أمة منقسمة:

الديمقراطية الأمريكية في مواجهة "الفايكنج"

إذا أردنا أن نُلخِّص الديمقراطية الحديثة فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو “الانتقال السلمي للسلطة بناء على انتخابات حرة نزيهة”؛ ولطالما كان حدوث وتنظيم هذا الأمر محل فخر للأمة الأمريكية منذ تأسيس الولايات المتحدة أواخر القرن الثامن عشر، وتقلُّد جورج واشنطن منصب أول رئيس للجمهورية الفيدرالية حديثة التشكل حينها.

وعلى مدار ما يُقارب قرنين ونصف من الزمن تعاقب على حكم الولايات المتحدة 45 رئيسًا أمريكيًّا لم يتمكن العديد منهم من تأمين إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية -كما هي الحال مع الرئيس دونالد ترامب- ورغم ذلك لم تشهد الولايات المتحدة أي انقطاع أو تعطيل لعملية الانتقال السلمي للسلطة كما شهدنا أمس (في 6 يناير/ كانون الثاني 2021) عندما اقتحمت حشود من أنصار ترامب مقر الكونجرس الأمريكي، لمقاطعة الجلسة المشتركة لمجلسي النواب والشيوخ للمصادقة على فوز جو بايدن، في مشهد كأنه يُعيد التاريخ إلى القرون الوسطى وأزمان ما قبل الديمقراطية، حتى إن ملابس المقتحمين حملت نفس الدلالة.

ولكن كيف تدهورت الديمقراطية الأمريكية بهذا القدر؟ وماذا حدث تحديدًا؟ وإلى أي مدى قد يؤثر ذلك في الديمقراطية الأمريكية؟

مظاهرات أمام الكونجرس

مشهد مستهجن ولكنه متوقع

لم يكن مشهد اقتحام أنصار الرئيس ترامب لمقر الكونجرس الأمريكي أمس سوى نتيجة طبيعية لجهوده الدؤوبه للتشكيك في نتائج العملية الانتخابية، ورفضه الاعتراف بها وزعمه تزويرها لصالح منافسه جو بايدن. وقد شهدت هذه الجهود عبر الشهرين الماضيين عشرات القضايا والطعون التي باءت جميعًا بالفشل. وكذلك فإن تحقيقًا أجرته وزارة العدل الفيدرالية لم يجد دليلاً واحدًا يُدعِّم أيًّا من مزاعم التزوير. ولم يقتصر الأمر على هذا وإنما امتد كذلك ليشمل ضغوطًا غير قانونية مارسها ترامب لتغيير النتيجة لصالحه، كما ظهر في المكالمة المسربة له مع سكرتير ولاية جورجيا، التي طلب منه فيها إيجاد أصوات لقلب نتيجة الانتخابات لصالحه.

وقد شجع ترامب على ذلك المسلك تعهد العديد من قيادات الحزب الجمهوري بدعمه في جهود إثبات تزوير الانتخابات، أو على أقل تقدير عدم اعتراضهم على هذه المزاعم، وهو ما أكدها لدى قطاعات واسعة من أنصار الرئيس ترامب والحزب الجمهوري.

ورغم أن جلسة الكونجرس للتصديق على نتائج الانتخابات لا تتجاوز كونها إجراء شكليًّا فقط لاعتماد أصوات المجمع الانتخابي السابق إقرارها، لم يمنع هذا بعض أعضاء الكونجرس الجمهوريين من الاعتراض رسميًّا في جلسة أمس على نتائج الانتخابات في بعض الولايات، وهذا رغم عدم جدوى هذه الاعتراضات التي ينبغي لكي تُمرَّر أن يوافق عليها كل مجلس على حدة بغالبية أعضائه، وهو الأمر المستحيل في ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، وإعلان العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين نيتهم عدم الاعتراض.

لم يتوقف ترامب وأنصاره في الحزب الجمهوري عند هذا الحد، فقد دعا الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته أنصاره إلى تجمع بعنوان “أنقذوا أمريكا” في العاصمة واشنطن أمس الأربعاء (6 يناير/ كانون الثاني 2020) قبيل انعقاد جلسة الكونجرس للمصادقة على نتائج المجمع الانتخابي، وما انفك ترامب في خطابه أمام آلاف من أنصاره عن تكرار نفس مزاعمه حول تزوير الانتخابات وسرقتها لصالح منافسه، كما تعهد أيضًا بعدم التنازل أو الاعتراف بالهزيمة لأنه هو الفائز الحقيقي في الانتخابات وسيثبت ذلك. وقد تحركت الحشود الغاضبة بعد الاستماع إلى خطاب ترامب إلى مقر الكونجرس في أثناء انعقاد الجلسة المشتركة للتصديق على نتائج الانتخابات.

شغب داخل الكونجرس

سرعان ما تطور الأمر إلى أحداث عنف شهدت اقتحام مئات من المتظاهرين لمقر الكونجرس، واشتباكهم مع قوات الشرطة، ما ترتب عليه إلقاء القبض على العشرات ووفاة 4 من المتظاهرين، ومن ضمنهم امرأة توفيت بعد إصابتها برصاص الشرطة؛ وقد أعلن عمدة واشنطن فرض حظر التجول في المدينة للسيطرة على الموقف وتمكين أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من استكمال اجتماعهم لاعتماد النتيجة النهائية، وهو ما حدث بالفعل ولكن بعد عدد من الساعات.

ورغم أن مثل هذه الأحداث لم يسبق لها مثيل في السياسة الامريكية، كانت يتوقعها العديد من الساسة والمحللين، خصوصًا في ظل خطاب التصعيد والتحريض الذي تبناه ترامب منذ هزيمته في الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وكذلك في ظل شعبية ترامب ودعمه من جماعات اليمين العنصري المتطرف، والجماعات المتعصبة للعرق الأبيض كجماعة “الأولاد الفخورون” والـ “كي كي كي” التي دائمًا ما نظرت إليه كمصدر للتشجيع كما أكدت تقارير عديدة.

 كيف يؤثر اقتحام الكونجرس في الديمقراطية الأمريكية؟

لقد أثار مشهد اقتحام الحشود الغاضبة للكونجرس انتقادات عديدة من سياسيين أمريكيين ديمقراطيين وجمهوريين على السواء، وقد انضم إلى هذه الانتقادات العديد من السياسيين الأجانب سواء أكانوا من مسؤولي الاتحاد الأوروبي أم وزراء خارجية دول أوروبية عديدة. وأكد العديد من الساسة والمُعلِّقين أن هذا العنف كان مُتوقعًا نتيجة للأكاذيب التي استمر ترامب في تصديرها لأتباعه بشأن سرقة الانتخابات وتزويرها، وكذلك تماهي قيادات الحزب الجمهوري مع هذه الادعاءات وعدم إخبارهم لأتباعهم بالحقيقة.

ورغم أن ترامب ظهر بعد ساعات من بدء العنف في بيان مصور دعا فيه أنصاره للعودة إلى منازلهم، فإنه كرر مزاعمه بشأن حدوث تزوير في الانتخابات الرئاسية؛ ولم يعلن قبوله بتسليم السلطة في 20 يناير/ كانون الثاني إلا عقب انتهاء الجلسة المشتركة للكونجرس من أعمالها وتصديقها على فوز جو بايدن. ويرى العديد من المعلقين أن ترامب بهذا قد “دنس التقاليد السياسية الأمريكية، وسيكون هذا إرثه الدائم”.

ومما لا شك فيه أن رفض ترامب التنازل عن منصبه طوعًا وبكياسة وكرامة، بل وتشجيعه لأعمال العنف بدل محاولة إخمادها كانت سابقة من نوعها في السياسة الأمريكية، ولكنها ستلقي بظلالها على المجتمع الأمريكي المنقسم بشدة حاليًّا، بل إنها كذلك ستزيد من الانقسامات داخل الحزب الجمهوري ذاته الذي أعلن عدد من قياداته رفضهم مزاعم ترامب بتزوير الانتخابات، وهي المزاعم التي تَلقى رواجًا بين قواعد الحزب الداعمة والمصدقة لترامب.

ويتفق الخبراء على أن الولايات المتحدة المنقسمة بشدة ستواجه صعوبة بالغة في التعافي من هذه الانقسامات، فحتى مع رحيل ترامب فإن الترامبية (Trumpism) باقية ولن ترحل قريبًا، فخطابات العنصرية والكراهية والتحريض التي دأب ترامب على تصديرها إلى أتباعه على مدار 4 سنوات لن تختفي بين عشية وضُحاها، كما أن خطابات وجماعات اليمين المتطرف قد لاقت رواجًا في عهده لا يبدو أنه سيخبو قريبًا في ظل زيادة قاعدة داعميه بين 2016 و2020.

رغم ذلك يمكن لنا أن نستقي من هذه الأزمة بعض الملامح الإيجابية التي تثبت أن الديمقراطية كنظام للحكم قادرة على إصلاح نفسها ومعالجة عيوبها حتى عند تعثرها، فعند النظر إلى الرسالة المشتركة التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأحد الماضي (3 يناير/ كانون الثاني 2020) من جميع وزراء الدفاع الأمريكيين العشرة الأحياء وشددوا فيها على أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد انتهت، محذرين من أي تدخل للجيش، يظهر جليًّا قدرة قيم الديمقراطية على الدفاع عن نفسها في مواجهة أي استبداد محتمل. وقد جاءت هذه الرسالة عقب إقالة ترامب لوزير دفاعه مارك إسبر، ضمن مجموعة من التغييرات الشاملة في القيادة المدنية بوزارة الدفاع، والتي تضمنت تنصيب من يُعتقد أنهم موالون للرئيس، وهو ما أثار شكوك وقلق المسؤولين داخل البنتاجون بشأن نية ترامب استخدام الجيش لحسم خلاف الانتخابات لصالحه.

ورغم تأكيد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي للكونجرس، في أغسطس/ آب الماضي، أن الجيش لن يتدخل في تسوية أي نزاعات انتخابية، فإن مجرد ورود هذا الاحتمال في إحدى الديمقراطيات المستقرة كالولايات المتحدة يثبت أن الديمقراطية ليست نتيجة أو معطى مُسلَّمًا به مهما استقرت، وإنما هي عملية تقتضي اليقظة الدائمة للحفاظ على المكاسب وتجنب التراجعات والخسائر.

أسلحة داخل الكابيتول

تُظهِّر لنا هذه الأزمة كذلك أن دعم الديمقراطية في مواجهة الاستبداد لا يستوي بدعم مؤسسات الدولة للمسار الديمقراطي فقط، وإنما يقتضي كذلك تضافر قوى المجتمع خلف القيم الديمقراطية، وهو ما ظهر جليًّا في مواقف موقعي التواصل الاجتماعي الأشهر “فيسبوك” و”تويتر” وكذلك موقع عرض الفيديوهات “يوتيوب”؛ فقد دخلت المواقع الثلاثة على خط المواجهة مع ترامب منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عبر إرفاق تغريدات الرئيس عن تزوير الانتخابات بتنويه يظهر جانبها بأنها تحمل معلومات مضللة أو لم تتأكد صحتها، وكذلك حذف يوتيوب بعض مقاطع الفيديو التي بثها الرئيس ترامب مُكرِّرًا فيها نفس مزاعم تزوير الانتخابات.

يبقى أخيرًا أن نوضح أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، إضافة إلى الغالبية المريحة التي حصل عليها جو بايدن في الانتخابات الرئاسية، سيُقوِّي من إدارتهم في السنوات المقبلة، وسيبقى مستوى أداء تلك الإدارة وتعاملها في مختلف الملفات مرتبطًا -ضمن أشياء أخرى- بمدى رواج أو انحسار الأفكار اليمينية المتطرفة في السنوات المقبلة، وانعكاس ذلك على استقرار أو تراجع الديمقراطية الأمريكية.

ونشير أيضًا إلى احتمالية قائمة بمساءلة ترامب (سياسيًّا أو جنائيًّا) عن دوره التحريضي في اقتحام الحشود لمقر الكونجرس أو غيرها من المخالفات المنسوبة إليه إبان فترة حكمه، وبالطبع نتيجة هذه المساءلة غير محسومة، بل قد تدفع أتباعه من جماعات اليمين المتطرف المسلحة إلى أفعال انتقامية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحليل

أحمد حمدون

باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram