أم كلثوم.. حفلات جاوزت 80 عامًا

تكتسب تسجيلات أم كلثوم المحفلية قيمة فنية كبرى في تاريخ الغناء العربي، فأداء السيدة على المسرح يختلف تماما عن أدائها في الاستوديوهات المغلقة.. يمتلئ غناء أم كلثوم المسرحي بالجماليات والتصرفات والإعادات “الجديدة”.. مئات التسجيلات المحفلية وصلتنا لكوكب الشرق، جولة في مواقع الإنترنت تُغرقك في بحر من 650 وصلة محفلية مسجلة، بخلاف وصلات كثيرة أخرى يتداولها السميعة وجامعو التراث لم يحظ المستمع العادي برفعها على الإنترنت بعد، وصلات مسجلة في مصر وسورية ولبنان والمغرب وتونس وليبيا والسودان والكويت والإمارات وفرنسا، كل بلد نزلت عليه أم كلثوم في زمن أصبح تسجيل الوصلات الطويلة فيه ممكنًا، تراث لم يحظ بنصفه ولا رُبعه مطرب آخر، ومزية فرضتها عظمة الأداء الكلثومي في الحفلات، تلك العظمة البالغة حد الإعجاز، والتي جعلت السميعة يحاولون الإمساك بها وتخليدها بما أتيح لهم من التقنيات منذ أقدم عصور التقنية.

أقدم عصور التقنية هذه هي ما سنقف عنده اليوم، فبينما لم تصلنا تسجيلات محفلية لأي مطرب من الكبار قبل عام 1954، حظينا من الإبداع الكلثومي بتسجيلات أكثر من أربعين وصلة بين عامي 1937 و 1953، ستة عشر عاما تشمل حقبتين كان صوت (الآنسة) فيهما في أعلى درجات عنفوانه وجبروته، وكان أداؤها بهذا الصوت المعجز ضربًا من الخيال لو لم تصلنا هذه التسجيلات.

سنرجع إلى الوراء أكثر لنقف وقفة المتأمل المنبهر أمام حفلات الثلاثينيات.. تسع وصلات تجاوز عمرها ثمانين عامًا، ولا نرى وصولها إلينا من هذا العهد السحيق إلا معجزة تقنية، إذ أتت إلينا من حقبة لم تكن تعرف إلا أسطوانات الاستوديو ذات الدقائق الست أو التسع.

من سجل؟

البحث في هذا الباب أشبه بالتنقيب عن معلومة تاريخية من عصور ما قبل الأسرات، أو البحث عن شاعر قبل امرئ القيس، فالإذاعة لا تقدم لنا معلومات واضحة بخصوص هذه التسجيلات السحيقة، وبعض هذه الأغاني فقدتها الإذاعة وأعادت أم كلثوم تسجيلها في استوديو الإذاعة في الخمسينيات ثم ظهرت تسجيلات الحفلات العتيقة بعد ذلك.

ثلاثة احتمالات رياضية لا يمكن أن يخرج بنا البحث عنها، لكنه لا يُسلمنا إلى أي منها بشيء مؤكد في معظم التسجيلات:

الأول، أن الإذاعة قامت بالتسجيل، الثاني، أن أم كلثوم هي من سجلت حفلاتها بنفسها من خلال تكليف بعض المقربين، الثالث، أن من قام بالتسجيل بعض الميسورين من هواة السميعة الذين امتلكوا أجهزة التسجيل، وهو أمر شديد الندرة في هذه الحقبة.

أما عن الاحتمال الأول فهناك روايات متداولة بين السميعة تؤيده، منها أن تسجيل وصلة (سلوا كؤوس الطلا) القديمة سجلته الإذاعة على ثلاث أسطوانات خام فُقدت الأخيرة منها، لذلك وصلنا هذا التسجيل ناقصًا أبياتًا من نهاية القصيدة.

لكن المشكلة أن معظم حفلات الثلاثينيات لم تخرج إلينا من الإذاعة، بل إن الإذاعة فقدت معظمها، وخرجت إلينا التسجيلات من مكتبات السميعة وأصدقاء ثومة.

وأما عن الاحتمال الثاني فيقويه أن بعض هذه التسجيلات حين بثتها الإذاعة أخيرا ذكرت أنها أهديت إليها من السيدة عبدية عبد الله، صديقة أم كلثوم، وهذا معناه أنها حصلت عليها من ثومة نفسها، لكن من المحتمل أن تكون أم كلثوم حصلت على نسختها من التسجيل من الإذاعة فور تسجيله.

وأما الاحتمال الثالث، فقد تداول الهواة اسم الساعاتي الشهير (لبيب جمعة) باعتباره أحد أهم من سجل لأم كلثوم وصلات محفلية في الثلاثينيات والأربعينيات على الأجهزة المتاحة في هذا العهد.

عبدالعزيز عناني

لكن تبقى الأسماء الأوثق والأقرب عهدًا هي أسماء من خرجت هذه التسجيلات إلينا من مكتباتهم، ويأتي على رأس هذه الأسماء حافظ التراث المرحوم عبد العزيز عناني، الذي نُسبت إلى مكتبته حفلة (فاكر لما كنت جنبي) وحافظ التراث المرحوم عبد القادر صبري، الذي نُسب إلى مكتبته تسجيل (هوى الغانيات) وصديقة أم كلثوم السيدة عبدية عبد الله، التي نُسب إلى مكتبتها حفلات (مقادير) و(سلوا كؤوس الطلا) و(يا قلبي بكرة السفر).

أيًا كان من قام بالتسجيل فإن الأمر لم يكن سهلًا، فقد كان تسجيل الأغنية الواحدة يتم على عدة بكَرات لصعوبة توفير أسطوانة مدتها ساعة أو خمس وأربعون دقيقة، وفي حالة التسجيل من خلال جهاز وحيد فإن العملية كانت تتوقف خلال دقيقة تبديل البكَرة مما سبب بعض الانقطاعات في التسجيل النهائي الذي وصلنا، كذلك فإن جودة جميع هذه التسجيلات كما وصلتنا تتراوح بين المتوسطة والضعيفة، وإن كانت برامج الصوت الحديثة أسدت إلينا فضلا كبيرا بتنقيتها إلى مستويات مُرْضية من الجودة.

لكن المعجزة القدرية التي نقف أمامها بكثير من العرفان هي بقاء هذه التسجيلات في المكتبات الخاصة طوال هذه العقود، حتى خرجت إلينا سالمة كما تخرج الآثار من مقابر الفراعنة، وكان من الممكن أن تصيبها يد الدهر كما أصابت غيرها، ولنا أن نتخيل إن كان الذي وصلنا بعد ثمانين عاما تسع وصلات فقط، فكم وصلةٍ سُجلت في الثلاثينيات ليسلم منها التسع في نهاية المطاف؟!

استحواذ سنباطي

أهم ملمح فني يلفت نظرنا عند استماع حفلات الثلاثينيات هو استحواذ ألحان رياض السنباطي على ثمان وصلات من التسع، في حقبة كان محمد القصبجي وزكريا أحمد في أغزر حالاتهما الإنتاجية لثومة، وكان رياض أحدث الثلاثة انضماما لركبها، كما أن مراجعة تسجيلات الأسطوانات والأفلام الباقية من تلك الحقبة تخبرنا أن أم كلثوم كانت تتعامل مع الفرسان الثلاثة بمعدلات متقاربة جدا، قبل أن ينحصر القصبجي في كرسي العواد وينزغ شيطان المال بين زكريا وثومة عام 1947.

الإجابة المجملة التي لن تقوى التفاصيل على نقضها هي أن رياض السنباطي بمجرد دخوله إلى عالم التلحين لأم كلثوم عام 1936 تقدم إلى كرسي الصدارة، فنحن نعرف أن أولى حفلات أم كلثوم الإذاعية الشهرية عام 1937 اشتملت وصلاتها الثلاث على ثلاثة ألحان سنباطية.

لكن بمراجعة سريعة لوصلات الثلاثينيات الباقية سنجد أن خمسًا منها قصائد، وهنا يقفز إلى أذهاننا تفرُّد السنباطي في تلحين القصائد الذي يجعل استحواذه على ألحان هذه الوصلات أمرا طبيعيا.

على أن صدارة السنباطي لركب الملحنين لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الألحان كانت من أكثر أغاني أم كلثوم نجاحا وجماهيرية في نهاية الثلاثينيات، فنحن نعرف أنّها لم تُغن (أتعجل العمر) إلا أربع مرات، كما أن أداءها المسرحي لأدوار زكريا أحمد التي أنجزها لها في هذه الفترة لا بد أن يكون حافلا بالتفاريد والارتجالات التي تجعل منها وصلات مشتعلة جماهيريا.

تبقى الحقيقة التي يتداولها السميعة ويؤيدها المنطق أنّ مكتبات بعض خَزَنة التراث ما زالت تشتمل على وصلات أخرى لم تر النور، ولا شيء يدفع إلى الشك في هذا، فإنّ معظم الوصلات التي ظهرت مثلت صدفة ومفاجأة لكثير من سميعة الآنسة ظنوا أنهم أحاطوا بتراثها علمًا، وحتى يخرج إلى الناس ما أُغلقت عليه الخزائن الخاصة فإن كل إحصاء يبقى ناقصًا.

لكنّ حسبنا الآن أن نجول جولة تعرُّف سريعة على الوصلات التسع الباقية من عقد الثلاثينيات.

سلوا كؤوس الطلا

في 56 دقيقة وصلنا هذا المحفل ناقصا أبياتًا من نهاية القصيدة، وله ثلاثة تواريخ محتملة بين السميعة: 6 مايو 1936، 7 نوفمبر 1937، 21 إبريل 1938

ونميل إلى استبعاد الأول لكونه يسبق بدء الحفلات الإذاعية الشهرية لأم كلثوم، وقد ذكرت مقدمة برنامج (تسجيلات الهواة) أن هذا التسجيل قُدم إلى الإذاعة من السيدة عبدية عبد الله صديقة أم كلثوم.

والقصيدة شعر أحمد شوقي ولحن رياض السنباطي، ووصلنا لها أيضا تسجيلان لوصلتين متأخرتين ترجعان إلى عامي 1951 و1954.

هوى الغانيات

في 49 دقيقة وصلتنا هذه القصيدة كاملة، ولها تاريخان متداولان 2 ديسمبر 1937 بقاعة إيوارت التذكارية، و21 إبريل 1938 بمسرح الأزبكية، والثاني ما يميل إليه أكثر السميعة.. والأبيات لأحمد رامي واللحن لرياض السنباطي.

أتعجل العمر

وصلتنا في 37 دقيقة بعد حذف المكرر من النسخة المتداولة، من حفل الأزبكية في 3 مارس 1938 من شعر أحمد رامي ولحن رياض السنباطي.

مقادير من جفينك

في 52 دقيقة وصلتنا من حفل الأزبكية في 3 مارس 1938 من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي ولحن رياض السنباطي.

يا قلبي بكرة السفر

في 61 دقيقة من حفل قاعة إيوارت في 10 نوفمبر 1938، وهي الوصلة الوحيدة من ألحان غير السنباطي، فلحن الأغنية لمحمد القصبجي وكلماتها لأحمد رامي.

وقد مثل ظهور هذه الأغنية في برنامج (ألحان زمان) عام 2005 فتحًا كبيرًا في تراث أم كلثوم، وتراث القصبجي التلحيني تحديدا، حيث شاع طويلا أن القصبجي لم يلحن لأم كلثوم طويلةً إلا (رق الحبيب) وجاءت هذه الأغنية لتنقض هذا الزعم.

فاكر لما كنت جنبي

أي حظ رُزقته هذا الأغنية حتى يعيش لها تسجيلان لوصلتين من الثلاثينيات! والحق أنها من أجمل ما كتب أحمد رامي ولحّن رياض السنباطي واستحق أن يغلب الزمن.

قاعة إيوارت التذكارية

تاريخان متداولان للوصلتين 7 أكتوبر 1937 و6 إبريل 1939، وكلتا الحفلتين كانت في قاعة إيوارت التذكارية، وصلتنا إحداهما في سبع وأربعين دقيقة، وتمتاز بغناء أم كلثوم (أمّا كنت جنبي) بدلًا من (لما)، أما الأخرى فوصلت في نسخة من خمس وأربعين دقيقة وتمتاز بتفريدة طويلة حافلة على مقامي البياتي والصبا للبيت الأخير من الأغنية (ويا ريتني زي الموج في النيل).

اذكريني

في نسخة من 47 دقيقة وصلتنا وصلة هذه القصيدة المُحتمل أن تكون من حفل 19 أكتوبر 1939 بقاعة إيوارت التذكارية، والقصيدة من شعر أحمد رامي ولحن رياض السنباطي، وهي من أدسم ألحان الثلاثينيات وأثقلها بالتعبير.

وقد وصلنا تسجيل آخر لهذه الأغنية حين شدت بها أم كلثوم لآخر مرة عام 1949.

افرح يا قلبي

الأغنية التي قُدمت لأول مرة في فيلم (نشيد الأمل) عام 1937 وصلتنا ثانيةً من حفل أقيم بقاعة إيوارت التذكارية في 3 فبراير 1938 في 28 دقيقة.

وهناك أغنية عاشرة وصلتنا في 15 دقيقة بتسجيل شديد الرداءة جعلنا غير متأكدين من محفليتها، هي أغنية (مبروك على سموك وسموه) والتي قدمتها أم كلثوم في قصر القبة بمناسبة زفاف الأميرة فوزية فؤاد إلى الأمير محمد رضا بهلوي ولي عهد إيران في  مارس 1939 من كلمات بديع خيري وألحان رياض السنباطي، لكن رداءة التسجيل لا تساعدنا على التأكد إن كان يرجع إلى هذه الوصلة أم مصدره أسطوانة سجلتها أم كلثوم بعد ذلك وتسبب إخفاء الأغاني الملكية بعد الثورة في انحدار جودته إلى هذا الحد الذي أوقعنا في الحيرة.

على أنه مهما تعددت أسباب إخفاء التسجيلات، أو اختفائها، فالمؤكد عند السميعة أصحاب العناية بتراث أم كلثوم أن عددًا غير قليل من وصلات الثلاثينيات والأربعينيات ما زال محجوبًا في خزائن بعض مالكي الأسطوانات وورثة من كانوا يسجلون قديمًا، وما لم تضطلع مؤسسة كبرى بالتنقيب عن التسجيلات الخاصة وجمعها وأرشفتها وعرضها بوصفها ملكية عامة وتراثَ أمة فإن كل إحصاء سيبقى ناقصًا نتحرى إكماله مع الأيام.

قصــة

عبدالرحمن الطويل

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search