سياسةمختارات

أمريكا تؤخّر قدمًا.. وتقدّم أخرى.. “داعش”ينتعش.. ويتأهب!

 

تزامنت انتخابات الرئاسة الأمريكية مع حالة انتعاش “ميداني” يعيشها تنظيم داعش، مؤخرًا، ففي حين انشغلت الأوساط السياسية بمتابعة المناظرات والنتائج الانتخابية، كان التنظيم يُطلق سلاسل جديدة من الهجمات الإرهابية في العديد من البلدان.

لو نظرنا في حصيلة العام الجاري الذي يذهب إلى نهايته، لوجدنا ارتفاعًا ملحوظًا في معدل العمليات الإرهابية، إذ استغل التنظيم الثغرات الأمنية التي خلفها الانسحاب الأمريكي من بعض المناطق في العالم، بجانب الظروف التي خلقتها جائحة كورونا (كوفيد- 19)، في الانتشار وشن المزيد من الهجمات الإرهابية، ويبدو أن “داعش” يسعى لاستعادة معاقل سيطرته السابقة، وموارده البشرية والمالية.

اضطرابات سياسية خطرة

وقد نشر معهد الشرق الأوسط بواشنطن، ورقة بحثية بعنوان: “السياسة الأمريكية وإرهاب تنظيم داعش“، تناقش تعافي تنظيم داعش وتأثيراته في السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية.

وفقًا للدراسة فإن الفوضى داخل الأجهزة التابعة للحكومة العراقية، والاضطرابات السياسية التي تعيشها المنطقة، نتيجة الصراع الأمريكي- الإيراني على الأراضي العراقية عبر وكلاء طهران، بجانب المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها بلاد الرافدين، تُشكل بيئةً خصبة لنمو وتمدد داعش.

عناصر داعش المسلحة

ومع أن التنظيم لن يعود للسيطرة المكانية بسرعة كبيرة، لكن من المتوقع أن يعود للانتشار بطريقة تدريجية وفاعلة في نفس الوقت، في حين أبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إستراتيجية “قدم للأمام وقدم للخلف” في التعامل مع التهديد الذي يمثله داعش.

كما أدت جائحة كورونا إلى تداعيات على ملف مكافحة الإرهاب في العراق، فقد اضطرت القوات الأمريكية إلى إعادة التمركز في بضعة قواعد عسكرية داخل العراق، بفعل الجائحة وضربات الصواريخ التي تنفذها غالبًا فصائل شيعية ولائية (محسوبة على طهران)، وانسحبت أيضًا عدة دول (منضوية ضمن التحالف الدولي المعروف بعملية العزم الصلب) من عمليات التدريب العسكري للقوات العراقية والكردية التي تحارب داعش، وكان على رأس تلك الدول: المملكة المتحدة وفرنسا، وكندا والتشيك ونيوزلندا.

وعلى الساحة السورية الداخلية، لا يزال داعش نشطًا في المناطق التي يسيطر عليها نظام الرئيس بشار الأسد، وقوات سوريا الديمقراطية، كما تبرز هنا نقطة أخرى متعلقة بأزمة التعامل مع معتقلي داعش في معسكرات الاعتقال، والتي يجري التعامل معها بعدم يقين أو إدراك للآلية الأفضل التي ينبغي أن تُنتهج في التعامل معهم.

وأشارت الورقة البحثية إلى أن العراق وسوريا كانت مسرح العمليات الرئيس للتنظيم، الذي بدا كأنه غير قادر على تنفيذ هجمات منسقة في دول أخرى، إلا أنه ما زال ينشط في الدعاية والتجنيد عبر الفضاء الافتراضي، بجانب احتفاظه بتمويل كبير يتراوح ما بين 50 و300 مليون دولار.

القوات الامريكية في سوريا

آلاف المقاتلين

لعبت العملية العسكرية التي قامت بها قوات الجيش التركي ضد قوات سوريا في شمال الرقة السورية، دورًا بارزًا في الضغط على القوات الكردية التي وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة الجيش التركي من ناحية، وعناصر داعش من ناحية أخرى. وكانت محصلة ذلك هروب عدد من مقاتلي داعش من مقرات الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

وتلمح الورقة البحثية إلى أن التدخل التركي جاء بضوء أخضر من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم أن الأكراد كانوا أحد الحلفاء الرئيسين للولايات المتحدة في الحرب ضد داعش.

وفي نفس الشهر، نجحت قوة أمريكية خاصة في قتل أبو بكر البغدادي (خليفة داعش)، غير أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” أكدت، وقتها، أن مقتله لن يؤثر في عمليات تنظيمه، وهو ما حدث بالفعل خلال الأشهر التالية التي شهدت نشاطًا عملياتيًّا مكثفًا للتنظيم.

وقدر تقرير المفتش العام للبنتاجون عدد مقاتلي داعش بما بين 14 و18 ألفًا، في نفس الوقت الذي أوضح فيه تحليل إحصائي، تضمنته الورقة البحثية، أن قدرات داعش العملياتية في العراق وسوريا تحسنت وبدأت في التطور في ظل انشغال الرئيس الأمريكي بلعب لعبة القط والفأر مع إيران داخل العراق، وعدم الاهتمام بتخصيص موارد كافية لحرب داعش.

قاطنو المناطق التي تسيطر عليها داعش


قضية غير محورية

لم تكن قضية مواجهة “عودة داعش” محورية في السباق الانتخابي بين الديمقراطيين الذين مثلهم جون بايدن، والجمهوريين الذين مثلهم دونالد ترامب، ومع هذا يوصي معهد الشرق الأوسط بإيلاء “مواجهة داعش” أولوية قصوى خلال المرحلة المقبلة، قبل أن يعيد بناء قدراته بالكامل وينبعث من جديد من ركام الفوضى التي تعم المنطقة.

وتوقعت الورقة البحثية أن يؤدي “انتعاش نشاط داعش” إلى تهديد مصالح الولايات المتحدة والتحالف الدولي في حال انبعث من جديد، كما سيؤدي لإلحاق الضرر بعدد لا يحصى من السوريين والعراقيين، في المناطق التي جرى انتزاعها منه مؤخرا.

ووفقًا للطرح السابق، فعلى الولايات المتحدة أن تستعيد فاعلية جهود مواجهة داعش وتستثمر في تدريب حلفائها في المنطقة، ودعم شركائها العراقيين والسوريين، وتبني نهج “الدبلوماسية أولاً” في نفس الوقت الذي تستمر فيه في الضغط الأقصى على النظام الإيراني.

كما ينبغي أن تُبقي الولايات المتحدة على وجود محدود لقواتها في سوريا والعراق، ومن غير المتوقع أن تبقي دول التحالف على قواتها أيضًا، إن أبقت الولايات المتحدة على نهجها الحالي في مواجهة إيران.

ترامب وبايدن

وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فمن الضروري أن تنتهج الولايات المتحدة نهجًا مغايرًا لإستراتيجيتها الحالية، وتركز على دعم حلفائها السوريين والعراقيين الذين هم في مواجهة مباشرة مع “داعش”.

ومن المرجح أيضًا أن يستفيد تنظيم داعش من التحديات الاقتصادية والصحية في ظل انتشار جائحة كورونا، وبالتالي فإنه سيستمر في التمدد وسيشن المزيد من هجمات الإرهابية، وقد يُشكِّل أيضًا تهديدًا للمصالح الأمريكية الإستراتيجية في أنحاء العالم، وفق الورقة البحثية.

 

 

يوليانة أكرم

باحثة مصرية مساعدة

مصطفى فكري

باحث مصري مساعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى