغاز يوم أن مصر مُصدرا لا مستوردا.

خبراء الصناعة كافة يؤكدون أن “البتروكيماويات” صناعة مهمة، وتمثل قيمة مضافة لإنتاج الغاز، ومن ثم يجب ألا تعيد مصر أخطائها، ويقول أحد خبراء صناعة الغاز لنا إن مصر في وقت ما كانت لديها فوائض كبيرة من الغاز، وبالتالي جذبت صناعات كبرى مثل الحديد و الإسمنت، نظرا لأن عقود الغاز كانت تتراوح بين 75 سنت ودولار فقط، وهو ما دفع صناعات كثيفة الاستهلاك لزيادة استثماراتها من أجل استغلال سعر الغاز.

ويضيف: في الحقيقة الشركات لم تكن تصدر أسمنت كانت بطبيعة الحال تصدر غاز مدعم، وبالتالي فإن استراتيجية التعامل مع الغاز يجب أن تتضمن آليات لتعميق صناعته، ورؤية جيدة وثاقبة للسوق العالمية والأسعار.

خلاصة القول إن مصر حققت إنجازا كبيرا استغرق العمل فيه لسنوات من أجل تدارك تبعات أزمة الطاقة التي خلفتها الاضطرابات التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، وكان أبرز تلك الأزمات تحول مصر إلي مستوردٍ صافٍ للطاقة. اليوم وبفضل تحركات محسوبة ورؤية مستقبلة واعية في ملف الطاقة انتهت أزمات هائلة كانت تشد مصر واقتصادها إلى الوراء، ولهذا شواهد عديدة أهمهما تصفير مشكلة مستحقات الشركاء الأجانب، وجذب مزيد من الشركات العالمية للتنقيب، والإسراع في تطوير وتنمية حقول الغاز والاكتشافات. مصر بالفعل مؤهلة اليوم بشكل أو آخر لتكون لاعباً إقليماً مؤثراً في ملف الغاز في الشرق الأوسط، وتقترب بخطى متتابعة من حلم التحول إلى “المركز الإقليمي للطاقة”.

بمشاركة

تصميم الخريطة

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

هيئة التحرير

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram