ثقافة وفنحواراتمختارات

أمير رمسيس في “ذات مصر”: قيّموا اختلاف جيلي.. لسنا تيارًا سينمائيًّا واحدًا!

في الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي هذا العام شارك المخرج والكاتب أمير رمسيس بفيلم “حظر تجول” في المسابقة الرسمية للمهرجان، والذي حصدت بطلته (إلهام شاهين) جائزة أفضل ممثلة.

 

في الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي هذا العام شارك المخرج والكاتب أمير رمسيس بفيلم “حظر تجول” في المسابقة الرسمية للمهرجان، والذي حصدت بطلته (إلهام شاهين) جائزة أفضل ممثلة.

قدم الفيلم بعض الجرأة في تناول قضايا جرائم الجنس العائلي، التي ربما لم تطرح سينمائيًّا بوضوح من قبل، ما جعل البعض يعتبر الفيلم كـ”حجر صغير ألقي في مياه راكدة تدفع المشرِّع المصري إلى تشديد عقوبة هذا النوع من الجرائم المسكوت عنها لأسباب اجتماعية”.

تحت المجهر في “ذات مصر”

“ذات مصر” استضاف أمير رمسيس في حلقة نقاشية حول مسيرته والسياق العام الذي خرج فيه وجيله بأفكار تجدد دم السينما المصرية والعربية.

حكى “رمسيس” عن موضوعات سينمائية متفرقة، فبرر عدم اتجاهه إلى صناعة أعمال تليفزيونية بأن الفرصة المناسبة لم تأتِ بعد، وهو ما يوحي إلى استعداده لتقديم أعمال درامية لاحقًا، عكس أستاذه يوسف شاهين الذي كان يرفض تقديم أعمال للتليفزيون، الذي يراه بعيدًا عن الفن الذي يصنعه.

“رمسيس” تطرق في حديثه مع فريق سينما “ذات مصر” لمتابعته الكتابات النقدية التي تتناول أعماله، تمامًا كما يفعل مع الأفلام الجديدة، فكما أن هناك أفلامًا وأعمالاً يحرص على مشاهدتها كذلك هناك نقاد وكتابات نقدية يحرص على متابعتها وكتابات يتجاهلها حتى لو كانت تمدح أفلامه لأنها “تُحمّل الأفلام أكثر مما يمكن تحميله وتفسيره”، حسب قوله.

وعن علاقته بالممثلين، اعتبر “رمسيس” أنها علاقة حوار وتلقٍّ:

“المخرج لا يسوق الممثل لتأدية أدوار بعينها بقدر ما يتفاهم ويتواصل معه كي يقدم ما يريد”، ويضيف: “أعتقد أن كل فيلم، كل تجربة، كل عمل، ينتج من ذاته منهجًا تفسيريًّا جديدًا مبنيًّا على رؤيته الخاصة”.

خلال حديثه عن محورية الحوار السينمائي داخل أفلامه، والذي يمكن وصفه بـ”الكثافة”، يعتقد “رمسيس” أن ذلك يتناسب مع الشخصية المصرية “الثرثارة” نوعًا ما، والتي تحيا بأحاديثها، فظهور المصريين كأشخاص قليلي الكلام غير منطقي في سياقه العام، وأشبه بظهور مجموعة من الإيطاليين الذي يتحدثون بصوتٍ منخفض بعكس طبيعتهم كشعب جهور الصوت.

إلى الآن ما زالت السيرة الذاتية لرمسيس خالية من التعاون مع ورش الكتابة الجماعية التي تحمل أفكارًا مختلفة في قالب فني واحد، فـ”رمسيس” يعلن تخوّفه من فكرة وجود فريق من أفراد لديهم اللغة ذاتها، التي تحمل مضمونًا وشكلاً معينًا.. يطمئن أحيانًا إلى العمل مع كتاب بعينهم، لكنه يفضل التجديد من فترة لأخرى.

يستطرد “رمسيس” في الحديث عن الأفلام المصرية القصيرة: “حققت خلال السنوات القليلة الماضية قفزة جيدة سمحت لممثلين مهمين بالمشاركة في تلك الأفلام، خصوصًا مع وجود منصات تسمح بعرضها، ما جعلها أفلام جوائز”.

ويضيف: “صناعة سينما الأفلام القصيرة غير مزدهرة لدينا في مصر كثيرًا، لكنها تبدو كذلك في العالم كله”.

أمير رمسيس في حلقة “ذات مصر” النقاشية

النقطة الأكثر جرأة التي طرحها “رمسيس” كانت بخصوص وجود مخرجين وصناع لهم بصمتهم الخاصة خلال أفلامهم التي تعتمد على منح إنتاجية وجهات تمويل مختلفة، يقول: “في ما يخص العالم العربي يبدو أن المنح تتعمد ألّا يصبح للمخرج شكله الخاص وسينماه الخاصة، وتحديدًا المنح التي تبلور تصورًا معينًا غير ناضج تمامًا نتيجة إصرارها على اختيار موضوعات يُعاد تقديمها بالأشكال الإخراجية ذاتها، فعلى سبيل المثال يشترط بعض المنح عدم استخدام موسيقى أو صورة معينة”.

“لدينا تجارب مختلفة عن سابقينا من صناع السينما لكنها غير متشابهة، نحتاج إلى أن يُقيّمنا النقاد على أساس اختلافنا ومدى تأثيره، وليس على أساس تشابهنا، فوضع الجيل السينمائي الحالي كله في تيار سينمائي واحد إجحاف له قد يضره”.

كانت تلك إجابة “رمسيس” عن وجود جيل سينمائي جديد من عدمه، إذ أقر بوجود جيل وصفه بـ”المتميز”.

ككاتب ومخرج يبدو أمير رمسيس محظوظًا بإنتاج سينما تخصه أيًّا كان الحكم الفني عليها، تشبهه كثيرًا، يربطها عدم اهتمام صاحبها بعناوينها بقدر اهتمامه بمحتواها: زمن خاص، تقاطعات قدرية تربط الأبطال، وبطء إنتاجي يخص مزاج صاحبه، أشياء تبدو مبشرة لإنتاج سينما تسعى للعالمية.

يظهر ذلك بوضوح في فيلمه “حظر تجول”، آخر أعمال رمسيس في مسيرة بدأت منذ نحو 20 عامًا، إذ تخرج في معهد السينما عام 2000 كأول دفعته، بالتوازي مع بداية عمله مع يوسف شاهين منذ 1999 لإتقانه الفرنسية، وقدّم آنذاك عددًا من الأفلام القصيرة قبل أن يقدّم أول أفلامه الطويلة الروائية والتسجيلية.

مشهد من فيلم آخر الدينا

مسيرة تُسائل مصائر البشر

وضع الكاتب محمد رفعت سيناريو أول أفلامه بالتعاون مع “رمسيس” في فيلم “آخر الدنيا“، الذي يحكي قصة (سلمى) مذيعة تليفزيونية شهيرة، تتسبب في وفاة فتاة أخذت منها صديقها (طارق) في أثناء الاحتفال بعيد ميلادها، وبعد مرور 7 سنوات يظهر في حياة (سلمى) طبيب نفسي وسيم يُدعى (خالد) وتتعدد اللقاءات بينهما حتى تتطور العلاقة لتصبح قصة حب، وفجأة تكتشف أن هذا الشاب هو شقيق الفتاة التي تسبّبت هي في مماتها.

بعدها قدم فيلم “كشف حساب“، الذي ربما عرض نفس التقاطعات التي تحدث بين البشر لكنه كان أكثر نضجًا على مستوى الطرح السينمائي.

بعدها تنوعت رحلته بين الدراما ثم الكوميدي عندما قدم أول أفلام الثلاثي أحمد فهمي وهشام ماجد وشيكو في “ورقة شفرة“، الذي يبني قصته الكوميدية على شخصية عالم آثار يُقتل على يد عناصر استخباراتية إسرائيلية.

مشهد من فيلم ورقة شفرة

ثم تحولت وجهته إلى الإنتاج التسجيلي مع فيلم “عن يهود مصر“، الذي نال استحسان النقاد والجمهور وأُعيد عرضه في السينمات، وهو عن وضع يهود مصر في القرن العشرين حتى عام 1956 (عام خروجهم الثاني) من مصر بعد الهجوم الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي على مصر إثر تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس.

في هذا الفيلم الوثائقي حاول “رمسيس” تتبع تاريخ الطائفة اليهودية في مصر على مدار النصف الأول من القرن العشرين حتى وصول الرئيس جمال عبد الناصر لسُدَّة الحكم، ما استتبعه خروج غالبية اليهود من مصر بعد تنامي مشاعر العداء ضدهم.

كادر من فيلم “عن يهود مصر.. نهاية رحلة”

ويُجري الفيلم على نحو مُوازٍ العديد من المقابلات الشخصية مع عدد من اليهود المصريين، ليوثق حكاياتهم عن السنوات التي عاشوها في مصر قبل الخروج، ومن أهم الشخصيات التي ألقى عليها الفيلم الوثائقي الضوء هي شخصية “هنري كوريل”، الذي اغتيل في عام 1978 بفرنسا في ظروف غامضة.

و”كوريل” هو أحد مؤسسي وقادة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) وقائد “مجموعة روما” الشيوعية فيما بعد.

وفي الفيلم يقدم آلان غرييش (ابن كوريل)، وهو أحد مديري صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، معلومات نادرة عن والده ونشاطه السياسي والفكري من أجل تحرير مصر والجزائر.

وتُوَجه في الفيلم أصابع الاتهام بمقتله إلى المخابرات الفرنسية، في حين تبنت آنذاك “منظمة الجيش السري” عملية اغتياله، ولم يتوصل التحقيق إلى إثبات تورط جهة معينة.

وجاء في الفيلم أن مبنى السفارة الجزائرية في مصر هدية من كوريل للجزائر، وأكدت الناشطة اليسارية جويس بلاو في شهادتها أنها استقلت القطار إلى روما لتمد آنذاك ثروت عكاشة (وزير الثقافة في عهد عبدالناصر) بخطة العدوان الثلاثي التي تسلمتها من كوريل.

مشهد من فيلم “بتوقيت القاهرة”

وقدم رمسيس أيضًا فيلم “بتوقيت القاهرة”، الذي تدور أحداثه حول 3 قصص جميعها تحدث على مدى يوم واحد فى القاهرة، أولى هذه الحكايات مع الممثلة المعتزلة “ليلى السماحي” التي تمر بعلاقة متوترة مع زوجها “سامح كمال”، وثانيها حكاية “سلمى” و”وائل”، اللذين يتواعدان للمرة الأولى في شقة أحد الأصدقاء، أما الثالثة فهى حكاية “يحيى”، الرجل العجوز المصاب بألزهايمر الذي يقع في طريق “حازم” تاجر المخدرات.

في الختام، دائمًا نجد سينما أمير رمسيس تتقاطع فيها علاقة جديدة بين مصائر البشر المتشابكة، مصائر الأبطال المعقودة داخل تشكيلات قدرية تتجاوزهم.

 

 

حسام الخولي

ناقد فني ومصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى