"أم إسلام" الصعيدية

سيدة نذرت نفسها لتغسيل موتى كورونا

في الـ28 من مارس الماضي، قررت السيدة “هويدا فاروق حسن” من محافظة الأقصر (أقصى جنوب مصر)، التطوع لغُسل المتوفيات اللواتي قَضَيْن جرّاء إصابتهن بفيروس كورونا المستجد، ولم يجدن من يُغسلهن بعد رفض العاملين بالغسل الشرعي الاقتراب من جثامينهن خوفًا من انتقال العدوى إليهم.

المصاب جلل، والخطب عظيم، والقلب على المتوفَّى منفطر، والعقل بالغسل منشغل. مشهد صعب يجمع الحزن على الفقيدة، والخوف على الأحياء من عدوى فيروس كورونا، والقلق من ألا يعثروا على من يغسلها قبل الذهاب بها إلى مثواها الأخير.

وفي حين رفضت الكثيرات ممن يتولين مهمة الغسل الشرعي تغسيل متوفيات كورونا؛ كانت “هويدا” (٤٥ عامًا) تمرّ على جميع مستشفيات محافظتي قنا والأقصر لتعلن عن رغبتها في غسل وتكفين موتى الفيروس الغامض.

انتشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات للبحث عن مُغسلة لمتوفيات كورونا، بعد عزوف من يعملون في تغسيل وتكفين الموتى خوفًا من الإصابة بالعدوى، لكن عندما علمت “هويدا” قررت تبنّي هذه المهمة بدافع الإنسانية، حسبما تقول لـ”ذات مصر”.

بعد نحو 3 أسابيع من بدء المهمة الجديدة في غسل الموتى، غسّلت السيدة 26 سيدة قَضَيْن إثر إصابتهن بفيروس كورونا. تحكى المرأة الأربعينية قائلةً: “وفاة الطبيبة سونيا عبدالعظيم بمحافظة الدقهلية، ورفض الأهالي دفنها بمقابر القرية، كانت نقطة فاصلة في قراري بغسل المتوفيات، ومشيت بقول: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) أفضل من التخلي عن الموتى قبل مثواهم الأخير”.

اضطرت “هويدا” إلى الاستعانة بـ”حجر طوب” لتتمكن من تغسيل الجثمان بعد رفض الأهالي مساعدتها: “كنت أضع حجر الطوب تحت رأس الجثمان، وأقوم بتقليبه يمينًا وشمالًا حتى أتمكن من غسلها، لأني لا أستطيع وحدي تحريك الجثمان وتقليبه على جانبيه، خاصة أن هناك حالات أوزانهن تخطت ٢٢٠ كلجم”.

ذاع صيت “أم إسلام” بين محافظتي قنا والأقصر، فقبل دخول الجائحة مصر كانت قد تدربت على كيفية “الغسل الشرعي” للموتى من خلال أحد مساجد الأقصر، وحضرت العديد من الندوات عنه، مهمتها اقتصرت على من يُتوفى بالمنازل، ثم بعد ذلك تطوعت للغسل من خلال المستشفيات، حتى الحالات التي يتمّ تشريحها وأيضًا المتوفاة في حوادث الحروق.

تقول “هويدا”: “مديرية الطب الوقائي بالأقصر هي المسئولة عن إمدادي بالملابس الوقائية والمعقمات، والقفازات، حيث أحصل على الكحول والديتول والصابون السائل من الطب الوقائي، وعندما تنفد الكمية، أذهب لأخذ كمية أخرى حتى يتسنّى لي العمل باستمرار دون توقف”.

السيدة هويدا أثناء تجهيز الأكفان بمنزلها
مهمة الساعات الثلاث

ثلاث ساعات ونصف هي المدة الزمنية التي تستغرقها من الأقصر إلى قنا لغسل الميت وتكفينه، فهناك ساعتان ونصف بالمواصلات، ونصف ساعة أخرى في اللبس الوقائي والتعقيم: “بكون حريصة أوي، خصوصًا وأنا بخلع ملابسي بعد عملية التكفين، عشان بتم بطريقة معينة”.

تشير المغسلة إلى أن مسئول الطب الوقائي بالمحافظة أكد لها أن الفيروس لا ينتقل من الميت إلى الأحياء إلا في حالة خروج سائل من الميت وملامسته، لذلك تحرص طوال مدة الغسل على عدم ملامسة أي سائل يخرج منه، مع ملازمة تعقيم يديها باستمرار بالكحول والكلور.

تشرح “هويدا” طريقة التعامل مع الجثمان قبل ملامسته والبدء في غسله، قائلةً: “أقوم برش الكحول على جسد المتوفاة لمدة ١٠ دقائق، ثم أبدأ الغسل بالصابون والماء، رغم أنه مفترض البدء بوضوء الميت، لكن بعد كورونا أبدأ بغسل الصابون أولًا لحماية نفسي من الفيروس، ثم أقوم بتوضئة الميت، ثم غسله بماء فاتر، ثم غسله بزيت الكافور، وإشعال البخور وتعطير الكفن به، ثم تغطية السيدة المتوفاة بالكفن الأبيض، ووضعها داخل أكياس وقائية لونها أسود، وبها سوستة، وإدخال الجثة وغلقها وتسليمها لأسرتها”.

مواقف لا تُنسى

بنبرة حزن شديدة تروي “هويدا” أصعب المواقف التي مرّت عليها خلال غسل وتكفين الموتى، حينما اهتمّ الابن الأكبر لأم أثناء تغسيلها بالحصول على مشغولاتها الذهبية التي ترتديها بأسرع وقت، مع رفضهم مساعدتها في تغسيلها “رفضوا مساعدتي في غسل والدتهم، مع مطالباتهم المُلحة بالحصول على الذهب قبل انتهائي من غسل والدتهم، أصابني بالحزن والدهشة الشديدة، ظهر لي أنهم غير حزينين على موتها”.

على النقيض تقول “هويدا” لـ”ذات مصر”: “من أكثر الحالات التي تأثرت بها أيضًا هو بكاء أبناء متوفاة تبلغ من العمر ٤٥ عامًا بشكل هستيري، جعلني أبكي عليها كثيرًا بسبب حزنهم”.

موقف شديد الصعوبة واجهته السيدة، حينما توفي رجل مُصاب بفيروس كورونا، وظلّت أسرته تبحث عن مُغسّل له بعد رفض مغسّلي الموتى العاديين الإقدام على الأمر: “قلت لهم، لو في فتوى من الأزهر تُجيز السماح لي بغسل الرجال فسأفعل ذلك”.

علمت السيدة بأن مستشفى العزل الصحي بإسنا الأقصر لا يمتلكون مغسلًا شرعيًّا لموتى كورونا، فأجرت معهم اتصالًا هاتفيًّا لخدمتهم بتغسيل الموتى: “طلبت منهم الذهاب إليهم، أكدوا أن هناك ممرضة تقوم بهذه المهمة، وعرضت عليهم المساعدة، لو حابّني أساعدهم هروح”.

“هويدا” أم لثلاثة أبناء تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 19 عامًا، اضطرت إلى إخفاء مهمتها الجديدة عن أبنائها في البداية حتى لا يُصيبهم فزع: “ما رضيتش أقولهم في الأول عشان ما يخافوش، بعد كدة قولتلهم واتفهموا وبيساعدوني في التجهيزات في البيت، عشان ده عمل إنساني”.

يقول “زياد علي” (١٦ عامًا) نجل السيدة “هويدا”، إن والدته تقوم بعمل إنساني كبير، وإن حياتها بين يدي الله: “فخور بما تقوم به أمي لأنها تعمل عملًا عظيمًا، وأفتخر بها، وأتصل بها عندما تخرج لغسل الحالات للاطمئنان عليها فقط، وليس خوفًا من فيروس كورونا”.

والد “زياد” هو الآخر يساعد زوجته في الأعمال المنزلية حتى تتفرغ لمهمتها، ولا تتراكم مهمة البيت عليها، فإعداد “فطور” شهر رمضان ومساعدتها في أعمالها الخيرية تدخل ضمن عملهم أيضًا: “إحنا مؤمنين إن المرض والشفاء بيد الله، في الوقت نفسه بنأخذ احتياطاتنا وكلنا بنساعد بعض”.

يتقبل زوج السيدة “هويدا” عملها أيضًا، ويعمل على مساعدتها، إذ تقول: “زوجي لا يعترض مهما كان بُعد المسافة بيني وبين مكان المتوفاة، يطالبني فقط بأن اتّخذ كل الإجراءات والتدابير الاحترازية حتى لا يُصيبني مكروه”.

وبينما تتعامل أسرتها معها بكل ود، متفهمةً واجبها الإنساني في المقام الأول؛ إلا أن انتشار الوباء قد أصاب جيرانها بالخوف الشديد، وهو ما انعكس على تعاملهم معها: “بيتعاملوا معايا بخوف، وده ما أثرش عليا خالص”.

واجب وطني

لم يقف دور السيدة “هويدا” عند الذهاب إلى مستشفيات قنا والأقصر لتغسيل المتوفيات جراء الإصابة بكورونا؛ إذ تكشف عن استدعاء بعض الأهالي لها في بيوتهم، لتغسيل بعض ذويهم الذين توفوا إثر الفيروس الغامض.

وصمة “العار” في الصعيد تدفع هؤلاء إلى التكتم على الموتى من ذويهم، إذ تقول السيدة: “هناك بعض الحالات التي قمت بتغسيلها في مسكنها، بعد رفض الأهل الذهاب إلى المستشفى خشية معرفة المحيطين بهم عن إصابة أحد أفراد الأسرة، رغم أنها حالة مخالطة. ولكن خشيتهم من نظرات الأهالي تدفعهم للتكتم على من يُصاب لديهم حتى دفنه. بعض الناس في الأقصر بيعتبروا الإصابة بالفيروس وصمة عار”.
وتضيف: “بعض العائلات يفضلون الموت في المنزل دون الإعلان عن إصابتهم، ويظلون منذ بداية ظهور الأعراض حتى يصلوا إلى مرحلة التعب الشديد أو الموت خوفًا من معرفة أهل القرية بأنهم مصابون بالفيروس”.

وكثيرًا ما تنصح السيدة هؤلاء المواطنين بضرورة التواصل مع وزارة الصحة لتجنب مزيدٍ من الإصابات والموتى بين ذويهم: “بقولّهم يكلموا المختصين، وأنا كمان بتواصل مع مديرية الصحة وبخبرهم عن هذه الحالات اللي بتتوفى في المنزل، وبقول للطبيب المختص بيانات أسرة المتوفى للوصول إليهم، حفاظًا على أرواح الناس، والطب الوقائي بيتواصل مع باقي الأسرة، وبيعملهم تحليلات وبيعزلهم في حالة وجود اشتباه بالإصابة”.

مشقة العمل وطلب المساعدة

رغم مشقة العمل إلا أن تلبية نداء عملها يدفعها لعدم التأخر عن تكريم الموتى، فقد يصل الأمر إلى تغسيل 3 حالات في اليوم الواحد، وهو ما دفعها للحديث إلى بعض معارفها وإقناعهم بالعمل معها والانضمام لمهمتها الإنسانية: “الحمد لله أقنعت اثنين بضرورة مساعدتي، وحاليًّا بيغسلوا معايا”.

تشكو المغسلة الشرعية من وضع المكان المخصّص لغسل الأموات بمستشفى قنا العام، حيث تقول: “لا يتعدى عرض الغرفة نصف متر، وبها العديد من مخلفات الموتى السابقين وغير نظيفة، والمجاري الخاصة بالحجرة تطفح علينا أثناء التكفين، ومفيش أي حنفية ميه صالحة لاستخدامها في الغسل”، ورغم شكواها إلا أنه لم يتحرك أحد.

غرفة تغسيل موتى كورونا - مستشفى قنا

تضيف السيدة: “المكان ده لو كورونا دخلت فيه تموت من الروائح العفنة والقاذورات، لماذا لا نكرم الموتى بمكان نظيف قبل مثواهم الأخير؟!”.
لا يقتصر عمل “هويدا” على غسل الموتى فقط؛ بل تقوم بتجهيز الأكفان الخاصة بالنساء، وهي عبارة عن قماش أبيض يتم شراؤه من العاصمة “القاهرة” عن طريق شركات الشحن، ثم قصه لعمل الكفن من جردين (قطع قماش عرضها متران، يُلف بها وسط الميت)، وإزار (لتغطية باقي الجسد)، وقميص دون أكمام، وإيشارب طويل لغطاء الرأس، وثلاثة أربطة.

شاركت “أم إسلام”، خلال الأسابيع الماضية بصحبة مجموعة من السيدات في تصميم ٥٥ كفنًا من القماش، تم إيداعها في مسجد النساء، يتبرعن بها لمن يحتاج، خاصة أن هناك أُسرًا فقيرة، وهناك متوفيات ليس لهن أي أقارب لشراء الكفن.

السيدة الأربعينية التي نذرت نفسها للأعمال الإنسانية عملت على تجهيز المكان المخصص للغسل التابع لمستشفى الأقصر بجمع التبرعات من أهالي منطقتها بعد انتشار فيروس كورونا لتوفير كل احتياجات الغسل من كلور وكحول وجوانتيات وماسكات وصابون، وأيضًا منضدة تغسل عليها الميت، وجردل مياه، ودولابًا لوضع الأكفان الجاهزة به.

تروي “هويدا” أن مسئول الطب الوقائي نصحها منذ أول يوم عمل لها بأن تحرص على تناول الفيتامينات لتقوية مناعتها، وأن تهتم بالتغذية نظرًا لخطورة عملها.

في آخر حديثها الذي أجريناه معها هاتفيًّا، وبعد يوم عمل شاق حتى الحادية عشرة مساءً من التنقل بين محافظتي قنا والأقصر، تقول السيدة: “أتمنى أن يبارك الله في صحتي ووقتي؛ حتى أستطيع تكريم هؤلاء قبل رقدتهم في مثواهم الأخير”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عزة مغازي

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search