أمين الريحاني

فيلسوف التدين الصادق

لم يكن زكي نجيب محمود مبالغا حين وصفه بأنه كان للأمة العربية مثلما كان طاغور للهند، وأمرسون وثورو للولايات المتحدة، وجو لإنجلترا، وروسو لفرنسا.. فقد سخر قلمه وفكره وحياته لخدمة الإنسان.. لكونه إنسانا.. أيا كان جنسه أو لونه أو دينه أو عنوانه على كوكب الأرض.

أمين الريحاني.. الشاعر المفكر الفيلسوف الأديب، تتدفق كلماته صدقا، وتتفجر كالبارود ضد كل من يهين الإنسان أو يستغله أو يحط كرامته.. ولد بجيل لبنان، عام 1876 وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصحبة عمه، ولم يجاوز حينها 12 عاما، وهناك أتقن الإنجليزية، وأضافها إلى محصوله من العربية والفرنسية، ثم تفرغ تماما للكتابة والترجمة، وكان أول كتبه “نبذة عن الثورة الفرنسية”، كما ترجم إلى الإنجليزية “مختارات من شعر أبي العلاء المعري”.. ثم تعددت رحلاته إلى البلاد العربية، واتصل برجال السياسة والفكر والأدب فيها، وبين عامي 1927 و1934 ألقى الريحاني في الولايات المتحدة عدة محاضرات عن المخاطر الصهيونية التي تكتنف العالم العربي، وتستهدف استلاب أرض فلسطين من أهلها، ولما عاد إلى لبنان كرس قلمه لمهاجمة فرنسا وممارساتها الاستعمارية، ورفع صوته بالدعوة إلى استقلال لبنان، فكان جزاؤه النفي إلى بغداد.. لكن السلطات الفرنسية اضطرت للسماح له بالعودة، تحت ضغط الجاليات العربية في بلاد المهجر.

أمين الريحاني

انطلق الريحاني في حربه ضد الظلم والاستعمار والاستبداد من منطلقات إنسانية صرفة، بثها في كتاباته كلها، لاسيما في سفره الأشهر “الريحانيات” الذي يقول فيه: “أليس في وسع المرء أن يعيش في هذا العالم دون أن تطبع روحه بطابع الملة، وتصبغ بصبغة الطائفة؟ ألا يقدر أن يكتسب ثقة إخوانه البشر دون يعلن تشيعه ويفاخر بتعصبه ويكابر بغيرته الدينية مثلا أو السياسية؟ ألا يقدر أن يحب فئة من الناس دون أن يبغض سواها؟

ويواجه الريحاني مظاهر التمدن الزائف التي تستغل سواعد الفقراء، وتجبرهم على تشغيل أطفالهم ليشيخوا قبل الأوان دون أن يعرفوا للطفولة معنى أو للحياة طعما إلا المر والشقاء فيقول: “التمدن الذي يفرض على الأولاد أن يباكروا بكور الزاجر ليذهبوا إلى المعمل لا إلى المدرسة هو تمدن ناقص الجهاز مختل النظام.. والهيئة الاجتماعي التي يحرم فيها ابن الفقير التهذيب هي هيئة فاسدة يُعزز فيها صالح أهل السعة وتهمل حقوق بني الفاقة، والحكومة التي تتغاضى عن الآباء الفقراء الذين يشغلون أولادهم في المعامل طمعا بأجورهم الزهيد هي حكومة معوجة”.

ويقدم الريحاني تصوره للدين الصادق النافع فيقول: “الدين الحقيقي ما أنار القلب من الإنسان والضمير، فيهديه في الحياة الدنيا خير طريق إلى خير الأبواب في الآخرة، ومتى كان ضمير جاري كنور الشمس حيا نقيا، وقلبه كوردة تفتح في الفجر لتستقبل ندى السماء، لا فرق –إذ ذاك- عندي إن ذكر مع الدراويش أو سجد مع اليسوعيين أو اغتسل في نهر القنج مع البوذيين، فهو المؤمن الحقيقي، هو الصادق في دينه، هو رجل الله الأمين”.

ويتحدث الرجل عن المتدينين الذين لم تهذبهم الصلوات ولا الطقوس، فيقول: كثيرٌ من المتدينين لا يصومون ولا يصلون، وكثيرٌ من أُولي الألباب الموصومون بوصمة الكفر يغسلون أدران قلوبهم ببركات الصلوات، ويُنيرون بصائرهم بأنوار التأمل والقربان، من أجل هذا لا يسوغ لنا أن نقول، إذًا: إن كل من يُصلون أتقياء وكل من لا يصلون كفرة جهلاء، خذ لك مثلًا جاء في تاريخ الثورة الإفرنسية الذي ألَّفه كارليل، أن الأب تيراي كان يختلف إلى الكنيسة ليقدس كل يوم، وإن تُرغت وزير المالية في عهد لويس السادس عشر لم يكن يدخل قط بيت الله ولكن تيراي الكاهن كان فاسقًا محتالًا مُنافقًا بل كان لصًّا بمعنى الكلمة، وكان تُرغُت رجلًا فاضلًا صالحًا وفيلسوفًا نزيهًا عفيفًا، فلا الاختلاف إلى الكنيسة أصلح الأول ولا أفسد الابتعادُ عنها الثانيَ.

ويدعو الرجل أتباع الأديان إلى التقارب قائلا: إذا كنت مسيحيًّا فلا تضطهد اليهود وتحتقرهم، ولا تساعد حكومتك على ذلك، واذكر أن دينك هو ابنُ دينهم وأن مخلص العالم هو نسيبُ مخلص العبرانيين، واذكر أيضًا أن بين النصارى كثيرًا ممن ينامون مثل اليهود على صكوكهم، ويحلمون برباء أموالهم، ويسلبون الأيم فلسها واليتيم ديناره والفلاح بيته وما ملكت يمينه، فلا تحتقر اليهود إذًا.

إذا كنت مسلمًا فلا تكن من ذوي الغيرة والحماسة في أُمور دينك، واعلم أَنَّ الزمان يُقَرِّبُ الأديان بعضها من بعض ولا يُبعدها فكن أنت ابن زمانك، فقد ورد في بعض الآثار: خلِّقوا أبناءكم بأخلاقٍ غير أخلاقكم؛ فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم.

إذا كنت إسرائيليًّا فاهدم ولو ذراعًا واحدًا من الجدار الواقف بينك وبين بقية الشعوب واذكر ما جاء في القرآن لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ولو هدم مثلك كل عبراني ذراعًا واحدًا من السور المقدس لسَهُلَ امتزاجُكم بالشعوب والأُمم فتُعامَلون إذ ذاك بين النصارى كما يعاملون بعضهم بعضًا، أي: أنهم يضطهدونكم سرًّا بعد أن اضطهدوكم جهرًا، وهذه من حسنات تَمَدُّننا الحديث.

إذا كنت درزيًّا فاذكر أن الحاكم فعل ما فعل في زمانه من أجل انبساطه وسروره فقط لا من أجل الآلهة الساكنين وراء النجوم، فلا تأخذ المسألة كلها بالجد إذًا، وإن دعتك دولةٌ أجنبيةٌ إلى القتال في جبلك فحاربْ مع المظلوم مهما كان دينه، حارب الظالم وإن كان حماك أو أخاك أو أباك أو ذا مال.

وينثر الفيلسوف الكبير أمنياته بالتعارف والتفاهم بين بني الإنسان، وأن يأخذ من يعيش في المشرق بشيء مما عند الغربيين، وأن ينتفع الغربي بشيء مما يفيض به الشرق، فيقول في عبارات ذات طابع أدبي رائق: وأنت أيتها البواخر المقلَّة إلى أُوربا ومصر وعدن والهند منسوجات «نوانكلند» وقطن «ڤرجنيا» وحديد «بنسلفانيا» وقمح «تكساس» وخشب «ڤرمنت» خذي معك إلى بحر الروم وبحر الهند والبحر الأحمر والبحر المتوسط بعض موجات من هذه الأمواج التي تغسل أبدًا قدمي تمثال الحرية، خذي معك ولو زجاجة صغيرة من هذا الماء المقدس ورشي منها سواحل مصر وسوريا وفلسطين وأرمينيا والأناضول، وإلى كل جزيرة تمرين بها وكل بلاد تقصدينها وكل شعب تحيي سواريك قباب كنائسه ومآذن جوامعه احملي سلام هذه الآلهة التي تنير الآن طريقك في الخروج من العالم الجديد وتوكل بك ما لها في السماء من شقيقات باهرات.

احملي إلى الشرق شيئًا من نشاط الغرب وعُودي إلى الغرب بشيءٍ من تقاعد الشرق، احملي إلى الهند بالة من حكمة الأميركان العملية وعودي إلى نويرك ببضعة أكياس من بذور الفلسفة الهندية، اقذفي على مصر وسوريا بفَيْضٍ من ثمار العلوم الهندسية واقفلي إلى هذه البلاد بفيض من المكارم العربية. أيتها البواخر الآيبةُ حَيِّي عن جسر بروكلن خرائبَ تدمر وقلعة بعلبك وأَقْرِئِي أهرامَ مصر سلام هذه المعالم الشاهقة المشعشعة بالكهرباء. سيري أيتها السفن بسلام وارجعي بسلام.

ويرى الريحاني أن تغيير الأفكار مقدم على تغيير الأوضاع السياسية، فيقول في بيان مشرق: “كل انقلاب في الحكومات لا يسبقه انقلاب في الأفكار لا يرجى منه كبير فائدة، فالحرية السياسية جميلة، وأما وحدها فمنافعها قليلة، ومن الواجب أن يتحرر عقل الأمة وضميرها ليتعزز شأنها وشأن حكومتها، واعلموا أن ثورة روحية في بلاد الإفرنج هي أصل الحرية السياسي التي نتمتع بها اليوم فرحين مبتهجين”.

ولعل كل ما سبق، دفع زكي نجيب محمود لأن يضع أمين الريحاني ضمن الفلاسفة الإنسانيين، فيقول في مقال كتبه بمجلة الفكر المعاصر عام 1965: “إذا كان لابد من أن نتخير لهذا الشاعر الصوفي الوجداني الحساس موضعا بين الفلاسفة، فخير موضع يلائمه هو أن يكون بين جماعة الإنسانيين، وأخص ما يميزهم هو أنهم يجعلون الإنسان محورا ومدارا، فلا فكر، ولا فن، ولا علم، ولا حكم، ولا صناع، إلا إذا كان خير الإنسان وارتقاؤه وحريته وطلاقته هدفا ومقصدا”.

خلف الريحاني إنتاجا غزيرا، وأعمالا كان لها دور كبير في مسيرة الفكر العربي الحديث، منها بالعربية: قلب لبنان، قلب العراق، المغرب الأقصى، سجل التوبة، أنتم الشعراء، موجز الثورة الفرنسية، ملوك العرب، التطور والإصلاح، تاريخ نجد الحديث، المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية، وغيرها.. أما ترجماته من التراث العربي إلى الإنجليزية، فقد شهدت بسبقه فيها صحيفة “الأوبزرفر” اللندنية، حيث أقرت بأن “أمين الريحاني هو أول من وضع كتبا بالإنجليزية عن البلاد العربية والشرق الأدنى”.. في 19 سبتمبر عام 1940 مات أمين الريحاني.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram