زوايامختارات

أن تكون “بيج رامي”.. عن هوس المصريين بأسهم بورصة الجسد

 

بعد فوز المصري رامي السبيعي “بيج رامي” بجائزة مستر أوليمبيا Mr. Olympia (وهي البطولة الكبرى للعبة كمال الأجسام في العالم) انتشرت صور جسد رامي، المزروع بعضلات في كل اتجاه، عبر المواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي، أبدى البعض فخره بكونه أول مصريٍ يفوز بهذه الجائزة، كما أثنى البعض على كمال جسده وقوّته، ولم يخلُ هذا الثناء من النقد لهذا الجسد، لكونه “غير إنساني” حسب توصيفهم، لا يساعد صاحبه في التعايش مع الحياة بنحوٍ طبيعي، بل يحرمه من أشياء كثيرة تبدو طبيعية ومُمتعة، كحرية تناول الطعام دون نظام غذائيّ، والخضوع إلى نظام صارم، بالإضافة إلى أن بناء وكمال الأجسام وفحولتها هو جزء من منظومة رياضية ليس لها هدف واضح سوى الاستعراض.

ففي مصر وسط عولمة التكنولوجيا المتزايدة وتغير التصورات الأخلاقية والجمالية في خضم تحوّلات سياسية وإعادة تشكيل للطبقات الاجتماعية، أخذ الجسد محورًا واهتمامًا متزايدًا من الشباب المصري.

وقد شَغلَ الجسد حيزًا كبيرًا من الاهتمام في حقل العلوم الإنسانية منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وكان الفرنسيّان ميشيل فوكو (1926-1984) وبيير بورديو (1930-2002) من أكثر الذين اهتموا بسوسيولوجيا الجسد، فاهتم فوكو بالجسد وعلاقته بنظام المعرفة والسلطة، فناقش خضوع الجسد للسلطة، وجعل من الثانية أداة لهندسة وإدارة الجسد في ما عُرف بمصطلح البيوسلطة، أما بورديو فنظر إلى الجسد كأنّه رأسمال رمزي يملكه الإنسان ويشكّله حسب الطبقة التي ينتمي إليها أو يسعى للانتماء إليها.

فما سرّ اهتمام الشباب المصري بالجسد؟ وكيف تحوّل الجسد إلى رأس مال رمزي حسب نظرية “بورديو” للصعود نحو طبقة اجتماعية واقتصاديّة بعينها؟

بيج رامي

البداية من الشاشة

ساعد المجال الفنّي، خاصة السينما، في رسم خيال جسديّ مثاليّ في أعين الجمهور، فكانت بطلات معظم الأفلام السينمائية تتمثّل في فتاة ممشوقة العود، تمتلك مؤهلات جسديّة مثالية من حيث الجمال والإغراء، بدايةً من سعاد حسني وهند رستم ونبيلة عبيد وشمس البارودي وصولاً إلى منى ذكي ومنّة شلبي ورانيا يوسف وغادة عبد الرازق وغيرهنّ، هذا بالطّبع لا ينفى مواهبهُنّ، ولكنّه زاد من فرصتهنّ في التألق واستكمال مسيرتهنّ الفنيّة.

قد تجد فنانة سمينة مثل “مها أحمد” لم تحظ بالشهرة ولن تراها بطلة أي عمل فنّي، فالجسد السمين للفتاة الشابّة في الفن المصري هو جسدٌ كوميديّ بالتعريف، لا يليق به أن يكون محور قصة عمل.

ظهر هذا جليًّا في مهرجانات السينما، حيث الفنانات يستعرضن جمال أجسادهنّ وملابسهنّ في تعبير واضح عن أن الجسد هو محلّ اهتمامٍ وتقييم أساسيّ لدى كلٍّ من النخبة والجمهور.

محمد رمضان – فيلم حصل خير 2012

لا تقلّ أهمية الجسد عند الرجل في السينما، ففنّان مثل محمد رمضان، وقف في ظلال السينما يمثل أدوارًا هامشية وثانويّة، إلى أن انتهت نحافته وصار يمثل أدوارًا بطوليّة في السينما والتليفزيون، وساعد على ذلك اتجاه الكثير من المنتجين في السنوات الأخيرة لعمل أفلام ومسلسلات تدور قصّتها حول بلطجية الحارات ومافيا المخدرات والسلاح، فصار جسد البطل محورًا رئيسًا في صناعة العمل، أمّا الأدوار الكوميدية أو الهامشية فاستقبلتها أجساد نحيفة أو سمينة، فكلاهما يستطيع أن يكون هامشيًّا بجانب الجسد القويّ.

محمد رمضان – مسلسل الأسطورة 2016

ترسخ خيال الجسد المثاليّ للمرأة والرجل في أبطال السينما، بل صار بمثابة رأس مال رمزيّ يملكه الإنسان أو حتى يبحث عنه ويطوّره، حتى يستطيع الالتحاق ودخول بوابة المجال الفنّي، ويلتحق بطبقة اجتماعية واقتصاديّة بعينها.

الجسد وسيلة صعود

لم يعد الشابّ المصري بحاجة إلى أن يدخل المجال الفنّي حتى يُمثّل ويراه الجمهور، بل وفّرت التكنولوجيا، متمثلةً في منصات التواصل الاجتماعي كـ”فيس بوك” و”يوتيوب” و”إنستجرام” و”تيك توك”، تلك الفرصة، فالجسد صار محورًا رئيسًا ليس فقط لكسب اهتمام أكبر عدد من الجمهور، بل حتى لكسب المال وتوفير فرص عمل والالتحاق بطبقات أُخرى.

فعلى سبيل المثال وفّرت منصتا “تيك توك” و”إنستجرام” للكثير من الفتيات عرض صورهنّ ومقاطع الفيديو الخاصة بهنّ، وتحوي تلك المقاطع تقليدًا لمشاهد معيّنة من أفلام ومسلسلات، بالإضافة إلى الغناء والرقص على ألحان الأغاني الشهيرة، فضلاً عن عرض جلسات التصوير الخاصّة بهن في أماكن سياحية.

مودة الأدهم

وأُطلق على الكثير من هذه الفتيات لقب “فاشونيستا”، وهى المرأة التي تعرض باستمرار ذوقها الفنّي في اختيار الملابس والـ”ميك أب” وغير ذلك، بالإضافة إلى لقب “موديل”، وهى المرأة التي تستخدمها الشركات في عرض أزيائها ومنتجاتها.

فعرض الجسد هنا شيء رئيس لمثاليّته واحتوائه على مواصفاتٍ ومؤهلاتٍ تُرضى مخيال الجمهور وتصوّره عن الجسد، ليصير ذلك شيئًا أساسيًّا لنجاح الفتاة في الشهرة والعمل مع الشركات.

صارت تلك الأجساد المثالية في نظر البعض أجسادًا استهلاكية، فالجمهور الذي يقيّمها ويتابعها ويعطي لها الشهرة، ويوفّر لها الارتقاء اقتصاديًّا، من حقّه أن يمتلكها.

فتاة الـ”تيك توك” الشهيرة مودة الأدهم مثلاً تعرضت لاعتداء بعض الفتيان الذين زاروها في بيتها في وقتٍ متأخر لطلب التصوير معها، وعندما رفضت اعتدوا عليها بالسبِّ، ربما رأى هؤلاء أن مودّة هي الجسد فقط الذي يتطلّعون إلى أن يلمسوه أو يلتقطوا صورًا بجانبه غاضّين البصر عن أنّها إنسانة لها خصوصيتها ومن حقها رفض أو قبول عرض التقاط الصور معها.

الراقصة لورديانا برفقة عمر كمال وحمو بيكا

حين ظهرت الراقصة البرازيلية في أحد مقاطع الفيديو وهي ترقص على نغمات أغنية شعبية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالمديح في جسد الراقصة، وبحث المتابعون عن حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي ليزيد عدد متابعيها على إنستجرام بعشرات الآلاف خلال بضع ساعاتٍ قليلة، خلال تلك الأيام صوّر مغنيا المهرجانات الشعبية عمر كمال وحمو بيكا برومو لمقطع من أغنيتهما الجديدة، وقد أتيا بالراقصة، أو بمعنى أكثر واقعيّة أتيا بجسد الراقصة وهي ترقص على أغنيتهما الجديدة لكي يزداد تفاعل الجمهور معها، بعد ذلك بدأت الصحف في الكتابة عن لورديانا، وظهرت لاحقًا أخبار إحيائها حفلات زفاف متعددة.

سلمى الشيمي – فتاة سقارة

فتاة تعمل َموديل، اسمها سلمى الشيمي، ذهبت إلى منطقة سقّارة بالجيزة، ومعها مصوّرٌ خاص، لعمل جلسة تصوير بزيٍّ فرعونيّ.. جسد الفتاة أثار ضجّة، وانتشرت الصور على منصات التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”إنستجرام” بسبب كثرة التفاعل، فوجّهت النيابة العامة اتهامات لسلمى بأنها لم تأخذ تصريحًا من الهيئة المعنية بتصريح التصوير داخل المنطقة الأثرية، لكن رأى البعض أن ما لفت انتباه الكثيرين هو أن جسد سلمى سمينٌ بعض الشيء، ما جعل الصور تنتشر سريعًا.. الملاحظ هنا أن الجسد هو أيضًا كان محل الانتباه والاهتمام.

في المقابل شغل جسد الرجل أيضًا تقاطعات هامّة في لفت الانتباه في المجتمع المصري، فروّاد “تيك توك” و”إنستجرام” من الرجال يهتمّون بعرض أجسادهم وقوّتها، بل ويستعرض بعض المشاهد التي يمثّلونها الفَتْوَنَة وفحولة الجسد.

ففي الواقع المصري يمثل الجسد قوة رأسمالية اجتماعية، خاصة في الحارات والمناطق الأكثر عشوائية، فيأخذ الشابّ القوي مكانة وسط أقرانه في المنطقة، بالإضافة إلى العلاقات العاطفيّة، فجسد الرجل يمثّل للمرأة شيئًا لافتًا جذابًا كما يمثل جسد المرأة شيئًا جذابًا للرجل، بالإضافة إلى سوق العمل، حيث يحصل الشاب مفتول العضلات على عروض عمل كموديل لمنتجات الشركات، فضلاً عن وجود مسابقات وأكاديميات محلّية ودولية تهتم برياضات استعراض كمال الأجساد، كمسابقة مستر أوليمبيا التي فاز بها مؤخرًا المصريّ رامي السبيعي، بالإضافة إلى شركات الأمن الخاصة الكثيرة التي تستعينُ بها الفنادق والجامعات والملاهي والقرى السياحيّة ورجال الأعمال والنخبة الفنيّة وغير ذلك، فضلاً عن الأعمال التي تعتمد على تحمّل الجسد وقوّته بالأساس، كَالمصانع والورش والبناء والتشييد.

كيف يهندس رأس المال الجسد؟

يتحوّل رأس المال هنا وهو رأس مال رمزيّ يتمثّل في طبقات ونخبٍ وشركات إلى سلطة تهندس الأجساد وتشترط عليها أن تكون في صورةٍ معيّنة، صورة تُميزها عن بقيّة الطبقات الأخرى من المجتمع المصري، قد لا تجد تلك الأجساد المثالية في المجتمعات الأكثر فقرًا، وإن وجدت فيعدّ هذا الجسد كرأس مالٍ رمزي يُفضّل صاحبه وسط أقرانه، ويؤهله إلى الصعود.

تلك الطبقات أيضًا توفّر حاضنة اجتماعية وفضاءً استعراضيًّا لوجود تلك الأجساد وعرضها، كالمهرجانات السينمائية والسجاد الأحمر وإعلانات الشركات، بالإضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن وجود هوس من تلك الطبقات لإنشاء الحفلات في القاعات والملاهي والمصايف والمساحات الخاصة لديهم، ما يتطلب عددًا كبيرًا من الأجساد المثالية التي تُحيي تلك المساحات، يعزز ذلك وجود عشرات الراقصات الأجنبيات اللاتي جئن إلى مصر لكي يعملن في تلك المساحة، بجانب اتجاه الفتيات إلى العمل فاشونيستا وعارضات أزياء.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى