وجهات نظر

أوفِ لنا الكيل.. حماية المستهلك عبر التاريخ

إلى هنا قد وصلت رحلة البشرية عبر تاريخ ممتد من الحضارة، لعل أبرز عاملين أسهما في تطور تلك الرحلة هما التشريعات والتجارة، فقد شاركت التشريعات منذ عهد حمورابي إلى الآن في تشكيل المجتمعات وتطوير طبيعتها عبر العصور، أما التجارة فقد نقلت الخبرات والثقافات والقصص بين تلك المجتمعات، ما أضاء ازدهارا حضاريا فيها، فضلا عن انتعاشها المادي.

المدهش أن التجارة، التي نمت عبر العصور وشكلت أبعادا أكثر عمقا للحاجات البشرية والأنشطة الإنسانية، قد دفعت إلى تطوير التشريعات، إذ كان لا بد من قوانين تحمي السواد الأعظم من البشرية كمستهلكين للسلع والبضائع والخدمات.

لقد أشارت شريعة حمورابي إلى بعض الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المستهلك، وابتكرت الحضارة الإسلامية وظيفة المحتسب كرقيب على الأسواق لمنع الغش التجاري وحجب السلع عن المستهلكين، ثم تطور الأمر عالميا مع مسيرة الحقوق والحريات العالمية.

ربما يأتي أصل الانتقال نحو رؤية عامة قانونية لظاهرة الاستهلاك من القانون الفرنسي، الذي كان دائمًا حصنًا في هذه الأمور، وتحديدا من “القانون المالي” لعام 1963 و”قانون رواير” لعام 1973.

سيكون التأثير الذي سيحدثه هذا المنظور في التطوير الكامل لقانون المستهلك المجتمعي وأزمة الفصل بين مؤسسات القانون العام والقانون الخاص المتعلقين بالسوق في النظم القانونية القارية مفتاحًا لأحدث تطور على الإطلاق في حماية المستهلك.

قبل ذلك، وفي رسالة وجهها إلى الكونجرس عام 1962، رسم الرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي الخطوط العريضة لحقوق المستهلك، والتي حددها في أربعة مبادئ:

الحق في الأمان، والحق في الحصول على المعلومات، والحق في الاختيار، وحق الاستماع.

وشكلت هذه المبادئ الأساس لحركة حقوق المستهلك، وبعدها طوّر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون حقوق المستهلك في عام 1964 عبر إنشاء منصب المساعد الخاص لشؤون المستهلك، وفي عام 1967 قام بتشكيل اتحاد المستهلكين في أمريكا، والذي كان بمثابة المنظمة الوطنية للمستهلكين والتعاونيات ومجموعات العمل.

أسهمت جهود حركة حقوق المستهلك تحت قيادة رالف نادر خلال ستينيات القرن العشرين في صدور قانون وطني لسلامة المركبات والمرور عام 1966م، وهو القانون الذي دوّى صداه في العالم كله وكان له دور في تعديل صناعة السيارات بما يضمن حقوق المستهلك وحمايته.

وهكذا نرى كيف يسهم الاهتمام بحماية المستهلك في تطوير المسار البشري ومنحه أبعادا أكثر إنسانية وعدالة، والحقيقة أنه مهم للغاية أن نواصل السير في هذا الطريق لخلق مناخ استهلاكي أكثر أمانا وعدالة وحميمية للمستهلكين، وجعل تجربة التسوق نشاطا مريحا للمستهلك.

ولا بد في هذا الصدد من إعادة النظر في الطرق التي ننتج بها السلع والخدمات وطرق استهلاكها وتسويقها، وذلك من أجل حماية الكوكب الذي نعيش عليه وتوفر ظروف اجتماعية مناسبة للأجيال الحالية والمستقبلية، وبداية تطبيق الاستهلاك المستدام، الذي يعمل على زيادة كفاءة الموارد، وتمكين الجميع من التمتع بحياة جيدة مع الحصول على كل مقومات الحياة من الغذاء والدواء والماء والطاقة، والحفاظ على حق الأجيال القادمة في الموارد.

أ.د. طارق محمد عبد الغنى

أستاذ الميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى