ثقافة وفن

أم كلثوم من الكتاتيب إلى مسرح الأزبكية..صوت مفعم بالتلاوة

بعد نحو عامين أو ثلاثة من استقرار أم كلثوم في القاهرة، وبداية اشتغالها كمغنية في مسارح القاهرة القديمة، ومن بينها مسرح الأزبكية بالعتبة، وقتها كتب عنها العلامة الأزهريّ البارز الشيخ مصطفى عبد الرازق، كلمات يقول فيها :”وإني كلما ذكرت الشيوخ ذكرت أم كلثوم أميرة الغناء في وادي النيل، فإن لها هي أيضا شيوخًا يحفون بها في عمائمهم المرفوعة،وأكمامهم المهفهفة،وقفاطينهم الحريرية الزاهية اللامعة، وجِببهم الطويلة الواسعة.. عن اليمين شيخان وعن اليسار شيخان، في ثياب حشمة تميل إلى السواد، وفي مظهر بساطة كان على سجيته يوم أن كانت الفتاة القرويّة حديثة عهد بسذاجة الريف، ثم أصبح تأنقًا حضريًا مقدرًا تقديرًا”.

يضيف عبالرازق واصفا الست في بداية مشوارها :”تظهر أم كلثوم بادئ الأمر رزينة ساكنة تشدو بصوتها الحلو شدوا لينا، من غير أن يتحرك طرف من أطرافها إلا هزة لطيفة تنبض بها رجلها اليسري أحيانا، ثم ينبعث الطرب في هيكلها كله، فتنهض قائمة، وترسل النغمات متعالية تذهب في الآفاق هتافا مرددا، أو تترجع رويدا حتي تتلاشي حنينا خافتا وتهزها أريحية الشباب والطرب فتساير النغمات في حركاتها، مندفعة بوثبات الشعور وراء مذاهب الفن”.

ثم يصف هيام المشايخ بصوتها قائلاً :”وتتلوى عن يمينها وشمالها أعناق الشيوخ، وياليت شعري ما لأم كلثوم والشيوخ؟ أم كلثوم نعمة من نعم الدنيا، فما بالها تأبي إلا أن تتجلي على الناس في مظهر الآخرة؟”.

صورة قديمة للشيخ مصطفى عبدالرازق
الشيخ مصطفى عبدالرازق

 

أم كلثوم والغناء المقرآن

إذن، كان غناء عامين أو ثلاثة في القاهرة كافيًا، ليمتلك الشيخ مصطفى عبد الرازق تلك النظرة عن أم كلثوم: فتاة يُحيط بها المشايخ، وتظهر في هيئة أقرب إلى هيئات من يذكر بالآخرة لا بالدنيا.. صحيح أن هذه الصورة تغيرت، لاسيما بعد أن قبلت أم كلثوم وأبوها الاستعانة بالتخت الموسيقي بعد لأي ومقاومة.. لكن أثر هذه البيئة المحيطة لم يفارق غناء كوكب الشرق خلال مسيرتها الفنية الكبيرة والممتدة على نصف قرن.. فالتلاوة، والإنشاد الديني، وإحياء الموالد، انعكس واضحا على غناء أم كلثوم، فقدمت هذا اللون الخالد من “الغناء المقرأن”.

صورة من متحف أم كلثوم
صورة من متحف أم كلثوم

أم كلثوم والشيخ علي محمود

يلاحظ من يزور متحف أم كلثوم ويتفقد مقتنيات كوكب الشرق من الاسطوانات أن تسجيلات الشيخ علي محمود حظيت بمكانة كبيرة لدى سيدة الغناء،ونقل بعض المقربين من أحمد رامي أن أم كلثوم كانت أحيانا تقلد الشيخ علي في مجالس خاصة، فتجلس جلسة الشيوخ، وترفع كفيها إلى جوار فمها، وتطلق صوتها بألحان شيخ المنشدين وقصائده، وبعد أن استقرت أم كلثوم في القاهرة توثقت علاقتها بكبار الشيوخ والقراء في عصرها، ومنهم محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي ومصطفى إسماعيل.

اقرأ أيضًا.. أم كلثوم والقصيدة العربية

نشأة أم كلثوم في الأجواء المشيخية، وإحاطة الشيوخ بها، ورعايتهم لها، كان له أكبر الأثر في غنائها وطرائق أدائها، بدءا من حسن لفظها للحرف والكلمة، ومرورا بتوظيفها لسرعة ذبذبات صوتها، وإتيانها بالعرب الصوتية في أماكنها، وانتفاء التكرار الحرفي من إعاداتها، وانتهاء بأدائها الباهر للقفلات الحراقة بقوة وإحكام نادرين.. وكل هذا يمكن أن نسميه “غناء المشايخ” أو “الغناء المقرأن” الذي يظهر فيه أثر فن التلاوة والإنشاد الديني.

أم كلثوم ووالدها الشيخ إبراهيم البلتاجي
أم كلثوم ووالدها الشيخ إبراهيم البلتاجي

عائلة أم كلثوم المشيخية

أبوها، هو الشيخ إبراهيم البلتاجي، مؤذن القرية ومنشدها، وكان هو وأخوها الشيخ خالد ضمن المرددين خلفها، وكانت بطاقة تعريفها مكتوب فيها: “أم كلثوم إبراهيم.. مقرئة السيرة النبوية”، وأول أساتذتها الشيخ أبو العلا محمد، المنحاز دائما للغة الفصيحة، والقصائد القوية من عيون الشعر، ويوازيه في العناية بها الشيخ زكريا أحمد، الذي بدأ حياته أزهريا مقرئا للقرآن، ثم مرددًا في بطانة الشيخ علي محمود، وبعد الاستقرار في القاهرة، اتسعت الدائرة “المشيخية” حول أم كثوم، فنالت رعاية مصطفى عبد الرازق، بمكانته العلمية والسياسية الكبيرة، وعرفت محمد القصبجي، ابن الشيخ الملحن علي القصبجي، ثم عرفت رياض السنباطي، ابن الشيخ أحمد السنباطي.

اقرأ أيضًا.. من المحيط إلى الخليج: صباح الخير يا أم كلثوم

رياض السنباطي

أم كلثوم والأداء المشيخيِّ

غنت أم كلثوم من ألحان الشيخ أبو العلا محمد تسعة ألحان، كلها من قالب القصيدة، وبمجرد انطلاق البيت الأول، يشعر المستمع على الفور أنه أمام شيخ قارئ مهيب، يتسم صوته بالعرض والقوة والجلال.

وفتحت الألحان الدينية التي وضعها رياض السنباطي الباب واسعًا أمام أم كلثوم لإظهار قدرتها الفائقة فيما يمكن تسميته “قرأنة” الغناء، واستعراض الأداء “المشيخي” المهيب، وغناء أم كلثوم تظهر فيه التأثيرات القرآنية بجلاء في أدائها لكل بيت من أبيات “نهج البردة”، ويمكن تذكير المستمع بقفلاتها المشيخية في “أسهرت مضناك في حفظ الهوى فنم”، أو “فامتلأت أسماع مكة من قدسية النغم”، أو الارتفاع إلى درجات صوتية حادة جدًا مع لفظي الجلالة في كل من “وبغية الله من خلق ومن نسم”، و”وقدرة الله فوق الشك والتهم”.

اقرأ أيضًا.. أم كلثوم.. تحريك القلوب بآهة مُحجّبة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى