أوروبا بعد كورونا

هل يدق الفيروس المسمار الأخير في نعش الاتحاد؟

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ضرب فيروس كورونا معظمَ دول الاتحاد الأوروبي، حيث ظل الاتحاد آخر 3 أيام مضت يحتل المركز الأول في مستوى الإصابة والوفيات، فضلًا عن تسجيل فرنسا مستوى خطير من الإصابة أيضًا. وقد ساهم تمدد فيروس كورونا في كافة أرجاء الاتحاد الأوروبي بهذه السهولة في كشف العديد من السوءات التي يعاني منها هذا التكتل العريق، سواء على مستوى الجاهزية أو التضامن الأوروبي.

الإشكالية الأكبر في تهاوي التضامن الأوروبي في ظل أزمة كورونا أنه جاء على عكس الأسس التي بُنيت عليها فكرة الوحدة الأوروبية نفسها، حيث كان التضامن و”المصلحة” المشتركة بمثابة الضامن الوحيد لتأسيس واستمرار هذه الوحدة. فقد استقر اليقين منذ القرن السابع عشر على أنه بدون مصلحة ومنفعة متبادلة فلن تستطيع أي وحدة أوروبية الصمود أمام أي هزات سياسية أو اقتصادية، إذ قال “جان جاك روسو” ضمن ما قاله أثناء مناداته بتأسيس اتحاد جامع للممالك الأوروبية منذ عام 1780 إنه “عندما يتحد الرجال فإن روح المحبة تطال الجميع، ولن يكون من السهل كسر هذا الاتحاد الذي تجمعه وحدة الدين والأخلاق”. فيما قال “إيمانويل كانط” في مقالته الشهيرة “من أجل سلام دائم” عام 1880 أثناء دعوته للوحدة الأوروبية: “إن وقف العمليات الحربية لن يتأتى إلا من خلال تدشين نظام جديد للتعايش المشترك في أوروبا”.

وبالتالي نجد أن “المصلحة والأخلاق والمنفعة المتبادلة والتضامن” هي القيم التي تأسست عليها فكرة الوحدة الأوروبية منذ القرن السابع عشر، والتي تطورت إلى الجماعة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، منتهية إلى التكتل الحالي (الاتحاد الأوروبي). وأي تراجع عن روح هذه القيم تحت أي ظرف قد يُهدد بنية هذا التكتل بشكل من الأشكال.

قد يرفع فيروس كورونا مستوى الشك لدى بعض دول الاتحاد في معنى التضامن، وضرورة إعادة النظر في كفاءة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وقد يدفع دولًا أخرى للتحرر من قيود الاتحاد عبر الانسحاب منه، وقد يكون فرصة مناسبة لفاعل دولي في التغذي على أزمات الاتحاد -خصوصًا هذه الأزمة- للحصول على مكاسب سياسية، وقد يمثل فرصة لقوة دولية لأن تجد لها ثغرة للنفاذ نحو قلب الاتحاد الأوروبي لممارسة دور أكبر في تفاعلات النظام الدولي.

مظاهر ضعف التضامن الأوروبي في أزمة كورونا

لطالما تم اعتبار فرنسا وألمانيا بمثابة كبار الاتحاد الأوروبي؛ إلا أن قرار كلٍّ من باريس وبرلين بحظر خروج أي من مستلزمات الوقاية الصحية من البلاد كان صادمًا للداخل والخارج الأوروبي على حد سواء. ومن الضروري التأكيد على أن الصدمة هنا لم تكن في المقام الأول بسبب القلق من التداعيات السلبية لهذا الحظر التجاري بقدر كون هذا الحظر غير متفق مع المبادئ التي تأسس عليها الاتحاد، أو ما وصفته وزيرة الصحة البلجيكية بأنه سلوك يتنافى مع “روح” الاتحاد الأوروبي، والمعايير التي تأسس عليها.

ارتفعت أصوات الانتقاد في البرلمان الأوروبي كذلك للتنديد بتهاوي التضامن الأوروبي، حيث قالت السيدة “أورسولا فون دير لاين”، رئيسة المفوضية الأوروبية في خطابها: “في الوقت الذي كانت تحتاج فيه دول أوروبا إلى بعضها بعضًا فإن الكثير كان مهتمًّا بنفسه فقط. وعندما كانت أوروبا تتطلع لتطبيق مبدأ الكل للواحد، كان الكثيرون يطبقون مبدأ أنا لنفسي فقط”.

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت أزمة كورونا في إزاحة الستار عن إحدى أهم المعضلات الملازمة لبدن الاتحاد الأوروبي، وهي معضلة “شمال – جنوب” “شرق – غرب”، حيث دول الشمال الأوروبي أغنى من دول الجنوب، كما يتم اعتبار دول الغرب الأوروبي أكثر تقدمًا وانفتاحًا عن دول الشرق الأوروبي التي كانت في معظمها دولًا سوفيتية حتى مطلع التسعينيات، وهو ما تَمَثَّل في رفض دول الشمال الأغنى (ألمانيا، فنلندا، النمسا، هولندا) مقترح سندات كورونا Corona Bonds المقدم من تسع دول جنوبية (فرنسا، إسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، لوكسمبورغ، اليونان، سلوفينيا، البرتغال، أيرلندا). حيث يدعو المقترح “الجنوبي” المقدم للمجلس الأوروبي إلى إصدار سندات مالية على مستوى الاتحاد الأوروبي لتقاسم الديون الأوروبية بين دول الاتحاد من أجل دعم مكافحة فيروس كورونا، وإعادة بناء الاقتصاد الأوروبي بعد انتهاء الأزمة. لطالما كانت هذه مشكلة لم يتم وضع حل لها منذ أزمة الديون السيادية 2011، حيث ترى دول الشمال -خصوصًا ألمانيا- أنه يجب على كل عضو أوروبي تحمل المسئولية المالية دون الضغط على دول أخرى.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي يعمل من خلال مؤسسات مشتركة؛ إلا أن الاستجابة لأزمة كورونا كانت فردية تمامًا، وبدت دول أوروبا وكأنها تعمل في جزر منفردة، فيما يمكن وصفه بأن مؤسسات الاتحاد التجارية والصحية والاقتصادية والسياسية تُعاني من خلل شديد تم كشفه أمام هذه الأزمة، بالإضافة إلى افتقار مؤسسات الاتحاد لنهج القرارات المُلزِمة في وقت الطوارئ، وهو ما وصفه ممثل إسبانيا في البرلمان الأوروبي “غونزاليس بونس” بأن ” الاتحاد عَجَزَ عن تقديم استجابة موحدة، حيث كانت هناك 27 استجابة مختلفة” أي بعدد أعضاء دول الاتحاد الأوروبي.

كيف تستفيد روسيا من الأزمة في أوروبا؟

تُعتبر الاستفادة من الأزمات إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها روسيا لتحقيق مكاسب مختلفة، فيما يُطلق على هذه الاستراتيجية “الراكب المجاني Free Rider “، وبالتالي فإن روسيا سوف تعمل على الاستفادة من هذه الأزمة من عدة زوايا. منها التشكيك في كفاءة وجاهزية النظام الصحي للولايات المتحدة وقدرته على إدارة أزمة فيروس كورونا، خصوصًا وأن الولايات المتحدة -حتى اللحظة- تحتل المركز الأول في معدلات الإصابة والوفيات.

الرئيس الروسي بوتين

وسيكون الاتحاد الأوروبي على رأس المستهدفين، حيث تهتم موسكو دائمًا بالتشكيك في قدرة الاتحاد على الاستمرار للأبد، خصوصًا وأن موسكو تعتبر الاتحاد مجرد أداة أمريكية لمد النفوذ، وتسعى دائمًا لتعميق أزماته أملًا في أن تجده وقد انفضّ يومًا ما. وفي ظل الحملات الروسية التي تحاول النيل من الاتحاد الأوروبي، فإن المجلس الأوروبي قام بإصدار وثيقة اتهام ضد موسكو، وَرَدَ فيها أن وسائل الإعلام الروسية تتعمد نشر بيانات ومعلومات مغلوطة، أو ما وصفه البيان الأوروبي بـأن روسيا تقوم بــ”حملة تضليل” بعدة لغات منها الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية والفرنسية عن تفشي فيروس كورونا في دول الاتحاد الأوروبي، من أجل بث الرعب وزعزعة الثقة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله، كنشر خبر إصابة جندي أمريكي ضمن قوة أمريكية في ليتوانيا بفيروس كورونا كمحاولة لإحداث عملية تهييج وفزع.

ويمكن تأكيد أن روسيا سوف تعمل على توسيع هذه الحملة الدعائية في دول وسط وشرق أوروبا لتعزيز تصور انعدام التضامن الأوروبي، حيث لا تزال روسيا تعتبر هذه المنطقة إرثًا تاريخيًّا، وتسعى لجعل العديد من دول هذه المنطقة حاجزًا جيوسياسيًّا بينها وبين أوروبا، أو أقرب إلى موسكو عن بروكسل. فموسكو ستستفيد من أدوات نفوذها في هذه الدول، ومن أن اللغة الروسية شائعة الاستخدام هناك لتنفيذ هذه الاستراتيجية، كما ستستفيد كذلك من أنها لا تزال في وضع أفضل بخصوص تفشي فيروس كورونا مقارنةً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في إقناع شعوب شرق أوروبا بأنهم في الجانب الخطأ. حيث قامت بلغاريا باستدعاء تاريخها كدولة سوفيتية سابقة انضمت للاتحاد الأوروبي عام 2007، حيث أمر الرئيس البلغاري بإعادة إنتاج دواء يُعرف بـ”أنلجين تشينين Analgin-Chinine” الذي كان شائع الاستخدام في بلغاريا الشيوعية قبل انضمامها للاتحاد الأوروبي، رغم اعتراض الاتحاد الأوروبي على هذا الدواء، وصدور قرار من بروكسل بمنع إنتاجه بسبب قيود من الاتحاد الأوروبي لآثاره الجانبية على القلب. وقد برر رئيس بلغاريا هذا القرار بقوله: “إننا سنبدأ في إعادة إنتاج هذا الدواء المهم لأننا إذا انتظرنا الشركة الفرنسية التي تصنع أدوية مماثلة فإن بلغاريا سوف تختفي من الوجود”، وهو ما يُمكن وصفه بأن بلغاريا “كَفَرَت” في هذه اللحظة بالاتحاد الأوروبي، وقررت اتّباع التجربة الروسية في مكافحة وباء فيروس كورونا.

كما أن مراقبة أولوية المساعدات الروسية لعدة دول أوروبية لمكافحة كورونا لا تنفكّ عن كونها في الأساس بغرض الاستفادة من الأزمة وحجز نقاط للغد. فعلى سبيل المثال، كانت روسيا تحاول أن تتسرب إلى الاتحاد الأوروبي والناتو عبر إيطاليا دائمًا من أجل طلب مساعدة إيطاليا في إقناع الاتحاد برفع العقوبات المفروضة على روسيا بسبب احتلال شبه جزيرة القرم عام 2014. أي يمكن القول إن روسيا تتحرك في “زمن الأزمة” واضعةً بصرها على “زمن ما بعد الأزمة”.

سيكون على دول الاتحاد الأوروبي تكثيف جهودها بشأن التصدي للمحاولات الروسية في استغلال الأزمة بغرض تعميق انعدام الثقة بين دول الاتحاد الأوروبي عمومًا ودول الشرق والغرب الأوروبي خصوصًا، وكذلك محاولة موسكو تسويق المقارنة بين تجربتين؛ التجربة الروسية من ناحية والتجربة الأوروبية الأمريكية من ناحية أخرى، من حيث سرعة الاستجابة لدى هذه الأطراف، ومستوى التفشي الذي يعني -حسب الرؤية الروسية- عدم كفاءة الأمريكيين والأوروبيين، وأن مؤسسات الاتحاد في بروكسل هشة أمام أية أزمة.

كيف تستفيد الصين من الأزمة في أوروبا؟

يمكن القول إن المحرك الرئيسي في كافة تحركات الصين حاليًّا هو العمل على غسيل سمعتها كونها السبب في الإضرار باقتصاد العالم الذي لا تزال مقصلته تفتك بآلاف البشر حول العالم حتى الآن، مع تأكيد أن التهمة التي تحاول الصين نفيها ليست في كونها مصدر الفيروس من الناحية الفنية المخبرية، بل كونها أخفت المعلومات بشأن الفيروس عند بداية تفشيه، ما تسبب في انعدام السيطرة عليه لاحقًا، وهو ما سيجعل الصين عُرضة للمسئولية القانونية الدولية، ولن يكون من المستبعد أن يتم ترتيب محاسبة للصين على هذا السلوك غير المسئول دوليًّا.

وبالتالي فإن المساعدات التي تقدمها الصين حاليًّا يمكن إرجاعها لسببين، أولًا: السيطرة على تفشي الفيروس بما يُساهم في كبح مستوى النقمة الدولية على الصين، حيث إن استمرار الفيروس في التفشي يعني استمرار بقاء الموقف السلبي الرسمي والشعبي السلبي تجاه الصين عالميًّا.

ثانيًا: الحصول على ولاء بعض الدول في مرحلة ما بعد الأزمة في حال وُجِّهت للصين اتهامات بالمسئولية القانونية عن تفشي الفيروس، حيث تعلم بكين أن واشنطن سوف تقوم بكل ما من شأنه النيل من الصين، وبالتالي فإن الصين تسعى لصناعة دروعها من الآن، وأحد هذه الدروع هو الاتحاد الأوروبي، حيث ترتفع الصين بمستوى المساعدات وأنواعها المختلفة منذ تفشي الوباء في أوروبا.

ويُمكن ملاحظة قيام الصين بتكثيف دعمها للدول التي لا تندرج ضمن تكتلات الاتحاد الأوروبي المختلفة، أو ما يُعرف بــ”الدول الفردية”، مثل إستونيا وليتوانيا وصربيا، وهي بذلك تتبع استراتيجية “الكم” وليس “الكيف”، حيث تسعى لضمان أكبر عددٍ من الأصوات المدافعة عنها في أوروبا، وغسل سمعتها بدلًا من تكثيف المساعدات للدول الكبرى فقط.
وبالتالي فإننا قد نكون أمام تيارين أوروبيين في حالة تَقَدَّم العالم بمقترح لمحاسبة الصين بعد انتهاء الأزمة، أو حتى إذا لم يتم تقديم اتهامات رسمية للصين.

احتمالات تأثير أزمة كورونا على مستقبل الاتحاد الأوروبي

بالإشارة إلى ما سبق، كان مستوى التنسيق الأوروبي ضعيفًا، ولم يتمّ لمس روح التضامن، والاستجابة أيضًا كانت فردية. ورغم ذلك فإنه لا يمكن تأكيد أن أزمة فيروس كورونا ستقضي تمامًا على الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يمكن وصفها بالصدمة القوية جدًّا، التي قد تكون لها انعكاسات إيجابية بقدر وقْعها السيئ.

سيكون مستقبل الاتحاد أمام عدة تحديات ومطالبات:
1- ستفعل كلٌّ من فرنسا وألمانيا ما في وسعهما لضمان استمرار الاتحاد الأوروبي كتكتل يضمن لهما صفة الإخوة الكبار، ويوازن النفوذ الأمريكي، خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي في صيغته المعاصرة هو في الأساس فكرة فرنسية ألمانية متمثلة في جماعة الفحم والصلب. وبمعنى آخر فإن كلا الدولتين ستدافعان عن إرثهما بكل قوة.
2- سيعمل الاتحاد الأوروبي على النظر في آليات إدارة الأزمات الطارئة، وتوحيد قواعد البيانات، لتوحيد الاستجابة الأوروبية للأزمة، ووضع حل لمعضلة السياسات المالية المنفردة.
3- قد يُضطر الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في المادة التي تُحدد ضرورة كبح عجز الميزانية لدى الدول الأعضاء، بحيث لا تتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي (وهي من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر لدى الدولة التي ترغب في الانضمام للاتحاد)، نظرًا إلى أن أزمة كورونا حتمًا سوف تترك وراءها اقتصادًا منهكًا على شفا الانهيار، وخاصة في دول الجنوب والشرق الأوروبي.
4- ستوفر أزمة فيروس كورونا وضعف الاستجابة المشتركة فرصة مناسبة للتيارات اليمينية المتطرفة التي تُنادي بالدولة القومية، خصوصًا أن نمط الاستجابة الأوروبية بالفعل كان “قوميًّا” وليس “وحدويًّا”.
5- من المؤكد أن هناك تحقيقات سيتم فتحها بعد الأزمة وإعادة النظر في المعايير التي يُطبقها الاتحاد في قطاع الصحة، والعمل على جعل صندوق التضامن الأوروبي أكثر فاعلية.
6- رغم الملاحظات السلبية على التضامن الأوروبي؛ إلا أنه -على جانب آخر- كانت هناك عدة محاولات أوروبية لإنقاذ الوضع، مثل “إطلاق آلية الإنقاذ RescEU” من أجل العمل على تجهيز مخزون استراتيجي أوروبي من الأجهزة والمعدات اللازمة لمواجهة الأزمات البيولوجية والكيميائية والنووية، ومساعي المفوضية الأوروبية نحو التأكيد على أهمية استثناء إمدادات الطوارئ من أي حظر تصدير فردي، والمحاولات التي يقوم بها صندوق الاستثمار الأوروبي لدعم قطاع الأعمال في الأزمة التي سيتسبب فيها الفيروس تنفيذًا لمبدأ “سياسة التماسك Cohesion Policy” التي كان قد تم إقرارها في وقت سابق لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فيما يعني أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تكافح من أجل إنقاذ الاتحاد.

مقر الاتحاد الأوروبي

7- يجب أن يُوضع في الاعتبار أن أحد مظاهر الاختلاف في أزمة فيروس كورونا بشكل عام أنها أزمة لم تحدث بسبب أخطاء اقتصادية، بل هي أزمة طارئة غير مرتبطة بالسلوك البشري أو قطاع الأعمال، كما أنها أزمة معولمة، أي إنها غير مرتبطة بمنطقة أو دولة بعينها، وقد يكون لذلك الأمر وجه جيد، وهو أن لا دولة ولا تكتل بعينه سيتحمل منفردًا الخسائر، وبالتالي فإننا أمام نموذج يمكن وصفه بــ”تساوي الفاجعة”، وهو ما يصب في مصلحة الاتحاد الأوروبي كونه جزءًا من حركة الأزمة حول العالم.
8- لن يكون أمام دول الاتحاد الأوروبي سوى العمل على تدشين ما يُمكن تسميته “صندوق إنقاذ أوروبي”، لعلاج الآثار التي سيخلفها فيروس كورونا، ومن المرجّح أن يوضع في الاعتبار المزج بين السياسي والاقتصادي في هذا الشأن، بمعنى تفويت الفرصة على روسيا في احتواء دول بالوسط والشرق الأوروبي أو تعميق النفوذ الروسي هناك، عبر تعزيز المساعدات الأوروبية لهذه المناطق على وجه الخصوص.
9- رغم الموقف السلبي الذي تتخذه الإدارة الأمريكية تجاه الاتحاد الأوروبي، حيث يعتبره “دونالد ترامب” مجرد عبء دولي؛ فإن واشنطن سوف تضع في اعتبارها أن روسيا جاهزة لسد الفراغ في حالة حدوث أي ضرر لتكتل الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فقد تدعم الولايات المتحدة مساعي الاتحاد الأوروبي في إصلاح الخلل الذي حدث من أجل ضمان الإبقاء على هذا التكتل ككابح للتوسع الروسي.

في النهاية، لا يمكن القول إن الاتحاد سينهار بسبب أزمة فيروس كورونا؛ حيث إن الاتحاد أمام مسارين لا ثالث لهما؛ إما الاستفادة من الأزمة والقيام بإعادة تقييم، أو أن تصبح أزمة فيروس كورونا مسمارًا جديدًا في نعش الاتحاد الذي إن لم يقم بالإصلاح الكافي فإنه قد يودع الحياة يومًا ما.

تقرير

أحمد الباز

باحث في الدراسات الأمنية وشئون الشرق الأوسط

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram