أوروبا "المترددة"

تعاقب تركيا "المُتحرشة"!

استمرارًا لفصول التوتر الأوروبي- التركي، أعلن الاتحاد الأوروبي توقيع عقوبات على ثلاث شركات من جنسيات مختلفة إحداها تركية، على خلفية اتهامها بـ”خرق حظر الأسلحة في ليبيا”.

واتفق وزراء الخارجية الأوروبيون، الاثنين الماضي، على إدراج شركة “أوراسيا” التركية للنقل البحري في قائمة العقوبات، على خلفية خرقها حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وتأتي العقوبات الأوروبية المفترض تحديدها بصورة تفصيلية في قمة الاتحاد يومي 24 و25 سبتمبر الجاري، في ظل توتر العلاقات الأوروبية-التركية على أثر تحرش تركيا بكلٍ من قبرص واليونان، وعزمها التنقيب في شرق المتوسط في نطاق حدود بحرية متنازع عليها من جانب، والتوتر الفرنسي التركى من جانب آخر، بالإضافة إلى التدخل العسكري في ليبيا ومحاولة تركيا “سورنة” ليبيا.

من جانبها، اعتبرت تركيا أن العقوبات الأوروبية ما هي إلا دعم أوروبي للمشير خليفة حفتر، في مواجهة ما أسمته تركيا بـ”الحكومة الشرعية” الليبية بقيادة فايز السراج المتحالف مع الرئيس التركي رجب أردوغان.

محمد عبدالرحمن المرسي
ليبيا خلف الستار

القرار الأوروبي، وإن كان غير كامل حتى اللحظة، يأتي بالتزامن مع المفاوضات الليبية في المغرب، وعقب إعلان السراج عزمه الاستقالة من رئاسة “حكومة الوفاق”، ومن ثمّ يدور الحديث حول إعادة تكوين المجلس الرئاسي في ظل احتمالية تغير نسبي في خارطة المناصب القيادية بين أطراف الصراع الليبي.

من هنا يمكن القول إن قرار فرض العقوبات ربما يحقق عددًا من الأهداف الأوروبية في سياق العلاقات مع تركيا في ما يخص التهديدات والمصالح، أولها: الضغط على أردوغان للتراجع عن تهديداته في شرق المتوسط والتحرش بقبرص واليونان، ومن ثمّ القبول بالجلوس إلى مائدة المفاوضات لتسوية كل الملفات العالقة.

وثانيًا: أن العقوبات المحتملة “بسيطة” وليست مضرة بقدر كبير، خصوصًا في وجود ما هو أكثر، وأن نصف صادرات تركيا تذهب إلى الاتحاد الأوروبي، وهي ورقة بيد الاتحاد الأوروبي يمكنه التعويل عليها.

ثالثًا: تمثل العقوبات محاولة لإثبات الوجود الأوروبي في الملف الليبي بعد تراجعه عقب زيادة النفوذين التركي والروسي، فضلاً عن الدور الأمريكي المُحرِّك من حين إلى آخر، وذلك مع إعلان التحضير لمؤتمر “برلين2 ” وسعي أوروبا للقيام بدور أكثر حيوية مع شركائها في الإقليم.

أردوغان والسراج
فعالية العقوبات

هناك انقسام أوروبي إزاء أنقرة يعود أولًا إلى وجود تركيا في حلف “الناتو” كثاني أكبر قوة بعد الولايات المتحدة، وتوافق تحركاتها مع الإستراتيجيات الأساسية للإدارة الأمريكية، ما يعرقل فرض عقوبات قاسية عليها، وثانيًا: الجانب الاقتصادي، فالشراكة الألمانية-التركية كانت حائلاً دائمًا دون توقيع عقوبات ذات قيمة على تركيا خشية الإضرار بمصالح ألمانيا وشركاتها، وبالتالي أضعف الانقسام الأوروبي حول تركيا إستراتيجيات أوروبا إزاءها، وزادت من ضعفه براجماتية ألمانيا من ناحية أخرى.

تعارض فرنسي- إيطالي

وبالنسبة إلى الوضع في ليبيا، فهناك مفارقات أوروبية كثيرة إزاء التدخل التركي في ليبيا، توضح إمكانية فرض عقوبات مؤثرة على أنقرة، بداية من الصراع الفرنسي – الإيطالي على النفوذ السياسي والاقتصادي، فمن المتعارف عليه دعم إيطاليا لحكومة السراج ووجود قوات عسكرية لها في مصراتة، وعلاقاتها مع ميشليات الإخوان والحركات المسلحة الأخرى الموالية للسراج وتركيا، ما يجعلها في موقف المعارض لفرض عقوبات على تركيا. في المقابل تدعم فرنسا المشير حفتر، وتتوافق سياساتها مع المحور المصري – الإماراتي، وذلك في ظل التنافس على النفط الليبي بين الشركات الأوروبية، وعلى رأسها “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية.

الحرب في ليبيا
ألمانيا وسيط غير نزيه

فرنسا وإيطاليا ليستا فقط من يمثلان أوروبا في الأزمة الليبية، بل هناك الوسيط “غير النزيه” المتمثل في ألمانيا، التي رغم تصدرها “مشهد الحياد” وتصدير نفسها على اعتبارها “راعي السلام” ومتبني التسويات السياسية وجامع الفرقاء في مؤتمر برلين (يناير2020) فإنها صدّرت وحدها خلال الفترة ما بين يناير (وقت عقد مؤتمر برلين) ومايو، أسلحة للأطراف المتصارعة والدولة المشتركة في النزاع الليبي بقيمة 358 مليون دولار، ذهب جزء مهم منها إلى تركيا.

ومن هنا يمكن استنتاج عدة ملاحظات على تلك العقوبات المحتملة، اتساقًا مع العرض السابق. أولًا: أن العقوبات ليست رادعة، إن طُبقت في الأساس.

ثانيًا: ليست هناك أي دولة أوروبية تعتبر طرفًا نزيهًا في الصراع الليبي، والتعويل على أن عملية “إيريني” في المتوسط (لمنع تدفق الأسلحة إلى ليبيا) جادة وتعمل على حظر توصيل الأسلحة للأطراف الليبية، هو أمر غير منطقي تمامًا.

ثالثًا: إيطاليا وفرنسا تعنيهما مسألتا النفط والنفوذ السياسي فقط، على اعتبار أن ليبيا مستعمرة سابقة للأولى، وبوابة للمصالح الفرنسية إلى مستعمراتها الإفريقية السابقة، في ظل حيوية موقع ليبيا لها، وانتهاء الأزمة في ليبيا ووجود حكم ديمقراطي بها لن يحفظ للدولتين مكانتهما الحالية.

وبالتالي إذا كان الطرف الأوروبي ليس فاعلاً في فرض السلام، وتحركاته على أرض الواقع تزيد من الأزمة الليبية، فيمكن اعتبار العقوبات الأوروبية المفترضة على تركيا داخلة في سياق “الحرب الإعلامية” مع تركيا وليس أكثر من ذلك.

تركيا ومخرجات جنيف

في الوقت ذاته، تجري حاليًا المفاوضات على مرحلة توزيع المناصب الجديدة بين الأطراف الليبية، في ظل بقاء القوات الأجنبية والميلشيات المسلحة كما هي، بل وزيادتها قُبيل وقف إطلاق النار، وتجري التحركات ما بين القاهرة وروسيا وتركيا، وأخرى تمت في المغرب مع الإعلان عن مؤتمر في جنيف وآخر في برلين.

السيسي وحفتر وعقيلة صالح

ومن المفترض أن هناك مجلسًا رئاسيًا جديدًا وحكومة أخرى ورحيل السراج (إن صدق في استقالته) والدعوة لانتخابات رئاسية وكتابة دستور. وكل ذلك يجري وتركيا لا تزال وثيقة الصلة بالميلشيات المتشددة في ليبيا، بل وتساهم في جلب المزيد من المتشددين إلى الداخل الليبي، وهو ما يعني صعوبة قبول سيناريو المسار السلمي والتسويات السياسية.

ويطرح هذا تساؤلاً بشـأن الدور التركي المفترض في ظل خطاب عدائي موجه من تركيا للجيش الوطني الليبي، بما يجعل تركيا أقرب للبقاء على موقفها الداعم للإرهاب في لييبا من جانب، وحرصها على إيجاد دور لها في خريطة مستقبل ليبيا بما يتماشي مع السياسة العثمانية الجديدة من جانب آخر، وهو ما عبّر عنه أردوغان صراحة بقوله إن رحيل السراج وحكومته لا يعني تغييرًا في الاتفاقات المبرمة بين تركيا وليبيا.

هذا كله ينذر برفض تركيا مسبقًا لمخرجات المفاوضات الجارية التي تستهدف –وفق مراقبين- الإطاحة بالدور التركي في ليبيا، في حين تستهدف تركيا أن تبقى لاعبًا رئيسًا في المشهد الليبي لمدى طويل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

بهاء محمود

باحث في السياسة الدولية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram