وجهات نظر

 “أوبو”.. حياتك في صورة

محمد السيد الطناوي

انتبهت مؤخرا ـ أثناء مروري بشارع رمسيس ـ إلى يافطة إعلانية لموبايل “أوبو” تصور المغني محمد حماقي وإحدى الفتيات وبجانبهما جملة “حياتك في صورة”، شدني مهارتها في إصابة المعنى، على خلاف العبارات الدعائية التي عادة ما تكون خادعة، فلا تخبرنا إلا لتغشنا، ولا تنبأنا إلا لتوهمنا، وتمنينا ريثما تحتال علينا.

حياتنا بالفعل في صورة، فـ”علاقاتنا الاجتماعية تتوسطها الصور” التي تصدرها مواقع التواصل، لتنوب الصورة عنا أمام محيطنا أو بالأحرى تحل محلها.

تمسي الصورة أهم من الأصل، والرمزي بديلا عن الواقعي، وتتبدى الحياة الإنسانية مجرد مظهر ليتوارى المخبر، ويحل المبنى مكان المعنى، والشكل بدل المضمون، والسطح محل العمق.

معنى ألا يكون لك تواجد على مواقع التواصل الاجتماعي يقترب من ألا يكون لك وجود، أن تحيا اليوم يعني أن تعيش تحت أنظار الكافة عبر الصورة المصدرة عنك في مواقع التواصل، فليس لك رأي في هذه المسألة أو تلك، ولم تقم بما قمت به أو تذهب إلى المكان الفلاني أو تسافر إلى مدينة أو بلد آخر، أو تلتقي فلان من المشاهير أو حتى من أصدقائك ما دمت لم تنشر “بوست” أو صورة توثق الحدث.

أما الصورة فيجري إعدادها أو إخراجها بحيث تبدو أصلية لا متكلفة أو مصطنعة، لكنها لا توثق إلا السطح، والسطح ظاهر بلا باطن، علن بلا سريرة، مظهر بلا جوهر، أي أننا نكون حينما لا نكون.

طوال الوقت نحن مشدودون للصورة، صورة الغير لنتمثلها أو حتى صورتنا التي صنعناها، فتتحول الصورة المستنسخة إلى واقع، ويحاول الواقعي الذي استنسخت عنه الصورة التشبه بها، تصبح الصورة أكثر واقعية من الواقع، فكما تبلغ الصورة حد “تملك الواقع” يمكن أن تمتلكه ليخضع لها، وبدافع من منطق مشابه رفض الأديب الفرنسي بلزاك التقاط أي صورة له طوال حياته، لاعتقاده أن الفرد “مركب من سلسلة طويلة من الصور الشبحية مرصوصة فوق بعضها على هيئة طبقات لا نهائية، تضمها أفلام بالغة الدقة، وفي كل مرة يواجه المرء الكاميرا فإنها تقبض على واحدة من هذه الطبقات وتفصلها عن الأخريات لتستعملها”.

اقرأ أيضًا لمحمد الطناوي: “ليلة اختفاء ميمو وجمال رمسيس”.. احتفاء لابد منه

الصورة استلاب مثلما أدركها بلزاك، تحول الأصل (الشخص) إلى نسخة. ذات الإحساس عبر عنه رولان بارت من خلال كلامه عن شعوره بـ”عدم الأصالة” عند التقاط أي صورة له، فهي بالنسبة إليه “اللحظة التي لا أعود فيها ذاتا ولا موضوعا، وإنما ذاتا تشعر أنها غدت موضوعا، إنها إذن لحظة أعيش فيها تجربة موت صغرى: فأنا أغدو فيها شبحا بالفعل”.

كل صورة تفترض دائما مرسلا إليه، فردا كان أم جماعة، وفي حالة صورة “أوبو” الدعائية، فهي تفترض الجمهور مرسلا، فتخضع حياتهم للتقليص، تجعلها محصورة في حيز بالغ المحدودية، في تلك الصورة الحلوة، التي يمكنك أن تحصل على مثيلتها، فأنت لن تكون إلا من خلالها، لتحاول حيازة السلعة متمثلا واقعا جديدا يحصر حياتك في صورة.

لا يعتمد الإعلان هنا على البرهنة أو الإقناع بقدر ما يراهن على الإبهار مخاطبا الرغبة، رغبتك في أن تتمثل صورة نجمك أو مطربك المفضل، وبشرائك المنتج فأنت لا تستهلكه فقط، بل تستهلك معه منظومة قيمية وثقافية ونمط معيشي، توظف إمكانياتك المادية وقدراتك النفسية لتمثله، وبرغم أن الصورة تسطح الواقع وتفرغه من المعنى لكن من الصعب الإفلات من سحرها حتى وإن حبست حياتك كلها في صورة.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى