فنمختارات

أم كلثوم.. تحريك القلوب بآهة مُحجّبة

أم كلثوم.. تحريك القلوب بآهة مُحجّبة

تُجدِّد إذاعة الأغاني المصرية ذكرى يومية لأم كلثوم ببث أغنية قصيرة في الثالثة عصرًا وأخرى في الحادية عشرة ليلاً، محافظة على المزاج العام للسمِّيعة الذين لا بد يخلقون طقوسًا خاصة بالسماع الكلثومي، ساعين نحو الجمال بأسلوب روتيني.

جمال مُجرّد

في كتاب “الهوى دون أهله” للكاتب حازم صاغية، يشير إلى ما أسماه “الحالة الكلثومية” التي “استمدت قوتها ليس من أهمية الكلمة بل بسيطرة ثومة على الكلمة بالأداء، فهي إلهة بالأداء تكرر معها المعنى والقول على غرار المنمنمات العربية التي تكتسب أهميتها وخلودها من تضاعيفها الصغيرة، فاللحن يحيك أنماطًا معقدة حول نفسه، أداؤها غير التمثيلي منفلت من ضوابط الزمان والمكان. وهي تدور حول المعنى المجرد كالثقافة العربية التي تميل للرمزي غير التمثيلي. وهذا بالمناسبة يجعلنا نفهم رأي إدوارد سعيد السلبي فيها، فهو ابن ثقافة غربية يُبنى فيها الفن على أسس ديناميكية وسريعة وتعبيرية مختلفة”.

كان الأداء الكلثومي على المسرح هو تجلي صورتها الفنية، حيث تحييد جنس المغني، فهو المجرد الأبدي الذي يدور حول كل فرد على حدة ويمثل الذات الجمعية العربية بكل عاطفتها القوية المكبوتة، هذا التحييد فسره البعض بسذاجة بـ”مثلية جنسية”، فهي تغني فوق الواقع محطمة صورة المرأة المغنية التي يقع المتلقي في حبها إلى صورة الأم الخالقة التي تحرك المشاعر الدفينة في القلوب بآهة واحدة.

شغلني دائمًا سؤال حول “صورة أم كلثوم كفنان”، فنان عام بالمذكر، شاملاً الأنواع ومتخطيًا إياها إلى فكرة الفن ذاته وتجسيدًا لها.

بل وتجرأت على طرح سؤال: “لماذا تصلح المغنية أم كلثوم أن تكون أيقونة للشعراء اليوم، لتتخطى صورة المغنية لصورة أعم وأشمل عن الفنان؟”، وقد سألت بعض الشعراء من الرجال سؤالاً حول “رغبتهم يومًا ما في أن يكونوا مثل أم كلثوم”، لأن هذه الرغبة دارت بنحو أو بآخر  في رؤوس الشاعرات اللواتي أعرفهن في وقت ما من حياتهن.

ويبدو أن إجابات الشعراء كلها صبت في عدم تفكيرهم في أم كلثوم كصورة للفنان، وأن الأقرب لهم كان نجيب محفوظ مثلاً ككاتب عالمي مغرق في المحلية أو لأقصى تقدير كان طموح بعضهم أن تكون لهم صورة مغني روك في السبعينات.

ويبدو أن سؤالي تغيّر من “أم كلثوم أيقونة للشعراء” إلى “أم كلثوم أيقونة للشاعرات”، مغرق هذا السؤال في الجندرية، فأم كلثوم رغم نجاحها في الوقوف عند الحد الفاصل بين الذكورة والأنوثة، بدا سؤالي غريبًا للجنس الآخر، منزويًا لصالح سؤال “لماذا لم يفكر الشعراء الرجال في أم كلثوم كصورة للفنان الرجل”، رغم تفكير بعض الكاتبات في كتاب رجال لتمثّلهم؟ هل يعود ذلك لأن المرأة لها القدرة الأكبر على حمل الأصوات وتعددها واستيعابها؟

وبعيدًا عن فكرة عدم التمثل التي تطرحها النقاشات، وتفضيل الكاتب في مرحلة نضجه عدم النظر إلى نموذج بعينه، لكن إنكار أننا جميعًا بحثنا عن نموذج نتمثله لن يُجدي.

تحت راية المؤسسة

لماذا أم كلثوم كصورة للفنان؟ رغم ما أشيع عن رجعية أم كلثوم وانتمائها إلى إطار سلطوي مكمل لسلطة المجتمع أو الدولة، عكس المفترض والمرجو من الفنانين، لن نستطيع تجاهل أن أم كلثوم هي الفنانة المرأة الوحيدة في العصر الحديث التي كونت صورة شرقية أصيلة عن الفنانة.

لم تغرق ثومة في إطار حداثي غربي، ولم تستمد صورتها من الحضارة الغربية التي كانت وما زالت مغرية للفنانين للتمثل بها ومحاولة التشبه بعوالمها، ولعل ذلك يرجع إلى أن الحضارة الغربية هي النموذج الذي أثبت نجاحه الأكيد في تحقيق الحرية من الأطر الاجتماعية والدينية، وهو ما يسعى له الفنان دائمًا.

لم تحبس أم كلثوم نفسها في إطار اجتماعي أو ديني معين، لكنها استقت من هذا الديني والاجتماعي إطارها الخاص، وهو ما صنع تفردها.  

في مقابل أم كلثوم كانت هناك نساء قليلات مواجهات لها من حيث الشهرة والسطوة في التاريخ الحديث، أبرزهن الكاتبة اللبنانية مي زيادة (1886- 1941) التي عاشت في مصر وكان لها صالون أدبي يحضره كل الكتاب المرموقين في هذا العصر.

لكن “زيادة” كانت تمثلاً للنموذج الغربي الأصيل، فكانت تشبه بطلات الروائية الإنجليزية جين أوستن، غربية رومانسية بامتياز، يقع في غرامها كل الرجال بسبب ثقافتها وعفتها، كانت تعيش حالة روائية ظهرت في قصص غرامها مع الكتاب، وتراوحت بين الرغبة والتعلق والكبت المضني، ثم ظهر ذلك بعد دخولها الاكتئاب الدرامي، الذي دفعها للاعتكاف داخل منزلها ولم تخرج منه إلا لزيارة القديسين، على حد قولها.

أما أم كلثوم فعلى عكس ذلك، هي الفنانة الوحيدة التي كونت صورتها اعتمادًا على فهمها العميق للثقافة وللمجتمع العربيين، اعتمدت على غناء مجرد ليس بعيدًا عن الخطاب الأخلاقي، الذي يخاطب قيم وأخلاق الإنسان المجردة عن الحب والفقد.

ولم تكن صورتها مستوردة من ثقافة أخرى، فهي وعت تمامًا أن الدين –أيًّا كان شكله- هو الحامل للحياة الاجتماعية والسياسية، اعتمدت عليه الأحزاب السياسية ذات الشعبية الكبيرة في خطابها، وكان أساسًا للإصلاح المجتمعي والمناداة بحقوق المرأة، سنجد أن قاسم أمين ومحمد عبده، المنظّرين لتحرر المرأة، اعتمدا في كتبهما على النص الديني متمثلاً في القرآن أساسًا لأفكارهما.

انبثقت أيضًا حركة موسيقية من مجالس الذكر والحضرة في بيوت شيوخ الطرق الصوفية وليالي الإنشاد، ومن هنا خرجت أم كلثوم، عكس الصورة الحديثة للفنانة، فقد فهمت أن التمرد عملية معيقة للفنان وإن أعطته مكاسب مؤقتة وفضلت أن تكون ابنة المؤسسة الاجتماعية، ومع الوقت صارت أحد أعمدتها، كأنها الموسيقى التصويرية للحضارة العربية كما يليق بها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هدى عمران

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى