“أمين معلوف”.. جرس إنذار للضمير العالمي

إميل أمين

كاتب مصري

عرف العالم في النصف الثاني من القرن العشرين واحدة من أهم الثلاثيات الأدبية في التاريخ (السكرية، وبين القصرين، وقصر الشوق)، ثلاثية أديب نوبل الكبير “نجيب محفوظ”، التي تحولت إلى أعمال فنية كُتب لها الخلود في إطار من الأدب الشعبي الوصفي الرفيع.

أما اللبناني الأصل الفرنسي الجنسية، الكاتب والروائي المبدع “أمين معلوف”، فهو صاحب ثلاثية أخرى، تختلف في الشكل والمضمون عمّا جاء به سابقه؛ إذ إنها وعبر نحو عقدين من الزمان، ومع بداية الألفية الثالثة تقريبًا، تستشرف واقع حال ومآل العالم، وتطورات بيت خيمتنا الأرضي، وكوكبنا الأزرق هذا.

ما الذي يُذكّرنا بـ”معلوف” وإن كان أمثاله لا يغيبون عن نواظر المشتغلين بالشأن الثقافي حول العالم؟

من المؤكد أن تكريم الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” له قبل بضعة أيام، ومنحه وسام الاستحقاق الوطني، تكريمًا له على إنجازاته في عالم الأدب؛ سببٌ رئيسٌ لإعادة النظر فيما تنبأ به، وما استشرفه في الجزء الثالث من ثلاثيته الرائعة، المعنون “غرق الحضارات”، الذي صدر منتصف العام الماضي.

يبقى الكاتب والروائي والأديب وكل صاحب قلم سفيرًا لبلاده وقومه ولغته وعرقه لدى الآخرين. وإذا كان الآخرون، سيما في الغرب، لا يعرفون المجاملة، ولا يقيمون الحساب إلا للكفاءة والإتقان؛ فإن اعترافهم بإبداع وتفوق أحدهم يعني في الحقيقة أنه علامة مميزة في حاضرهم وضوء على طريق مستقبلهم.

في هذا السياق، يستذكر المرء ما كتبته الصحف الفرنسية في منتصف التسعينيات عن الأديب والروائي الفرنسي الجنسية اللبناني الأصل والهوى والعربي الهوية “أمين معلوف” من “أن الأدب الفرنسي كان في طريقه للموت لولا اثنان: فرانسوا ميتران، وأمين معلوف”، وهي عبارة بما فيها من مبالغة أدبية تكشف عن مقدار الدور الذي لعبه الرجل في حياة الفرانكفونيين “الناطقين باللغة الفرنسية” في العقدين الماضيين.

أحد الأسئلة المثيرة للطرح في مسيرة “أمين معلوف”: لماذا مضى إلى الكتابة بالفرنسية؟ وهل يعني ذلك أنه فضّلها على العربية بشكل أو بآخر؟

يجيب “معلوف” عن علامة الاستفهام المتقدمة بالقول: “شعرت في فرنسا بحاجة إلى نقل أشياء معيّنة إلى قارئ أوروبي. ليس صدفة أن الكتاب الأول الذي كتبته بالفرنسية كان عن الحروب الصليبية كما رآها العرب”. ويُضيف: “كان لدى شعور بأن هناك أشياء قَدِمَت معي من المنطقة العربية التي عشت فيها غير معروفة في الغرب، أو أنها معروفة ولكن بشكل خاطئ أو مشوّه، فشعرت بضرورة نقل صورة أخرى عن الحضارة العربية والعالم العربي، غير الصورة الموجودة لدى الغربيين، أو غير الصورة التي كانت ترد تقليديًّا إلى الغرب عن طريق الرحّالة الغربيين الذين كانوا يجيئون إلى الشرق ثم يصفونه عند عودتهم”.

حين كتب “معلوف” روايته “صخرة طانيوس”، جُنّ جنون الفرنسيين بها، وفاز عنها بجائزة “غونكور” التي تمنحها أكاديمة غونكور سنويًّا للعمل النثري، وعادةً ما يكون الرواية الأفضل والأخصب خيالًا في العالم.

في نهايات التسعينيات أصدر “أمين معلوف” كتابه “الهويات القاتلة”، الجزء الأول من ثلاثيته، وكان رجع صدى لما نظر له عالم الاجتماع الأمريكي “صموئيل هنتنجتون” عن “صراع الحضارات” وتقسيم العالم تقسيمًا “مانويًّا” بين فسطاطين يهودي مسيحي سلافي أرثوذكسي، في مواجهة عالم إسلامي كونفوشيوسي.

في “الهويات القاتلة” يؤكد “معلوف” أن الهوية لا تُعطَى مرة واحدة وإلى الأبد للفرد، بل تتشكل من عدة انتماءات تتبدل ويختلف تراتب عناصرها طوال حياته، ومن هنا تصبح الهوية قابلة للتغيير والتبدل حسب تأثير الآخرين بشكل أساسي على عناصرها.

في مقدمة الكتاب يقول “معلوف”، إن هذه التسمية “هويات قاتلة” غير مبالغ فيها، ذلك لأن المفهوم الذي أفضحه يختزل الهوية إلى انتماء واحد يضع الرجال في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحيانًا انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة.. لماذا؟

لأن رؤيتهم للعالم مواربة ومشوهة، فالذين ينتمون إلى جماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولا نسمح لأنفسنا تجاههم بأي انتقاد. أما بالنسبة للآخرين الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبدًا لأن نضع أنفسنا مكانهم. نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تمامًا حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسنا بأن نهتم بشكواهم أو آلامهم، والمظالم التي كانوا ضحيتها. ما يهم هو وجهة نظر جماعتنا فقط التي غالبًا ما تكون وجهة نظر أكثر الناس تشددًا في الجماعة وأكثرهم ديماجوجية وسخطًا.

كان صدور “الهويات القاتلة” في عام 1998، إبان أحداث سبتمبر 2001، وما تعرضت له نيويورك وواشنطن من هجمات القاعدة، ثم انطلاقة المارد الأمريكي ناحية الشرق الأقصى لغزو أفغانستان، وتاليًا احتلال العراق في مارس 2003، حيث بدا العالم يضطرب اضطرابًا جذريًّا، ولهذا استشرف “معلوف” قادم الأيام، ليُخرج لنا عام 2009 الجزء الثاني من ثلاثيته “اختلال العالم”، الذي اعتبر فيه أن أزمة العالم الحقيقية اليوم ليست أزمة مالية فقط، معتبرًا أن الكون في حالة “خلل بنيوي” وأن الأزمة المالية ليست سوى ظاهرة من ظواهر هذه الحالة، داعيًا إلى إعادة تقويم مسيرة العالم في السنوات الأخيرة، وكذا إعادة النظر في مجمل مسيرة العالم خلال السنوات الأخيرة. ورأى “أن إعادة التقويم كان يجب أن تتم بعد انهيار جدار برلين، وهذا لم يتم”، مضيفًا: “حان الوقت لإعادة التقويم، وهذا أيضًا لم يحدث”.

جاء تشخيص “معلوف” وقتها لوضعنا البشري مرعبًا بقدر ما هو دقيق، ومع أن الأخطار الداهمة التي توقّف عندها سبق أن أشار إليها باحثون وعلماء كثر؛ إلا أن فرادة بحثه تكمن أولًا في جمعه كل هذه الأخطار في كتاب واحد، وثانيًا الأسلوب السهل الذي اعتمده لإلقاء الضوء عليها.

ولأن الأديب هو صوت نبوي -إن جاز التعبير- في برية العالم المعاصر المليئة بالذئاب الخاطفة، وبالقوارب المخروقة التي لا تُنقذ الأنفس بل تُغرقهم في اليم؛ وجد “معلوف” نفسه أمام استحقاق الجزء الثالث من ثلاثيته التي يتناول فيها “غرق الحضارات”.

على أن شيئًا ما يستوقفنا وبقوة في مؤلفه الأخير؛ إذ يربط ربطًا عضويًّا بين أزمات العالم وبين ضوء الشرق الذي خبا، وهذا مسار لرؤى تحليلية عميقة. وعنده أن الشرق الخلاق استطاع أن يُعطي العالم قبسًا من الأمل والنور في النصف الأول من القرن العشرين، وذلك حين قدّم مثالًا على المدينة الكوزمولوجية التي تحتضن العالم، متوقفًا عند الإسكندرية وبيروت، عند دمشق وبغداد، منطلقًا من رحابة الأبستمولوجيا التي عرفتها دول العالم العربي في تلك الحقبة، والتي لم تكن قد أُصيبت بعد بضيق الأيديولوجيات أو عصبية الأصوليات. ويقطع بأن الشرق من جديد مدعوٌّ لاستنقاذ العالم من وهدة الهلاك ومصير الغرق.

“أمين معلوف” صوت صارخ في برِّيَّة عالمنا التائه بحثًا عن ملاذات آمنة.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search