زوايامختارات

أمريكا تستفزّ التنين.. “تايوان” بوابة لحرب كبرى؟

 

لا يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ تولي مقعده في البيت الأبيض، عن مهاجمة الصين، واعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديًّا وعسكريًّا. وكانت جائحة كورونا (كوفيد-19) فرصة سمحت لاستمرار هذا النهج، بعدما نعت الفيروس بـ “الصيني”.

كما استغلّ الرئيس الأمريكي ذلك في الضغط على الحكومة الصينية في أحد الملفات التي تشهد توترًا منذ عقود بين واشنطن وبكين، وهو الملف التايواني. فقد أرسل ترامب وزير الصحة أليكس عازار في زيارة إلى تايوان لمناقشة ظروف الوباء وسبل التعاون لدعم القدرات الطبية التايوانية لمواجهته. وتعد هذه الزيارة فريدة من نوعها، لأنها أول زيارة أمريكية رفيعة المستوى إلى تايوان منذ 4 عقود. وقد عمدت الصين إلى التنديد والتهديد بإجراءات مضادة.

ترامب وجين بينغ

التسليح الأمريكي لتايوان

تربط ترامب بنظيرته التايوانية تساي إينج-وين علاقة جيدة، حرص ترامب على توطيدها في مناسبات عدة، كان آخرها عندما أعلن البيت الأبيض في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2020 أنه يخطط للمضي قدمًا في صفقة بيع 3 أنظمة أسلحة متطورة إلى الجزيرة التايوانية. وفور ذلك أعلنت الخارجية الأمريكية أن واشنطن قد وافقت على صفقة بيع الأسلحة والتي تشمل 100 بطارية صواريخ دفاعية من طراز “هاربون” قادرة على حمل ما يصل إلى 400 صاروخ من نوع “RGM 84-4” ويبلغ مداها الأقصى 125 كيلومترًا.

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان واشنطن -بالفعل- أنها باعت إلى تايوان 135 صاروخ كروز دفاعيًّا من طراز “سلام-إي آر” الذي يكفي مداه لبلوغ الصين، في صفقة بلغت قيمتها مليار دولار، فضلاً عن قاذفات صواريخ تكتيكية مقابل 436 مليون دولار ومعدّات تصوير للاستطلاع الجوي مقابل 367 مليون دولار، لتصل القيمة الإجمالية لهذه المبيعات إلى أكثر من 1.8 مليار دولار.

في المقابل، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجان، واشنطن إلى إلغاء “فوري” لأية خطط بيع أسلحة إلى تايوان، وقطع جميع العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وتايوان. كما طلب الرئيس الصيني من البحرية الصينية أن تُحافظ على حالة التأهب القصوى. وفي الإطار نفسه، بدأت الصين في اتخاذ خطوات أكثر فاعلية، فأعلنت أنها ستفرض عقوبات على “لوكهيد مارتن” و”بوينج للدفاع والفضاء والأمن” وغيرهما من الشركات الأمريكية المرتبطة ببيع الأسلحة إلى تايوان.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة العقوبات ليست بالجديدة، فقد سبق فرض عقوبات على “لوكهيد مارتن” للسبب نفسه، ولكن يبدو أن العقوبات لم تكن كافية للدرجة التي تمنع الشركة والشركات المشابهة بالتعاون مع تايوان.

رئيسة تايوان تساي إنج-ون

التوازن العسكري في المحيط الهادي

بكين تعتبر أن تايوان جزءً لا يتجزأ من الأرض الصينية، ومن ثَمَّ فإن أي تعاون مع الحكم الذاتي في العاصمة التايوانية تايبيه هو محاولة استعداء صريحة لبكين. ورغم مساندة الولايات المتحدة لتايوان منذ 4 عقود على نحو غير رسمي، فإن احتمالات قيام حرب واستعادة الصين لتايوان لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة فقط.

يعود السبب إلى صعود شي جين بينج على رأس السلطة في الصين، ودأبه على زيادة القدرات والإمكانات الاقتصادية والعسكرية لتكون بكين المنافس الأول لواشنطن. وعلى خلفية التعاون الزائد بين الولايات المتحدة وتايوان خلال ولاية ترامب، هددت الصين مرات عدة بأنها ستُدافع عن مبدأ “الصين الموحدة”، وكانت آخر مرة على لسان رئيس البرلمان الصيني، الذي نوه بقدرة الصين على استرجاع تايوان في أي لحظة. كما صرح الجنرال لي زو تشنج، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وعضو اللجنة العسكرية المركزية بجيش التحرير الصيني الشعبي:

“إذا ضاعت إمكانية إعادة التوحيد السلمي، فإن القوات المسلحة الشعبية ستتخذ جميع الخطوات اللازمة لسحق أي مؤامرات أو أعمال انفصالية بحزم، مع الأمة بكاملها، بما في ذلك شعب تايوان”.

وعلى الصعيد الآخر، تعتبر تايوان بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية نقطة توازن عسكري في غرب المحيط الهادي، فهي أول سلسة الجزر التي تمتد من اليابان إلى الفلبين، ومن ثَمَّ فهي حاجز طبيعي لمواجهة القوة العسكرية الصينية بحرًا وجوًّا، وفي حال سيطرة بكين عليها ستكون بداية لسيطرة إقليمية أكبر للصين، وسيتسع مدى وصول سفنها وصواريخها ودفاعاتها الجوية ليهدد القوات الأمريكية وحلفاءها الإقليميين، وتحديدًا الفلبين واليابان.

ومن الناحية الفكرية والأيديولوجية، فإن حماية الولايات المتحدة لتايوان تعتبر دليلاً قويًّا أمام الصينيين على أنه من الممكن إقامة نظام ديمقراطي في بلاد تأثرت مجتمعاتها بأيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني، ومن ثَمَّ فإن استقرار النظام السياسي في تايوان، واستمراره بعيدًا عن السيطرة الصينية، يمثل حافزًا أمام الصينيين أنفسهم لمقاومة النظام السياسي الصيني وإعادة تشكيله.

خريطة للانتشار العسكري الأمريكي حول تايوان

قانون حماية تايوان

خلال العامين الماضيين شهد الكونجرس الأمريكي العديد من المحاولات والخطط لتمرير قوانين من شأنها حماية تايوان من أي خطر صيني محتمل. فقد وافق الكونجرس في 2018 على قانون “سفر تايوان” والذي يتيح التبادلات الحكومية بين البلدين، وفي العام نفسه أقرّ الكونجرس قانون المشاركة في ضم المنظمات الدولية لتايوان. وفي عام 2019 وافق الكونجرس على قانون الحماية الدولية لحلفاء تايوان ومبادرة التعزيز.

أمّا العام الحالي (2020) فقد اقترح السناتور تيد كروز، في فبراير/شباط الماضي، مشروع قانون لإلغاء الحظر الذي يمنع الدبلوماسيين والعسكريين التايوانيين من عرض العلم الرسمي لتايوان في مباني الحكومة الأمريكية. وفي مايو/أيار الماضي تقدم مايك جالاجر بقانون الدفاع عن تايوان، ليضمن لها أن الولايات المتحدة ستقاوم أي محاولة عسكرية صينية لضمها.

وعلى صعيد آخر، فقد شعرت تايوان بتهديد صيني محتمل، وذلك بعد تبني البرلمان الصيني قانون الأمن القومي لهونج كونج، وهو تشريع يهدف إلى التصدي للميول الانفصالية والتآمر والإرهاب والتدخل الخارجي.

السيناتور الأمريكي مايك جالاجر

شكوك حول قوة الدور الأمريكي

يتساءل البعض عن قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن تايوان، في حال أقدمت الصين غزوها. وهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة لطرح هذا التساؤل، ففي كل طرح سابق كانت الظروف المحيطة به مختلفة، من ناحية القدرات العسكرية لكل من الصين والولايات المتحدة، ومن مدى التوتر بين البلدين من ناحية أخرى، وإن كانت الغلبة لدى كثير من المحللين، في السنوات ماضية، لصالح واشنطن.

بدايةً يمكن التأكيد على قدرة الصين العسكرية والاقتصادية لغزو تايوان والسيطرة عليها وتحمُّل أعباء هذه الخطوة اقتصاديًّا وعسكريًّا، لأن لدى الصين إستراتيجية وصفها البعض بالفعّالة، تتسم باتباع إستراتيجية “منع الوصول” والتي تعتمد على استخدام صواريخ باليستية وصواريخ كروز متقدمة، فضلاً عن أنظمة الدفاع الجوي والبحري. وتتركز المنظومة الصينية (A2/AD) حول مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، ما يضع القطع البحرية وحاملات الطائرات الأمريكية في مرمى الصواريخ البالستية.

أما الولايات المتحدة، فتذهب تقديرات إلى أن دخول جيشها في حرب لمصلحة تايوان سيؤدي إلى نتائج سلبية للغاية. وأظهرت تحليلات أن أي صدام أمريكي-صيني سيؤدي إلى هزيمة الولايات المتحدة، موضحة أنه في حال قيام الحرب ستحشد الصين كل قدراتها العسكرية لتحقيق هدفها في فترة زمنية محدودة.

وبحسب تقدير مجلة The National Interest، قد تكون المرة الأولى التي يرى فيها المحللون أن الغلبة ستكون للصين حال نشوب حرب في تايوان، نظرًا إلى القوة العسكرية الصينية من جهة، وكُلفة الحرب التي ستتحملها الولايات المتحدة دفاعًا عن تايوان من ناحية أخرى.

وقد يؤدي انتصار واشنطن في الحرب إلى إفلاسها. ومن ثَمَّ فعلى الولايات المتحدة إيجاد حل آخر بديل عن فكرة الدفاع المباشر عن تايوان، وهو ما يدفعها لرفع القدرة العسكرية وتكثيف صفقات بيع الأسلحة. كما يمكن للولايات المتحدة أن تُعمّق التعاون بينها وبين حلفائها في آسيا والمحيط الهادي، لتُكوِّن جبهة دفاعية تمنع الصين من التفكير في محاولة السيطرة على تايوان، دون أن تكلف نفسها عبء الحرب أو الاشتباك المسلح مع الجيش الصيني.

خريطة لمضيق تايوان

مستقبل التوتر بعد الانتخابات الأمريكية

تنتظر الصين، رغم سياساتها التصعيدية، نتائج الانتخابات الأمريكية، والتي تصب نتائج الاستطلاع حولها إلى فوز “جو بايدن” بمنصب الرئيس. وفي حال سريان هذا السيناريو فقد تشهد الحروب التجارية وكذا التوترات السياسية والعسكرية في منطقة المحيط الهادي هدوءًا نسبيًّا، كما أن الهجوم على الحزب الشيوعي الصيني سيهدأ، وقد يتبنى المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن، سياسة أكثر ذكاءً وتشاركية تجاه الصين.

أمّا في حال إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية، فمن المتوقع استمرار العلاقات الأمريكية الصينية في مسارها الحالي، بل وقد تتطور لتذهب إلى أفق مسدود، ما قد يدفع الصين لانتهاج سياسة جديدة لعلاقات القوى العظمى، وستنعكس نتائج تلك السياسة على مسألة تايوان.

 

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى