وجهات نظر

أم كلثوم والقصيدة العربية

وفقا لموسوعة أعلام الموسيقة العربية، مثلت “القصيدة” 26% من مجمل أعمال أم كلثوم.. وهذه نسبة كبيرة جدا، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن كثيرا من هذه القصائد لم يكن من السهل تمريرها إلى الجمهور، ولا أن تحظى بقبول جماهيري واسع، إلا عبر صوت أم كلثوم، مما جعل كثيرين من الأدباء والشعراء يعتبرون أن سيدة الغناء مارست دورا تثقيفيا وأدبيا مهما بنشرها لروائع الشعر العربي، وترويج هذه الروائع على مستويات شعبية واسعة.

رحلة أم كلثوم مع القصيدة والنصوص الفصيحة بدأت مبكرا، مع الموشحات الدينية التي أخذتها عن والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي.. لكن البداية الحقيقية لاهتمام أم كلثوم بالقصائد الجزلة الفصيحة كان مع غنائها لألحان أستاذها الشيخ أبو العلا محمد، وكانت كلها قصائد لحنها الشيخ وغناها قبل أن تؤديها أم كلثوم بسنوات، وبعضها سجله لشركات الأسطوانات، فهو لم يضع ألحانا مخصوصة للفتاة الموهوبة التي أصر على انتقالها من قريتها إلى القاهرة.. ربما يمكن أن نستثني قصيدة أحمد رامي “الصبُّ تفضحه عيونه”، التي يغلب أن يكون أبو العلا قد لحنها لأم كلثوم وشدت بها على الأرجح عام 1924 قبل أن يعود رامي من باريس، ويقع أسيرا لصوتها.

وفي قصائد أبو العلا تطالعنا أسماء الشعراء: صفي الدين الحلي، ابن النبيه المصري، بكر بن النطاح الحنفي، إسماعيل باشا صبري، علي الجارم.. ومن أشهر القصائد التي لحنها أبو العلا، وشدت بها بعد ذلك أم كلثوم قصيدة “وحقك أنت المُنى والطلب” وهي من أجلّ قصائد الغناء العربي.. وضع أبياتها الإمام عبد الله الشبراوي، شيخ الجامع الأزهر، المتوفَّى عام 1758 ميلادي، وهو الإمام السابع في سلسلة شيوخ الأزهر.. جاءت القصيدة في 16 بيتا، متسمة بقوة التعبير، وجزالة اللفظ، ورقة الشعور، وهي بلا شك من عيون الشعر الغزلي في العموم، والشعر المُغنّى على وجه الخصوص.

ومثلت قصائد أحمد شوقي، التي غنتها أم كلثوم، جزءا مهما من مسيرة سيدة الغناء، فقد جاءت معظم هذه الأعمال ضمن طبقة “الشواهق” الكلثومية، ونالت مكانة كبيرة بين الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

وبالترتيب التاريخي لميلاد الشوقيات المكلثمة، فالغالب أن قصيدة “عيد الدهر” المعروفة بمطلعها “الملك بين يديك في إقباله” كانت أول ما غنته السيدة لأمير الشعراء.. نظمها “شوقي” في مديح السلطان محمد رشاد الخامس، واختارت أم كلثوم أبياتا منها لتغنيها بمناسبة تولي الملك فاروق عرش مصر عام 1936، فهي إذن أغنية مناسبة سياسية، لا تبقى إلا ببقاء مناسبتها.

وبالترتيب التاريخي أيضا، فإن قصيدة “السودان” كانت آخر الشوقيات المكلثمة ميلادا، إذ غنتها أم كلثوم لأول مرة في يوليو 1954، مواكبة للحراك السوداني المطالب بالاستقلال.. لكن هذين العملين –الأول والأخير- كانا كقوسين متباعدين، وما بين القوسين جاءت سبعة أعمال، كلها من الخوالد، وبعضها يعد من أعلى الذرى في تاريخ أم كلثوم والغناء العربي، وهي على ترتيب ظهورها: سلوا كؤوس الطِّلَى، سلوا قلبي، نهج البردة، النيل، وُلد الهدى، إلى عرفات الله، بأبي وروحي.. وبمجرد الاطلاع على عناوينها، يتضح أن أم كلثوم قصرت ما تغنيه لأحمد شوقي على ألحان رياض السنباطي، فأعمال شوقي التسعة، التي غنتها السيدة، جاءت جميعا بألحان السنباطي، لم يشاركه فيها أحد، فاجتمعت لهذه الأعمال فصاحة الكلمة بشعر شوقي، وفصاحة اللحن بنغم السنباطي، وفصاحة الغناء بصوت أم كلثوم.

كتب “شوقي” هذه القصيدة، بعد أن غنت أم كلثوم بمنزله في مناسبة خاصة، قدم أمير الشعراء كأس الخمر لصاحبة الصوت الآسر، وهي الفلاحة المحافظة، فرفعت الكأس إلى فمها، ثم وضعته دون أن تشرب.. كتب “شوقي” القصيدة، وذهب بنفسه إلى دار أم كلثوم وسلمها النص بخطه.. ثم رحل في أكتوبر/تشرين الأول عام 1932، وادخرت أم كلثوم الأبيات إلى أن بدأت التعاون مع السنباطي في القصيدة الفصحى، عام 1936، فأعطته النص، الذي يراه أكثر النقاد والمؤرخين الميلاد الحقيقي للحالة الكلثومية السنباطية التي استمرت 38 عاما.

مرت عشر سنوات كاملة، قبل أن تعود أم كلثوم مرة أخرى إلى ديوان شوقي، لتختار هي ومستشاروها 21 بيتا من أصل 71 نظمها “شوقي” في قصيدة عُرفت بعنوان “في ذكرى المولد النبوي”، وعُرفت غنائيا باسم “سلوا قلبي” وتدفع بها إلى السنباطي، ليدشن بها مرحلة جديدة في تاريخه الفني، يتسيّد بها تلحين القصائد الفصيحة عموما، والديني منها على وجه الخصوص.. كان استقبال الجماهير للحن مدويا، إلى حد إزعاج سلطة الاحتلال الإنجليزي، وعندما كانت تبلغ أم كلثوم بيت شوقي الشهير: “وما نيلُ المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”، كان الجمهور يتقافز على كراسيه، يهتف بسقوط الاحتلال، فكلمة “المطالب” شاعت –وقتها- في الحياة السياسية المصرية، بمعنى مطالب مصر من بريطانيا.

بعد نحو عامين من إطلاق “سلوا قلبي”، قدمت أم كلثوم مفاجأتها الرابعة من ديوان شوقي، فاختارت 30 بيتا من قصيدة “نهج البُردة” المكونة في أصلها من 160 بيتا، يعارض فيها “شوقي” قصيدة البُردة الشهيرة للإمام البوصيري، المتوفّى سنة 1295 ميلادي، وهي أشهر قصائد المديح النبوي، وأوسعها انتشارا.. ولم يمض شهران على ميلاد “نهج البردة” حتى أطلقت أم كلثوم واحدة من أهم قصائد شوقي المغناة وأعظمها، فاختارت 24 بيتا من قصيدة “النيل” المكونة من 153 بيتا، وتتسم كلماتها بكل سمات الفخامة والجزالة وقوة الصور البيانية، ويقول “شوقي” في مطلعها: من أي عهد في القرى تتدفق.. وبأي كف في المدائن تُغدق.

في نوفمبر عام 1949، أطلقت أم كلثوم أطول شوقياتها، عندما اختارت 34 بيتا من قصيدة “وُلد الهدى” المكونة من 131 بيتا، ليضع عليها السنباطي أحد أكبر ألحانه، وبطابع صوفي يشعر معه المستمع بأنه يشارك في “حلقة ذكر” أو في مولد من الموالد الشعبية التي تنتشر في ربوع مصر، مؤكدا مرة أخرى قدرته الفائقة على التعامل مع أصعب النصوص الفصيحة، ومن ديوان أمير الشعراء.. وبعد عام على إطلاق “ولد الهدى”، عاودت أم كلثوم التنقيب في ديوان شوقي، فاختارت 22 بيتا من قصيدة “إلى عرفات الله”، تلخص مشاهد الحجيج، زيارة البيت الحرام، ومسجد النبي محمد، وبذل السنباطي جهدا خلاقا في التعبير عن هذه المشاهد المؤثرة، وبلحن صوفي يلفه الجلال والخشوع والضراعة.

عام 1954 وقعت مصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، فعادت أم كلثوم إلى ديوان شوقي بعد “هدنة” استمرت 3 سنوات، ولم تجد أنسب من قصيدة الجلاء، فاختارت منها 16 بيتا، ودفعت بها إلى السنباطي، ليتعامل مع كلماتها الصعبة، غير المسبوقة أو المطروقة في الغناء الوطني: بأبي وروحي الناعمات الغيدا.. الباسمات عن اليتيم نضيدا.. الراويات من السلاف محاجرا.. الناهلات سوالفا وخدودا.

وبالطبع غنت أم كلثوم قصائد عديدة من نظم شاعرها الأول أحمد رامي، من أهمها: الصبُّ تفضحه عيونُه، الشك يحيي الغرام، أقصر فؤادي، اذكريني، وذكريات، وأقبل الليل، وشدت بترجمته لرباعيات الخيام.. كما غنت من كلمات الأمير عبد الله الفيصل: ثورة الشك، ومن أجل عينيك، وغنت هذه ليلتي لجورج جرداق، وأغدا ألقاك للهادي آدم، والأخيرتان من ألحان عبد الوهاب.. كما مثلت “الأطلال” لإبراهيم ناجي محطة مهمة في مسيرة أم كلثوم ورياض السنباطي معا.. وكل ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر، فقد لحن السنباطي وحده لأم كلثوم قرابة 50 قصيدة.

ولا شك أن الأجواء المشْيخية التي نشأت فيها أم كلثوم، وحفظها لأجزاء من القرآن الكريم، وتعلمها القصائد والموشحات وهي ما زالت طفلة، كانت عوامل صقلت أداءها للحرف العربي بإشراق ووضوح وفصاحة، كما أن عظمة صوتها وقوة ألحان القصائد، التي صاغ غالبيتها رياض السنباطي، كانت سببا لتقبل الجماهير لهذه النصوص الصعبة.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى