سياسةمختارات

أن تستقيل “النيفر”.. بين الاستقلالية والأخونة في إعلام تونس

 

رشيدة النيفر، مستشارة الرئيس التونسي قيس سعيد، علقت حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، وعادت إلى حسابها الشخصي فقط.. حدث قد يبدو بسيطًا للغاية، أو ليس حدثًا من الأساس، لكن المدقق في الموقف سيكتشف أن لهذه الاستقالة أبعادًا سياسية كبرى قد تلخص المشهد السياسي العام في تونس حاليًّا.

فخلف هذه العبارة البسيطة التي دوّنتها النيفر على “فيس بوك” يوجد خلاف كبير في الرؤى السياسية بشأن منظومة الإعلام التونسي، وتوجهات الأحزاب الدينية، وعلى رأسها حزب النهضة التونسي، للسيطرة على الإعلام.

رشيدة النيفر، لم تكن فقط مكلفة بملفي الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية التونسية، بل كانت اليد اليمنى للرئيس التونسي، وأول من عيّنها في قصر قرطاج عقب توليه الحكم في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019، ومن الأعضاء المؤسسين للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري التونسي، الهايكا.

ليست مجرد استقالة.. ماذا حدث؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، يشار إلى أن النيفر أدلت بتصريح مقتضب لإذاعة “شمس” المحلية التونسية، قالت فيه إن “أسباب الاستقالة ترجع لعدم رضاها عن طريقة العمل داخل الديوان الرئاسي”.

في حين يرى مراقبون في تونس أن الاستقالة ليست بسبب خلاف شخصي مع الرئيس أو أي ممن في قصر قرطاج، لكن الأمر متعلق بمشروع “قانون الإعلام التونسي”، والتعديلات التي أدخلت عليه من قبل أحزاب دينية، على رأسها حزب النهضة، واختلافها مع مضمون تلك التعديلات رغم موافقة الرئيس التونسي على مجملها.

فتونس، التي تزايدت فيها حرية التعبير عقب الثورة، لم تتوصل بعد إلى النموذج المُرضي للحريات الإعلامية، ولا تزال تواجه تحديات كبرى تتمثل في توجه الأحزاب الدينية والقطاع الخاص للهيمنة على الإعلام، وهي التحديات التي جسمها الخلاف على مشروع القانون الجديد، الذي من المفترض أن يحل محل ما يسمى بـ”المرسوم رقم 116 المتعلّق بحريّة الاتّصال السّمعي والبصريّ”، والذي تولى تأسيس هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري، بعد نقاشات مطولة مع ممثلي المجتمع المدني والجهات المعنية، حتى صدر رسميًّا في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

التعديلات الجديدة لم تحظ بنقاشات جادة ممثلةٍ فيها الأطياف المعنية كافة، كما حظي المرسوم 116، وهنا كانت نقطة الخلاف الجوهرية، خصوصًا وأن بعض التعديلات التي أدخلت عليه يتعارض مع سقف الحرية المأمول، بما يسمح للأحزاب الدينية بفرض سيطرتها على الإعلام مجددًا.

خلافات بين النص الأصلي والمقترح لمشروع المرسوم

بدأ السعي لتغيير قانون الإعلام التونسي بتقدم ائتلاف الكرامة في البرلمان التونسي، بمقترح في مايو/أيار الماضي، لتعديل المرسوم 116. ثم صدقت لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان التونسي على مقترح التعديل في يوليو/تموز الماضي، وكان مقررًا طرحه للتصويت في جلسة علنية، يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن رفع الجلسة حال دون التصويت عليه، وأرجأ بت القانون.

يشار إلى أن ائتلاف الكرامة البرلماني في تونس، هو تحالف سياسي يضم شخصيات عامة وأحزاب سياسية، وممثل بـ20 مقعدًا في البرلمان، لكنه مصنف بأنه “الذراع السياسية لحزب النهضة وحلفائه في البرلمان”.

راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة

التعديلات في جوهرها تستهدف تغيير طريقة تشكيل أعضاء الهيئة، وإقرار سلطة التعيين بيد البرلمان، وزيادة عدد أعضاء الهيئة إلى 9 أشخاص بدلاً من 7، وإجازة إحداث القنوات الفضائية دون أي ترخيص، والاكتفاء بإيداع ممثل القناة تصريحًا بالوجود لدى الهيئة، يتضمن بيانات الترخيص التجاري والضريبي.

وتتمتع “الهايكا”، التي تسعى بعض الأحزاب لتقويضها، بهيئة مكونة من 7 شخصيات مستقلة مشهود لها بالكفاءة، ويكون اختيارهم بمحددات منصوص عليها في القانون، على النحو التالي: عضو يعيّنه رئيس الجمهورية، بعد استشارة أعضاء الهيئة، ويتولّى مهامّ الرئيس، وعضوان من القضاة ترشّحهما الهيئات الممثلة للقضاة، وعضوان يقترحهما رئيس السلطة التشريعية، وعضو باقتراح الهيئات المهنية الأكثر تمثيلاً للمهن السمعيّة البصريّة، من غير الصحفيين، وعضو باقتراح الهيئات الممثلة لأصحاب المنشآت الإعلامية والاتصالية.

ولا يمكن تعيين أشخاص تحمّلوا مسؤوليات حكومية أو نيابية عمومية، أو حزبية، أو سياسية، أو عملوا لدى أحزاب سياسية، خلال العامين السابقين للترشيح، ولا يمكن تعيين من لهم مصالح مالية في منشآت إعلامية، إلا إذا ثبت تخليهم عنها، ومدة التعيين هي 6 أعوام، غير قابلة للتجديد، ويجدّد ثلث الأعضاء كلّ عامين.

التعديلات المقترحة استحدثت نصوصًا لإلغاء سلطة “الهايكا” في منح التراخيص للإذاعات والقنوات التليفزيونية، والرقابة السابقة واللاحقة عليها، والسماح بإنشاء القنوات والإذاعات بمجرد الإخطار للهيئة، في حين يخول المرسوم رقم 116 للهيئة الوطنية المستقلة للاتصال السمعي والبصري الهايكا، مهام إصدار تراخيص البثّ الإذاعي والتليفزيوني، وتخصيص وتوزيع طيف تردّدات البثّ التليفزيوني والإذاعي، والرقابة على العمل الإعلامي.

قيس سعيد

الأمر الآخر، أن المرسوم 116 المعمول به حاليًّا، يحظر على الكيانات أو الأفراد في الحقل السياسي، تأسيس قنوات وإذاعات تابعة لهم، حفاظًا على حرية المنافسة السياسية، ومنعًا لاستغلال الإعلام في الترويج لأحزاب بعينها، في حين أن المقترح يسلب “الهايكا” تلك الميزة النسبية، ما يثير المخاوف حول هيمنة الأحزاب الدينية على الإعلام، من خلال شرعنة القنوات المملوكة لجماعة الإخوان المسلمين، ومنها قناة “الزيتونة” التابعة لحزب النهضة -الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في تونس- وقناة “نسمة”، المملوكة لرجل الأعمال، نبيل القروي، رئيس حزب “قلب تونس” وهو حزب حليف لحزب النهضة، وكلتاهما قناتان مهددتان بالإغلاق من جانب “الهايكا”، لمخالفتهما الحصول على التصاريح واستيفاء الاشتراطات اللازمة، فضلاً عن كونهما “أذرعا إعلامية” لأحزاب سياسية بالمخالفة للقانون.

صحافيون يعارضون تعديل المرسوم

في الأوساط الصحفية والإعلامية بتونس حالة من الرفض والاستهجان والمعارضة للتعديلات المقترحة على مرسوم 116، كان آخرها وقفة احتجاجية نظمها عشرات الصحفيين التونسيين، أمام البرلمان التونسي في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لمعارضة هذه التعديلات.

ولاستيضاح موقف الصحفيين المعارض للتعديلات، والتعليق عليها بنحو معمق، تعتقد الكاتبة الصحفية التونسية، نائلة الحامي، أن التعديلات “لن تكون مفيدة للإعلام التونسي عمومًا، ولن تسهم في تطويره”.

الأمر ليس انطباعًا فرديًّا فحسب، بل إن “الحامي” تشير إلى أن الأمر يتعلق أساسًا بتخوفين اثنين، الأول له علاقة بتركيبة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الحالية وتجديدها، لأن التعديل يسمح لمجلس النواب باختيار التركيبة دون شرط أن تكون الأسماء مقترحة من هياكل المهنة الصحفية النقابية، وهو تجاوز قد يكون خطيرًا ويسمح بتمكين أشخاص غير مؤهلة من عضوية الهيئة.

الأمر الثاني، الذي أوضحته الصحفية التونسية، متعلق بما وصفته بـ”أزمة حذف صلاحية إسناد الإجازات لإحداث القنوات التلفزية من جانب الهيئة، وإقرار مبدأ مجرد التصريح بالوجود، وهذا خطره أساسًا في إمكانية فتح قنوات قد تشكل خطرًا على الأمن القومي، أو قد تسهم في نشر الأكاذيب أو في الترويج لقيم سلبية”.

ومع ذلك، ترى الحامي أن “العديد من القوانين الأخرى في البلاد تمنع في جميع الحالات إحداث مثل هذه القنوات التلفزية أو الإذاعية، كما أن هناك ضرورة مثلاً بالنسبة إلى الإذاعات للحصول على ذبذبات، وهي التي تمنحها حصريًّا مؤسسة عمومية ليكون بإمكانها البث”.

إجمالاً، لا ترى الحامي في هذه التعديلات فائدة للقطاع الإعلامي في تونس وللفاعلين فيه، كما يَدعي من طرح مشروع التعديل. كما أن خطرها يبقى قائمًا، حتى لو لم تؤد التعديلات بالضرورة إلى هيمنة أي حزب على الإعلام التونسي، فمن دون تلك التعديلات “يمكن لأي حزب تمويل قناة معينة ودعم توجه محدد داخلها”.

تضيف الحامي: “صحيح أن مقترح التعديل صدر من نواب محسوبين عن التيار الإسلامي، تحديدًا ائتلاف الكرامة، لكن مثلاً رئيس البرلمان التونسي وهو أيضًا رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس أي راشد الغنوشي، كان في لقاء مؤخرًا مع وفد من نقابة الصحفيين ووعد ألا يمر هذا التعديل القانوني ما لم تكن هياكل المهنة الصحفية موافقة عليه”.

نائلة الحامي

“لكن ما أكاد أجزم به هو أن التعديل أُعِدَّ وفق المقاس لحل مشكلات قانونية لدى بعض القنوات التليفزيونية في تونس بالأساس وهي غالبًا قناة نسمة وقناة الزيتونة، الأولى يملكها نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس ولعائلته أسهم فيها، والثانية مقربة من أشخاص تنشط في حركة النهضة”، بحسب الحامي التي أضافت لـ”ذات مصر”: “هاتان القناتان، تعارض الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري مواصلتهما البث دون التقيد بالقوانين التي تحددها، ولو صُدِّق على مشروع التعديل للمرسوم 116 لن تكونا مطالبتين بأي التزام تجاه الهيئة، وهو ما يحل مُشكِلاً مهمًّا وأساسيًّا بالنسبة إليهما”.

وتأمل الحامي وفاء نواب برلمانيين تونسيين في الطعن على تلك التعديلات حال تمريرها، بقولها: “في جميع الحالات، حتى لو صُدِّق على التعديلات في البرلمان، فقد وعد عدد من النواب بالطعن في التعديل، قبل أن يوقعه رئيس الجمهورية، ما يعني سقوطه”.

معارضة خارج الأوساط الصحافية

شارك الصحفيون، منظمات ومؤسسات مجتمع مدني، في معارضة تلك التعديلات، لذا أصدرت 17 منظمة مجتمع مدني تونسية، بيانًا مشتركًا في مايو/أيار الماضي، أدانت فيه ما وصفته بـ”مُسلسل السعي للهيمنة على الإعلام والخروج على القانون”، وجاء فيه: “تعتبر هذه التحركات التي تقوم بها كُتلة حركة النهضة، بناء على مُبادرة كتلة مُوالية لها من أجل تنقيح الفصل السابع من المرسوم 116 لتمكين مجلس نواب الشعب من انتخاب هيئة مديرة جديدة ﻟلهيكا، بالأغلبية المُطلقة، مُخالفة للدستور، وخاصة الفصل 148 منه، ومُحاولة مفضوحة لوضع اليد على اﻟهيكا، التي تُعدّ الهيئة الوحيدة المستقلة في مجال التعديل السمعي البصري في العالم العربي، ولسلب استقلالية قرارها”.

وحذرت المنظمات في بيانها المشترك مما وصفته بـ”حلقة جديدة في مُسلسل طويل، يهدف إلى إضفاء مزيد من الفوضى على المشهد الإعلامي، وإخضاعه لهيمنة أحزاب ومراكز نفوذ سياسية ومالية، وفتح أبواب التوظيف والتضليل، والضرب عرض الحائط بما تحقّق منذ 2011 من مكاسب دستورية وقانونية لحماية حرية التعبير والصحافة، وضمان استقلالية هيئة تعديل الاتصال السمعي البصري”.

وأصدرت جمعية “يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية” في تونس، قراءة نقدية لمشروع القانون المُتعلق بهيئة الاتصال السمعي والبصري، أعدها أساتذة القانون حفيظة شقير ورشيدة نيفر ومصطفى بن لطيف، شملت عدة توصيات أهمها “دعم استقلالية الهيئة لضمان مبدأ التناسب بين الاستقلالية والمُساءلة، وإيلاء مسألة الاستقلالية وعلاقتها بالرقابة والمساءلة وتحديد مفهومها وأدواتها وضوابطها ما تستحق من القواعد الدقيقة والواضحة بما يرفع اللبس ويدعم المكاسب ويحد من عوامل الهشاشة والضغط”.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى