ثقافة وفن

أول الخيط.. الحلقة الخامسة من رواية “العملية كيسنجر”

أحداث هذه الرواية من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة

لا تحدي يمكن أن يواجه جهاز الشرطة خصوصا في مصر، مثل تحدي موت محبوس في محبسه. لا أحد يصدق بأي حال أن الوفاة طبيعية، حتى لو توفي المحبوس وهو يجري جراحة دقيقة في القلب بأحد المستشفيات الكبرى، تظل الاتهامات تحاصر رجال الشرطة، فما بالك بمحبوس ينتحر وينهي حياته بنفسه.

دائما الشرطة متهمة، كأنها مسجلة خطر في إزهاق أرواح الناس بالزنازين.. هذا الاشتباه المبدئي في الشرطة يرتكز في تبريره على ممارسات بعض المنتسبين للجهاز الشرطي في فترات بعينها، أو بسبب انطباعات عامة وحكاوى متداولة وروايات وأفلام راسخة في الأذهان.

لكن مع محبوس مثل (توفيق خطاب) فالوضع أكثر تعقيدا من مجرد انطباعات يمكن حسمها بتقرير الطبيب الشرعي.. محبوس مصنف على درجة عالية من الأهمية.. ذو شهرة داخلية وخارجية.. في ظروف ضبط واحتجاز مثيرة للجدل، وسط مناخ يسوده التشكيك في الشرطة والدولة كلها.. من المنطقى جدا أن تكون الشرطة موضع اشتباه.. أنا أقبل ذلك حتى نظريا.. ضابط المباحث الذي يحقق في أي شبهة جنائية من المفترض أن يطبق قواعد الاشتباه على كل من له صلة بالحادث حتى يظهر صدق هذا الاشتباه من عدمه.

لذلك لم يصدق أحد أنه انتحر..

خرجت التعليقات والمعالجات الإعلامية بالداخل والخارج تتحدث عن نحْر وليس انتحارا.

من يعرفون الرجل يجزمون بيقين كبير أنه أكثر حرصا وتمسكا بحياته، وأنه كان يسافر إلى أي بلد يعرف أن لديها علاجا ناجزا لأي مرض يُلم به، خصوصا أمراض الشيخوخة التي حاول قطع الطريق عليها مبكرا بجلسات علاجية كان يداوم عليها في مصحات برومانيا والتشيك وإيطاليا. فهل مثله ينتحر؟

إذا كان ذلك ليس كذلك فمَن من مصلحته نحره؟ 

أي مصلحة للشرطة والدولة في ذلك؟ وكما عرفنا، فالرجل أقر بمخالفاته وتقدم بنفسه بطلب للتصالح ودفع مبلغ جدية لهذا التصالح قيمته كما هو معلن 2.2 مليار جنيه مصري، فلماذا تقتله الدولة أو أحد منتسبيها، مع العلم الكبير بأثر موته في محبسه على سُمعة الدولة ومناخ الاستثمار الذي تسعى الدولة لتحسينه، ومجتمع الأعمال الذي تحرص على طمأنته طوال الوقت.

ربما شركاء له في الداخل أو الخارج بدؤوا يستشعرون أنه صار عبئا عليهم، وأن التحقيقات المكثفة معه والتركيز عليه قد يفتح ملفات لا يرغبون في فتحها، ويكشف أسرارا ليس من مصلحتهم افتضاحها.. خصوصا أن كثيرا من هؤلاء الشركاء صمتوا تماما على حبسه ولم يخرج منهم أي رد فعل يشجب احتجازه أو يبدي أي قدر من التعاطف معه بأي حال، عكس حبسته الأولى كما سبق وشرحت لك.. هذا أيضا اشتباه يستحق البحث.

ربما زوجته الشابه أو مَن يمثلها ويمثل مصالحها، خصوصا أنه وُجد في زنزانته مشنوقا بإيشارب طويل يخصها كانت تضعه على كتفيها في آخر زيارة له في محبسه، وهي آخر من زاره، ويقول الحراس إنه كان منفعلاً جدا خلال هذه الزيارة ومحتدا في الحديث ويسب ويلعن أشخاصا لم يعرف الحراس من هم ولا إن كانت الزوجة الشابة أحد الذين صب عليهم غضبه وسبابه أم لا.

ما مصلحتها في ذلك؟ 

كعادة القضايا المماثلة.. الحفاظ على مكتسباتها المادية أو حصتها في الميراث، ربما اكتشفت أنه وبحكم أن بناته من زوجته الأولى يساعدنه في إدارة شركاته ويمتلكن مواقع وظيفية كبرى بتلك الشركات، أنه سيسهل لهن الاستحواذ الكامل على ثروته.. هذا في حد ذاته دافع مهم كما يقول كتاب الدوافع.. هذا أيضا اشتباه آخر.

لكن النيابة العامة لا تكترث بكل هذه الاشتباهات والدوافع، والأرجح أن المسألة عندها محسومة في كون الواقعة انتحارا، فالإيشارب طلبه بنفسه ليربط به رأسه التي يأكلها الصداع، على حد قوله لزوجته الشابة، وكما أقرت في التحقيقات وصدّق على كلامها أحد الحراس، رغم ثلاجة الأدوية الموجودة في زنزانته محتوية على أفضل أدوية الصداع، غير علاجاته الدورية.. تقرير الطبيب الشرعي يرجح الانتحار ولا يشير إلى وجود أي عنف أو إصابات أو أثر لمقاومة غير كسر في العنق ناتج عن الشنق.

كل البيانات الرسمية تقول إنه انتحر.. وكل المعالجات الإعلامية والتعليقات على شبكات التواصل والمنتديات تتحدث عن نحر.

وأنا لا أستطيع أن أُكذب البيانات الرسمية.. ولا يمكن أن أتجاهل حملات التشكيك التي تكاد تنسف تلك البيانات وتربطها بقصص لأشهر الذين ظل سؤال مصيرهم غامضا وغير محسوم: هل انتحروا أم قُتلوا؟! ومثل هؤلاء كثير جدا في تاريخنا الحديث.

رسميا.. لم تكن هناك قضية من الأساس حتى أحقق فيها أو أشارك في البحث والتحري، وأسير خلف خيوط الاشتباه، وكما أغلقت النيابة ملف المنتحر توفيق خطاب، أغلقت عائلته الموضوع أيضا.. ولم تؤيد أي تكهن رائج بوجود شبهة جنائية، وبدا من يتبنون تلك الفرضية كأنهم يزايدون على أسرة الرجل نفسه، ما دفع بعض أولئك المشككين أن يضع تلك الأسرة وسط دوائر الشك والاشتباه تحت زعم أن التخلص منه كان قرار عائلة وجدته عبئا عليها، والخسائر من وجوده أكثر من المكاسب، على الرغم من كونه -حسب الرائج عنه- صاحب الثروة ومن صنعها وعظّمها وربطها بشبكة مصالح متشعبة منحت العائلة كلها قوتها ومكانتها ونفوذها، الذي يستحق أن يستمر حتى لو كان الثمن هو حياة الأب المؤسس.

هذا أيضا مجرد تكهن لا تسنده بينة واضحة.. وخيط اشتباه لا يبدو ممتدا إلا في خيال صاحبه، لكنها فرضية تتساوى مع سائر الفرضيات.. والاستقصاء هنا مفيد في جميع الأحوال، سواء انتهى التقصي بإثبات فرضية منها أو نفيها.

والبحث وراء كل ذلك يتطلب غوصا جديدا في تفاصيل حياته، وهذه المرة ليس بصفة رسمية.

تلك الأسئلة التي عادت تتزاحم في رأسي حوله تستحق مني إسكات رادع بإجابات تقترب من الحقيقة، والأمر لا يخلو من دوافع مهنية بإبعاد الشبهة عن جهاز الشرطة الذي أنتمي إليه، وإثبات أن الشبهة الرائجة حوله ليست إلا انطباعا تحركه ذاكرة سيئة وخطاب متربص ومعاد يستسهل التشهير والاصطياد، لكن دوافعي الشخصية كانت أكبر.. هذا تحدٍّ خاص فرضته على نفسي فى محاولة للفهم شجعني عليها أنني عثرت في ملف القضية الذي أودع أرشيف النيابة العامة على أول الخيط.

لم يكن في ملف التحقيقات وأقوال الرجل ما يمكن الاستناد إليه في إجابة سؤال حياته، غير حصار من النيابة بمخالفاته وإنكار منه.. كيف إذن قيل إنه مستعد للتصالح؟ ومن أين جاء المبلغ المُعلن عنه، والمسجل لدي أن محاميه من أعلن الخبر..

هذا أيضاً سؤال آخر.. 

لكنني بينما الملف أمامي سمحت لنفسي أن أفض حرزا لم يُفض وأسطو لبعض الوقت عليه، لأكتشف بمطالعة محتوياته أنه يحوي تفاصيل صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة كاملة، كما رواها بنفسه.

كأن الرجل أراد أن يجيب عن أسئلتي، فترك ذلك “الهارد ديسك”، الذي حرزته بنفسي من داخل خزانته، وفي داخله نسخة غير منشورة من مذكراته التي يسرد فيها تفاصيل محطات كثيرة في حياته.

كتاجر عاش حياته يعقد الصفقات ويحاول جاهدا أن يخرج رابحا من كل معاملة خاضها عَنونَ مذكراته بـ”صفقتي”، ونَظَر إلى حياته كلها باعتبارها صفقة كبرى هدفها طوال الوقت كان تعظيم العوائد بأقل التكاليف الممكنة.

ها هو توفيق خطاب يتحدث عن نفسه ويصحبني بنفسه في رحلة عبر محطات عمره الأساسية، يُبين لي فيها على الأقل أقواله عن العلاقات والتجارب والتحديات والصدمات والصفقات وعن الأصول والجذور، ما يجعلني قادرا على استنتاج النهايات.

صحيح أن كل ما يورده في تلك الملفات هي وجهة نظره.. عينه التي يرى بها نفسه، لكنها على الأقل أقواله التي كان من الممكن أن يقولها في أي تحقيق أجريه معه.. هذا إذن تحقيق وتلك أقواله.. لم يبق أمامي إلا فتح أجندتي الخاصة وتسجيل نقاط أساسية من تلك المذكرات ثم أبدأ في البحث خلفها، مستدعيا الشهود والمصادر والروايات وأبطال الوقائع، لأقدم لك محضر تحقيقات مكتمل العناصر والأطراف، حسبما أوفق في السعي والبحث.

كتب مذكراته وتلك قصته.. وسأكتب روايته وتلك قصتي.. 

ومذكراته في تلك الرواية ليست غير طرف خيط أمسكت به، وحاذيته في طريق يهدف للإمساك بالطرف الآخر، وجمع كل فتائله في نسيج واحد يحمل صورة رسمتها الوقائع لـ”توفيق خطاب”.

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى