“أمير منير” وظاهرة دعاة “السوشيال” الجُدد

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

رافق ظهور الداعيّة المصري “عمرو خالد” في بداية الألفيّة الثانيّة بزوغ نجم ظاهرة “الدعاة الجدد”؛ إذ كان ينظر إليه على كونه “أيقونة عصرنة الدعوة ودعاتها”، بعد أنّ قاد قاطرتها لمساحات خارج المؤسسة الدينيّة المصريّة “التقليديّة” من جهة، وقفزا على تأثيرات قوى الإسلام السياسي، والحركي من جهة أخرى، وخَلِف من بعده خلف تعددت أسماؤهم وألقابهم الدعويّة، مثل الداعيّة “مصطفى حسني”، و”معتز مسعود”، وغيرهما، ولكنهم ظلّوا مُخلصين لحدٍ كبير في الحفاظ على ذات الآليّة والمنهجيّة المتكئة على تبسيط طرق الدعوة وعصرنتها، من خلال مسايرة البعد الجيلي وثقافته في فهم الظواهر من حوله، وإكسابها مسحة من التدين لا يشترط أنّ يكون عميقًا أو ظاهرًا.

وبذلك خالف “عمرو خالد” ومن سار على دربه، النسق الدعوي القديم الذي كان نافذًا داخل شرائح بعينها لا تتجاوز الطبقة المتوسطة؛ ليشتبك بشكل مباشر مع الطبقات الأكثر ثراء من رجال المال والأعمال، ومساحات النُخبة، ونجح في أنّ يتأبط أيديهم؛ ليشاركهم أنديتهم، ومنتدياتهم الاجتماعيّة، وكان من أول الدعاة الذين وضعوا الدعوة في قلب الطفرة التكنولوجيّة، التي وظفوها من أجل الولوج إلى الجيل الجديد من الشباب، الذي نبت في أحضانها ونظر إلى العالم من نافذتها، بيد أنّه ما لبث وتمخضت أسماء جديدة، لتزاحم هي الأخرى فتحل رؤى، وتتنوع الأدوات، وكلٌ حسب سياقه.

وشهدت السنوات الأخيرة جملةً من التحولات طالت هذه الظاهرة، متخذة “السوشيال ميديا” نقطة انطلاقته الرئيسيّة نحو العالم من حوله، خاصةً الفئة المستهدفة دومًا من “الشباب”، وفي هذه السلسلة من التقارير سنعرض لهذه الرموز الدعويّة، التي أخذت في الانتشار داخل الفضاء الأزرق في محاولة نحو الفهم والتفكيك لما يمكن تسميته بالجيل الثاني للدعاة الجدد.

وفي خضم هذه المقاربات يستلزم المقارنة بين سياقين مختلفين، يجعل من هذا الجيل الجديد الذي هو محور التقرير مُغاير لحد كبير عن نظيره من الجيل الأول من الدعاة السابقين، فهو جاء في مرحلة شهدت تداعيات الربيع العربي، وانعكاسات إخفاقات الإسلام السياسي، ومن ثمَّ أفول التيارات الإسلاميّة، وتراجعها عن المشهد السياسي والمجتمعي، إضافةً إلى غياب كل الرموز الدعويّة التقليديّة بتنويعاتها الجماعاتيّة والتنظيميّة المختلفة، وخاصةً المتمخضة عن التيار السلفي بثيابها الفضفاض.

وجه سلفي بنكهة عصريّة

يعدُّ الداعيّة- الصيدلاني السابق- “أمير منير” في اللحظة الراهنة من أبرز الوجوه الشابة ذات التوجه السلفي في فضاء السوشيال ميديا، بعد أنّ نجح في جذب قطاعات كبيرة من الشباب من خلال أسلوبه، الذي يُمثل في طريقته امتدادًا للجيل الأول من ظاهرة الدعاة الجدد، ولكن لحيته الكثة- والشيب الذي تخلل جزءًا منها- عكست مظهرًا سلفيًّا، أعطت لتجربته بُعدًا مُفارقًا ومُغايرًا عن أسلافه، فيما انطلق بطرحه الدعوي، معتمدًا على قاعدة تبسيط الدين-خاصةً للشباب-، فعمد إلى الرقائق الإيمانيّة، والمسائل الاعتقاديّة اليسيرة؛ لتكون محور عظاته الدعويّة دون الغوص في العمق، وما أسهم في تصدره اشتباكه من آن لآخر مع كثير من الأحداث، والقضايا المجتمعيّة، التي عادةً ما تطفو على السطح، وتصبح مثيرةً للجدل، ولكنّه حافظ في ذات الوقت على أنّ ينأى بنفسه عن معترك السياسة، والخوض في لججها المقلقة.

بدأ الشيخ السلفي رحلته الدعويّة من “اليوتيوب” إلى “الفضاء الأزرق”، واستطاع أنّ يقدم نموذجًا مُغايرًا لشكل السلفي الدعوي التقليدي، فبعد عن تقعير لغته وتنميق كلماته وخالف– بقدر ما- كل من سبقوه في عناوين دروسه وحلقاته، حتى أضحت له خصيصة وميزة، رسخت وجوده بشكل سريع، الأمر الذي أثار جدلًا كبيرًا حول آلياته الدعويّة التي اختلقها، فحملت باكورة حلقاته الدعويّة عنوانًا مقتبسًا من مُسمى مطرب شعبي غريب الأطوار، يدعى “سعيد الهوى” صاحب الأغنيّة الأشهر “الواحد أمبليه”، ومن تداعيات ذلك أنّ الداعية بات يطلق عليه من بعض جمهوره بـ”الشيخ أمبليه”.

مع الوقت أصبح صيت الشيخ السلفي ذي النكهة العصريّة، يتصاعد بين فئات كبيرة، ومعها بدء فتح الستار عن أطروحاته الفكريّة؛ إذ يرى الشيخ أنّ الغناء والموسيقى مُحرمة، ووضع معايير لـ”الاختلاط بين الذكور والإناث”، وقام بتقديم الشكل الأمثل له، وشدد على فرضيّة الحجاب، ولعلّ هاتين المسألتين- الغناء والحجاب- على وجه الدقة، اختلف فيهما الرجل من حيث تشديده عليهما عن أسلافه من الجيل الأول للدعاة الجدد، وعلى رأسهم “عمرو خالد”.

أهم النقاط التحليليّة التي تتناول الحالة النفسيّة والسلوكيّة للداعيّة السلفي من خلال مجموع آرائه، وجملة تصريحاته فضلًا عن منتوجه المرئي:

أولًا: في أحد لقاءاته الحواريّة عبر “البودكاست” قدم الداعيّة “منير” جملة من أفكاره، وتصوراته التي تعكس قدرًا كبيرًا من الشخصانيّة والفردانيّة، رغم سمو ونبل غاياتها في كثير منها، فهو معجب بنفسه إلى الحد الذي يمكنك أنّ تقول إنّ به قدرًا من النرجسيّة، التي بدأت تشق طريقها مؤخرًا بين الأجيال الجديدة من الدعاة في سياق رده على من يتساءلون عن تحصيله العلمي، والمؤهلات الشرعيّة الواجبة؛ لأنّه يخوض مجال الدعوة إلى الله، يرى الداعيّة السلفي أنّ من يتحدثون عن هذه المتلازمة- أي الجمع بين العلم الشرعي والدعوة إلى الله- لا يفقهون طبيعة العمل الدعوي؛ إذ إنّه ليس شرطًا ممن يتقدم للعمل الدعوي، أنّ يكون “العالم الفظيع”، أو “العالم اللي محصلش”، على حدّ وصفه.

ويضيف أنّ المرء ولو كان لديه حديث واحد لكفى به وسيتقبله الله، وفي سياق دعم حجته تلك، يقدم الداعيّة أقصوصةً دلاليّةً، تبرز هذا المعنى جاء نصها: كان هناك رجل فقير في مجلس علمي، وسمع من الشيخ حديث نبوي، جاء فيه “كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم”، ما لبث وأنّ حفظ الرجل الحديث، وانطلق صوب الناس، يأمر هذا وينصح ذاك بذات الحديث- فقط-، وإذ فجأة يتعب الرجل، ويذهب به إلى المستشفى لتلقي العلاج، ثم يدخل في غيبوبة، وفي أثناء وجوده بالعناية المركزة، يستيقظ الرجل، ويقبض على يد الطبيب ثم يُذكِره بالحديث، وتُقبض روحه بعدها!.

ثانيًّا: لا يجد الداعيّة السلفي حرجًا في أنّ يصف نفسه بالجسر، أو القنطرة التي يعبر من خلالها الشباب الذين ذاقوا معنى الإيمان، وولجوا طريق التدين دون أنّ تعرف وجهتهم، وأي الطرق يسلكون بعد ذلك، وهو أمر في غاية الأهميّة والخطورة في آن معًا، لوجهين أولهما: أنّه لم يؤهلهم التأهيل المطلوب؛ لتُنشأ لديهم الحصانة المناعيّة التي تحول دون انطلاقهم صوب جماعات الفكر المتشدد، خاصةً وأنّ التجربة التاريخيّة لمسارات التعبئة، والتوظيف، والتجنيد من قِبل الجماعات المتشددة، تكشف لنا كيف ساهمت تحوّلات بعض الشباب المتحمس، والتواق للدين في الانضمام للجماعات المتشددة، نتيجة تركه في العراء، بعد أنّ ذاق معنى الإيمان في خطواته الأولى، ولا يعرف بعدها إلى أي الطرق يسلك دون مرشد أو دليل، من كان يظن أنّ أفرادًا من جماعات “التبليغ والدعوة” الموغلين في الرقائق، والعبادات، والانكفاء على ذواتهم أنّ يكون بعضهم نواة للجماعات المتشددة، إنّه غياب المنهجيّة وضعف التأطير الديني الصحيح.

ثالثًا: يُعبر الرجل عن نمط من التدين يمكن وصفه بـ”برجماتيّة الدعوة”؛ إذ يضع نصب أعينه، وأقصى طموحه في أنّ تحمل لافتات الإعلانات بالشوارع والطرقات والكباري صورًا لنجوم الدعوة، حسب وصفه، الذي هو بطبيعة الحال أحدهم، ذلك على الرغم من أنّ الدعوة إلى الله تستلزم شكلًا مُغايرًا عن غايات هذا الطرح القائم على التنافسيّة الدنيويّة، فلا يستلزم أنّ يكون الداعيّة نجمًا، وليس ذلك وحسب، وإنّما يراقب الداعيّة السلفي عن كثب إلى أي مستوى وصلت إليه تسجيلاته المرئيّة من حيث عدد الرواد والمشاهدين فهو قلق جدًا إزاءها، ويجده هدفًا في حد ذاته، فالشيخ يُقدم نفسه على كونه نجمًا دعويًّا لا يقل عن نجوم شاشات السينما أو التلفاز، وهو قياس وإنّ كان يحمل قدر من النية الطيبة، إلا أنّه يُدخله في دائرة “إسلام السوق”، وفق توصيف الباحث السويسري “باتريك هاني”.

رابعًا: من الأمور اللافتة وفي سياق اشتباك الشيخ “أمير منير” مع قضايا “السوشيال ميديا”، وتحديدًا زواج الداعيّة السابق “معز مسعود” من الفنانة المصريّة “شيري”- قبيل طلاقهما-، والتي حظيت بقدر من الجدل، والنقاش حول زواج الداعيّة من الفنانة الشهيرة، وحينها صرح الداعيّة السابق بأنّ الالتزام بغطاء الرأس، ليس مقياسًا مطلقًا؛ للحكم على مدى قرب المرأة، أو بُعدها عن ربها، الأمر الذي أثار حفيظة الشيخ “منير” فسارع بالتأكيد على أنّ الداعيّة السابق خلط ما بين الحق والباطل.

مخاضات الظاهرة

لقد أطلّ الداعيّة “أمير منير” من نافذة الفضاء الأزرق في إطار المنافسة القائمة بين صفحات تروج للعلمنة الشاملة، التي تطيح بمفردات الدين من قاموس الحياة اليوميّة من جهة، وأخرى تدعو إلى التمسك بالإسلام من جهة أخرى، وكلٍ حسب دعواه، وفي سياق ثقافي تتعالى فيه الأصوات لمحاصرة مؤسسة الأزهر الشريف، بدعوى التجديد الديني، وآخر مجتمعي يعاني من انتفاء المرجعيات الدينيّة، التي كان يستلزم أنّ تكون مردها المؤسسة الدينيّة المصريّة بتنويعاتها، مع تراجع دور المساجد، والمعاهد العلميّة التابعة لوزارة الأوقاف، والتي كان ينتظر أنّ تكون قبلة التواقون للعلم الشرعي، والعمل الدعوي، فضلًا عن بروز الإلحاد والتشكيك في فرضيات، ومُسلمات، ورموز إسلاميّة كان آخرها الإمام “أحمد بن تيمية”.

 نجح الداعيّة السلفي في أنّ يُقدم خطابًا دعويًّا أقرب لكل ما يجول في خواطر هذا الجيل، متضمنة أجوبة- بقدر فهمه ومنظوره الأيديولوجي- أمام هذا الكم من الإشكالات، واجتهد بشكل فردي، فيما فشلت فيه مؤسسات، وأفراد كان من الأجدر أنّ يقوموا بهذه المهمة، ولكنّهم تخاذلوا وكان هو أكثر نشاطًا.

ويمكن القول: إنّ الداعيّة “أمير منير” شق نمطًا دعويًّا، يعتمد على الفعل والردة الفعل، يقوم بالأساس على توظيف كافة الأحداث المجتمعيّة من حوله التي تقترب بشكل أو بآخر من منظومة الدين، والقيم لصالح دعوته، وقد شاهدنا من ذلك أمثلة تفاعليّة كما حدث مع الأغاني، والتي رغم أنّه يقوم بتحريمها، فإنّه قام بتوظيفها لخدمة ما يدعو إليه، والوصول لشرائح طبقيّة شبابيّة، وأيضًا إشكال الحجاب وقضيّة “معتز مسعود” وغيرهما، ولعل ذلك يعكس ذكاء الرجل ويقظته لسير الحوادث من حوله، ورغبته في أنّ يكون حاضرًا دومًا مع جمهوره وحرصه البالغ على الظهور.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram