زوايامختارات

أنا “لِي لِى”.. أعَضُّ وآكل “أعدائي الحلفاء”

 

بدأ ضابط الاستخبارات الأمريكي فرانك مانويل في رؤية الشعار قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، كان ذلك الشعار محفورًا على الجدران البيضاء في منطقة “فرانكونيا”(1) بألمانيا: خط رأسي مستقيم يتقاطع مع خط أفقي ينتهي بشكل خطاف.

في إحدى مذكراته كتب مانويل: “كان لمعظم أعضاء فرقة الاستخبارات المضادة رأي واحد، وهو أن هذا مجرد صليب معقوف، (سفاستيكا)،(2) وقد رُسِم على عجل”، إلَّا أن مانويل عرف أمورًا أخرى، فبالنسبة إليه، كانت تلك علامة تُشير إلى [فيلق] المذؤوبين، وهم مقاتلو حرب العصابات الألمان المستعدّين لـ”الإطاحة بجندي معزول في سيارته الجيب الحربية، أو بدوريات الشرطة العسكرية، أو بأي أحمق يتجوَّل بعد حلول الظلام، أو بأي أمريكيٍّ مُتبجّح يسير في زقاقٍ خلفي”.

في الشهور الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، ومع توغّل قوَّات الحلفاء عميقًا داخل ألمانيا النازية وقيام الجيش الأحمر السوفييتي بتثبيت الجيش الألماني على الجبهة الشرقية، تطلَّع هتلر وخاصة ضباطه إلى أي ملاذ أخير يحافظ على أيديولوجيتهم حيَّة.

رسم مُستوحى من أسطورة المذؤوبين التي استخدمها النازيون لتجنيد محاربين

ومن رحِم اليأس، تَحوَّلوا نحو الخوارق طلبًا للإلهام، وهكذا كوَّنوا حركتيْن “ذئبيّتيْن” منفصلتيْن: الأولى، مجموعة رسمية من الجنود شبه العسكريين، والأخرى، فرقة مُخصَّصة من مُقاتلي الحزب النازي.

ورغم أن أيًّا منهما لم تُحقِّق أي مكاسب ضخمة، فإن كليهما أثبتت فاعلية الدعاية “البروباجندا” في نشر الرعب والإحباط بين جنود الحلفاء المُحتلِّين.

منذ بداية الحرب، استخدم هتلر الفولكلور الجرماني والأساطير المُتعلِّقة بالسحر والتنجيم لإضفاء مزيد من العظمة على الأيديولوجية النازية.

وقد قام النازيون ذوو المكانة العليا بدراسة كل شيء بدءًا من الكأس المُقدَّسة (3) وانتهاءً بممارسة السحر، كما يصف المؤرِّخ إريك كورلاندر في كتابه “وحوش هتلر: التاريخ الخوارقي للرايخ الثالث”، ومن بين هذه الأعاجيب الأسطورية يوجد المذؤوبين.

يقول كورلاندر: “طبقًا لبعض المُتخصِّصين الألمان في فولكلور القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين، يُمثِّل المذؤوبون شخصياتٍ مَعيبة، لكنها حسنة النيَّة، وربما تكون وحشيَّة لكنها مُرتبطة بالغابات والدم والأرض، إنها تُمثِّل القوة والنقاء الألمانييْن في مقابل الدُخَلاء الأغراب”.

كان المذؤوبون صورةً استخدمها وسخَّرها هتلر بنحو مُتكرِّر، بدءًا من تسمية أحد مقرَّاته الرئيسة في الجبهة الشرقية باسم “عرين الذئب”، حتى تنفيذ “عملية المذؤوب”، وهي خطة وُضِعت في أكتوبر عام 1944 لضابطيْ الإس إس (4) النازييْن، أدولف بروتسمان وأوتو زكورتسيني، للتسلُّل إلى معسكرات الحلفاء وتخريب خطوط الإمداد بمرافقة مجموعة شبه عسكرية.

وكان زكورتسيني أثبت بالفعل قيمة مثل هذه الضربات النَوْعية عام 1943، عندما قاد بنجاح مجموعة صغيرة من المغاوير، الكوماندوز، وأنقذ بينيتو موسوليني من سجنه في إيطاليا.

أوتو زكورتسيني الذي ساعد في تنظيم وتدريب فيلق المذؤوبين

كتب المؤرِّخ بيري بيديسكومب، في كتابه “المذؤوب! تاريخ حركة حرب العصابات الخاصة بالاشتراكيين القوميين 1944-1946″، ما يلي: “لم تكُن الإستراتيجية الأصلية في عاميْ 1944-1945 الانتصار في الحرب باستخدام عمليات حرب العصابات، لكن مجرد إيقاف المدّ، وتأخير العدو لفترة زمنية طويلة بقدر يسمح بتسوية سياسية ملائمة لألمانيا”.

إلَّا أن تلك الخطة فشلت، جزئيًّا بسبب الارتباك الناشئ حول مصدر إعطاء الأوامر لمجموعة حرب العصابات من داخل البيروقراطية النازية الفوْضوِّية، وأيضًا بسبب تناقُص الإمدادات العسكرية.

جاءت المحاولة الثانية لتجنيد “المذؤوبين” من وزير الدعاية النازية، يوزيف جوبيلز، وهذه المرة كانت المحاولة أكثرَ نجاحًا.

بدأ الأمر مبكرًا في عام 1945، حيث كان البث الإذاعي الوطني يحُث المدنيين الألمان على الانضمام لـ[فيلق] المذؤوبين، كما حرَّضهم على حرب الحلفاء بل وحرب أي ألماني مُتعاون مع الحلفاء يُرحِّب بالأعداء داخل منزله.

وقد صرَّحت إحدى المذيعات بالتالي: “أنا متوَّحِشة للغاية، أنا أمتلئ بالغضب، لِي لِي المذؤوبة هو اسمي. أنا أعض، أنا آكُل، أنا لستُ مُروَّضة.. أسناني المذؤوبة تعض العدو”.

وفيما كان معظم المدنيين الألمان قد أنهكتهم سنوات الحرب، حتى إنهم لم يعودوا يُبالون بالانضمام إلى هذه الحملة العسكرية المُتعصِّبة، ظلَّت المعاقل موجودة عبر البلاد.

فمن حينٍ إلى آخر كان القنَّاصة يُطلِقون النار على جنود الحلفاء، وقُتِل العديد من رؤساء البلديات الألمان على يد قَتَلةٍ محترفين بسبب عملهم مع قوِّات المُحتلِّين الحلفاء، واحتفظ المواطنون بمخابئ للأسلحة في الغابات وقُرْب القُرَى، ورغم ادعاء الجنرال جورج باتون بأن “تهديد [فيلق] المذؤوبين والقتل كلامٌ فارغ”، فإن وسائل الإعلام والجيش الأمريكييْن أخذت تهديد مُقاتلي الحزب النازي على محمل الجّد.

الحرب العالمية الثانية

وأكد  تقريرٌ للاستخبارات الأمريكية صدر في مايو/أيار 1945 أن “تنظيم المذؤوبين ليس أسطورة”، ورَأَت بعض السلطات الأمريكية في فيالق مُقاتلي حرب العصابات “أحد أكبر التهديدات للأمن في منطقة الاحتلال الأمريكية ومنطقة احتلال الحلفاء”(5)، كما كتب عنهم المُؤرِّخ شتيفن فريتس في كتابه “نهاية الصراع: الجنود، والمدنيون، وموت الرايخ الثالث”.

كانت العناوين الرئيسة في الصحف الألمانية تَصدُر على غرار “غضب (المذؤوبين) النازيين سيُطلَق عنانه على الغزاة”، وكتبت الصحف كذلك عن جيش المدنيين الذي “سيُخيف غزاة الرايخ الثالث ويُبعِدهم قبل أن يتذوَّقوا حلاوة النصر”.

وفي فيلم إرشادي عُرض على الجنود الأمريكيين عام 1945، حُذِّر من التودُّد والتقرُّب إلى المدنيين الأعداء، في حين أكَّد المطبوع المُعَنْوَن بـ”دليل الجيب لألمانيا” الحاجة إلى الحذر عند التعامُل مع المراهقين، وقد استجاب الجنود على الأرض بقوة لأدنى إحساس بالخداع: ففي يونيو/حزيران 1945 م أُعدم المُراهقان الألمانيان، هاينز بيتري ويوزيف شرونر، على يد فرقة إطلاق نار أمريكية بتهمة التجسُّس على الجيش الأمريكي.

وفيما حقَّقت دعاية “فيلق المذؤوبين” هدف جوبيلز المُتمثِّل في إرعاب قوات الحلفاء، فإنها لم تُحقِّق إلَّا القليل لمساعدة المدنيين الألمان، فكتبت المُؤرِّخة كريستينا فون هودينبرج: “أثارت تلك الدعاية المخاوف، وكَذَبت بشأن الأوضاع في البلد، وأَغْرَت العديد للقتال من أجل قضية خاسرة، لقد هدَّد فيلق المذؤوبين حياة أولئك المدنيين الألمان الذين رحَّبوا بالمُحتلِّين الغربيين، والذين كانوا نشطاء في الجماعات المحلية المعادية للفاشية إبَّان نهاية الحرب”.

جوبيلز يمنح وسام الصليب الحديدي للشاب ويلي هوبنر

استمرت أعمال الإرهاب المحلية خلال عام 1947 م، ويُقدِّر بيديسكومب أن عدة آلاف من الضحايا كانوا على الأرجح نتيجة لنشاط فيلق المذؤوبين، إمَّا مباشرو وإما نتيجةً للقتل بغرض الانتقام، إلَّا أنه مع عودة ألمانيا ببطء للاستقرار، قلَّت هجمات أنصار الحزب النازي شيئًا فشيئًا، وخلال سنواتٍ قليلة، لم يَعُد فيلق المذؤوبين النازيين سوى ذكرى غريبة بقِيَت من كابوسٍ أكبر بكثير هو الحرب.

يقول كورلاندر: “من المدهش بالنسبة لي أنه حتى عندما انهار كل شيءٍ حول النازيين، فإنهم لاذوا بالخوارق والمجاز الأسطوري، ليُعرِّفوا ويُحدِّدوا مسعاهم الأخير”، وبالنسبة إلى كورلاندر، فإن ذلك يتَّفق مع النموذج الأكبر لهَوَس هتلر بأمور السحر والتنجيم، والأمل في أسلحة مستحيلة (تُغيِّر مسار الحرب)، ومعجزات الثواني الأخيرة!

لاجئون مدنيون ألمان في مدينة بيدبورج

ورغم الأثر الضئيل الذي تركه فيلق المذؤوبين على مجهود الحرب الألماني، فإنه لم يختفِ كُليَّةً من عقل وسائل الإعلام الأمريكية ولا من عقول الساسة الأمريكيين، فطبقًا لفون هودينبرج “تندمج غالبًا صورتا النازي والمذؤوب في الثقافة الشعبية الأمريكية، وقد أُخِذ ذلك على إدارة بوش الابن في أثناء حرب العراق، فقد تكرَّر من كوندوليزا رايس ودونالد رامسفيلد، بل حتى الرئيس بوش نفسه مقارنة المقاومين في العراق بالمذؤوبين، واحتلال العراق باحتلال ألمانيا عام 1945”.

وحتى اليوم، استخدم المُحلِّلون فيلق المذؤوبين النازي لمقارنته مع مقاتلي تنظيم “داعش” في العراق والشام، بالنسبة إلى كورلاندر، فإن طول بقاء فيلق المذؤوبين النازي في سنوات الحرب يرجع سببه لنفس التَوْق للأساطير والتفكير السحري الذي وظَّفهما هتلر والنازيون، فالشعوب لا ترغب بالضرورة في التحوُّل إلى العلم والتجريب للحصول على إجابات، بل قد ترغب في التصوُّف والباطنية الرمزية للتخلُّص من المشكلات.

“إنه لأمرٌ مُغْرٍ جدًّا النظر إلى العالم بهذه الطريقة”!

هذا المقال ترجمة لمقال الكاتبة الأمريكية “لورين بواسينو”، المنشور في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2018.

 

هوامش المترجم :

1- فرانكونيا: منطقة في ألمانيا، تَتميَّز بثقافة ولهجة مُميَّزتيْن، وترتبط عادةً بالمناطق التي يتحدث سكانها باللهجة الفرانكفونية الشرقية.. أهم مدنها: نورنبيرج، وفورتسبورج وإرلانجن.

2- سفاستيكا: كلمة سنسكريتية الأصل، تعني “مُفضٍ إلى الرفاهة”، لها رمز يَتمثَّل بصليبٍ معقوف.. اعتُبِر منذ القدم رمزًا للازدهار والحظ السعيد، وسبق أن عرفه العراقيون والهندوس والهنود الحمر. اتخذته الحركة النازية شعارًا لها وأصبح رمزًا بصريًّا شهيرًا تُعرَف به.

3- الكأس المُقدَّسة: في الأساطير المسيحية، كانت الكأس المُقدَّسة طبَقًا أو لوحًا أو كوبًا استخدمها “المسيح” في العشاء الأخير، يُقال إن الكأس ذات قدرة عجائبية.

4- الإس إس: الوحدة الوقائية أو قوات الأمن الخاصة أو Schutzstaffel التي تعني حرفيًا “سرب الحماية”، كانت منظمة شبه عسكرية كبرى بقيادة أدولف هتلر والحزب النازي في ألمانيا النازية، وبعد ذلك في جميع أنحاء أوروبا التي احتلتها ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.. انضم هاينريش هيملر إلى الوحدة التي أعيد تنظيمها وأُعطيت اسمها النهائي تحت إدارته (1929-1945).

5- تأسَّست ألمانيا المُحتلة بعد أن هزمت قوات الحلفاء، الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي وفرنسا، ألمانيا النازية، التي وقعت صك الاستسلام في 8 مايو/أيار 1945 بأيدي مُمثِّلين عن القيادة العليا للفيرماخت، وتقسيم ألمانيا إلى 4 أقسام، كل دولة من دول التحالف الأربع تحتل قسمًا منها.. انتهى الاحتلال عام 1949، وقامت بتاريخ 23 مايو/أيار 1949 جمهورية “ألمانيا الاتحادية” على الأراضي التي احتلتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وقامت بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 1949 جمهورية “ألمانيا الديمقراطية” على الأراضي التي احتلها الاتحاد السوفييتي، لتتوحد الدولتان بتاريخ 12 سبتمبر/أيلول 1990 بعد توقيع معاهدة التسوية النهائية.

للتوسُّع :

  • The Last Nazis: SS Werewolf Guerrilla Resistance in Europe 1944-1947. By Perry Biddiscombe
  • Werewolf: The Story of the Nazi Resistance Movement 1944-1945 by Charles Whiting
  • The Wolf’s Hour by Robert R. McCammon (fiction).

 

أمير عثمان

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى