سياسةمختارات

أيام الحرب والمقاومة.. كيف أصبحت مدينة “عفرين” السورية؟

 

تستمر الانتهاكات التركية بحق سكان مدينة “عفرين” السورية مع دخول الحرب ضد المدينة، التي لا تتجاوز مساحتها نحو 2% من إجمالي مساحة سوريا، عامها الثالث، منذ بدء الهجوم التركي في 19 يناير/ كانون الثاني 2018.

فعلى مدار 36 شهرًا عملت الإدارة التركية على تثبيت أقدامها داخل أرجاء عفرين، الواقعة شمال غربي حلب، بالانتشار العسكري وتغيير طبيعة المدينة جغرافيا وديموغرافيا، تحت ذريعة “تأمين حدودها ومحاربة الإرهاب”.

وفي المقابل، كانت “المقاومة” شعار أهالي عفرين منذ اللحظة الأولى للهجوم التركي، رافضين الاستسلام رغم سوء الأوضاع الإنسانية واستمرار عملية الاستهداف المباشر للمدنيين وفرض حصار على أغلب القرى والبلدات، فكيف تغيرت ملامح المدينة خلال سنوات الاشتباكات والمقاومة؟

عفرين السورية

الوضع الميداني

وتيرة متصاعدة للاشتباكات لم تتوقف يومًا واحدًا، وفي الأيام الماضية سجل المرصد السوري لحقوق الإنسان انتهاكات لمسلحين موالين لتركيا، تتمثل في فرض إتاوات مالية تقدر بنحو 100 دولار أمريكي على أصحاب المحال التجارية، إضافة إلى استخدام القوة لطرد نازحين من مخيم بريف عفرين كان يضم أكثر من 30 خيمة، مع استمرار حملة الاعتقالات المنظمة من قبل الشرطة العسكرية التابعة لتركيا ضد أبناء المدينة.

واستهدف الطيران التركي منطقة شيراوا بعفرين، بعد عودة الاشتباكات بين مسلحين موالين لأنقرة ووحدات حماية الشعب الكردي خلال الشهر الماضي.

شيراز حمو، الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي في إقليم عفرين، تقول لـ”ذات مصر”: ” تولى أهالي عفرين وسكانها إدارة المدينة عقب انسحاب قوات النظام السوري في 2013، بهدف التصدي لهجمات الفصائل الإسلامية الراديكالية التي سيطرت على المناطق المجاورة وفرضت حصارا عليها، وبحُجج واهية للهجوم على عفرين زرعت تركيا فصائل مسلحة لتسهل عليها مهمة الهجوم العسكري”.

وتشير “حمو” إلى أن البداية كانت بهجوم “المحمودية”، الذي استهدف حافلة تقل عشرات المدنيين العائدين إلى منازلهم، لتتمادى تركيا في انتهاكاتها بتدمير قرى بلبل وراجو وجنديرس ومركز عفرين، وتتحول مدينة الزيتون إلى ساحة حرب يلجأ فيها الأكراد إلى الجبال والتلال لحماية أنفسهم ومواجهة الأتراك الذين يعتمدون على أحدث التقنيات التكنولوجية بجانب دعم المسلحين لنشر نفوذ أوسع داخل مدن الشمال السوري.

وعن أعداد العسكريين الأتراك في عفرين، توضح شيراز حمو أن تركيا تتبع أساليب الترهيب والتشديد والسرية التامة بشأن المعلومات المتداولة عن عدد القوات والمعدات العسكرية وطبيعة تحركاتهم بين القرى.

وتشير إلى أسماء الفصائل المسلحة المعاونة لتركيا، وهي فصائل (السلطان مراد، الحمزات، سليمان شاه، أحرار الشرقية، العمشات، فيلق الشام، الجبهة الشامية، لواء السلطان محمد الفاتح، جيش الإسلام، حركة نور الدين الزنكي).

وتعد هذه الفصائل المسلحة مجموعات منبثقة عن تنظيمات “القاعدة” و”داعش” و”جبهة النصرة”، جاءت أغلبها من منطقتي الغوطة الشرقية وحمص تحت اسم فصائل “درع الفرات”، ما يجعل الهجوم على عفرين من أشد وأعنف الضربات التي شنتها تركيا ضد الأكراد منذ بداية تدخلها في سوريا عام 2016.

ووصفت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، انتهاكات الجنود الأتراك والمسلحين بـ”نهج مقلق”، خاصة بعد أن شهدت عفرين انتهاكات جسمية ما بين القتل والاختطاف خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني وحتى سبتمبر/ أيلول 2020، ما أدى إلى سقوط 116 مدنيًا و460 جريحًا نتيجة مخلفات الحرب والعبوات الناسفة.

ويقول حسين فقه، مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في أوروبا، لـ”ذات مصر”: “لا تكف تركيا عن الانتهاكات، ويعد أخطرها ما لحق بنساء عفرين من قتل واغتصاب واختفاء قسري، ومؤخرا تداولت تقارير دولية معلومات بشأن نقل بعض النساء كسبايا لمرتزقة تركيا في ليبيا”.

حسين فقه مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي

وعن أعداد ضحايا الحرب خلال 3 أعوام، تقول الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي بإقليم عفرين: “سقط نحو 604 مدنيين، من بينهم 498 شخصًا نتيجة القصف، و82 مدنيًا نتيجة التعذيب على أيدي الجنود الأتراك والفصائل السورية المسلحة، إضافة إلى نحو 696 جريحًا، بينهم 303 أطفال، وسجلت نحو 8330 حالة اختطاف لمدنيين، بينهم حالات اختفاء قسري”.

وتضيف: “قُتلت نحو 70 سيدة على يد الجنود الأتراك والمسلحين، بالإضافة إلى 3 حالات انتحار نتيجة الانتهاكات التي لحقت بهن، حيث فُرض على الفتيات ارتداء النقاب والزواج القسري عبر تهديد عائلاتهن، فيما تعرضت نحو 68 كردية للاغتصاب على مدار 3 سنوات”.

جغرافية المدينة

نظرا لأن طبيعة التضاريس في عفرين شكَّلت وسيلة لمقاومة قوات سوريا الديمقراطية (قوة عسكرية تضم وحدات حماية الشعب الكردي وعرب وسريان وأكراد) للوجود العسكري التركي، فقد كان تدمير جغرافية عفرين والبنية التحتية هدفًا رئيسيًا للإدارة التركية لتتمكن من بسط سيطرتها على المدينة، التي تضم أكثر من 350 قرية وبلدة.

ولم يتوقف الطيران التركي عن قصف المؤسسات، باستهداف نحو 64 مدرسة ومستشفى وتدمير المراكز الخدمية مثل الأفران والسدود، ومن أهمها سد ميدانكي، المقام على نهر عفرين، وفقًا لشيراز حمو، التي تقول: “تحولت المدارس والمنازل إلى ثكنات عسكرية تركية، بعد تأسيس قواعد عسكرية داخلها، إضافة إلى بناء جدار عازل لفصل عفرين عن باقي الأرضي السورية بطول 3 كم”.

وامتدت الانتهاكات بحق عفرين إلى سرقة محاصيل الزيتون وفرض إتاوات من قبل المسلحين على المزارعين بالعملة التركية، وفقًا لما ذكره حسين فقه لـ”ذات مصر”.

وخلال الأسبوع الماضي، كشفت منظمات حقوق الإنسان بالشمال السوري عن استمرار نقل آلاف الصفائح من زيت الزيتون من عفرين إلى تركيا عبر معبر قرية حمام الحدودية.

ويُعد محصول الزيتون عنصرا أساسيا يقوم عليه اقتصاد المدينة السورية، وتزايد الإنتاج عقب انتقال سكان حلب إليها وتصنعيهم منتجات من زيت الزيتون، وقدر موقع “بوابة سوريا” المحلي زيادة الإنتاج بإسهام 9% من قيمة الدخل الزراعي حسب الإنتاجي السنوي.

وبقدوم الاحتلال التركي فقد سكان المدينة وظيفتهم وبات الاقتصاد هشًا للغاية، ما يزيد من سوء الأوضاع الإنسانية بقلة الموارد الغذائية.

وتستمر تركيا في محاصرة عفرين، بتصدير المحاصيل الكردية باعتبارها منتجا تركيا في الأسواق الأمريكية والإسبانية، إضافة إلى قطع أكثر من 314400 شجرة زيتون وأشجار حراجية، إضافة لحرق نحو 11 ألف هكتار (110 كم2) من الأراضي الزراعية، وتمثل أكثر من ثلث المساحة الصالحة للزراعة في عفرين، بجانب قطع 300 شجرة معمرة، بحسب تصريحات المسؤولة الكردية.

الهوية المجتمعية

ومنذ انتهاز أنقرة فرصة التوغل في الشمال السوري، سارعت في تتريك المدن وطمس الهوية الكردية، وبالطبع لم تنج عفرين من الأمر، خاصة أن الإدارة التركية تدرك جيدا أهميتها وموقعها من باقي المدن ذات الأغلبية الكردية.

وطوال الأشهر الماضية، أزالت المعدات التركية مزار “على داده” وأجزاء من مقبرة “الفوقانية” غربي عفرين، وزعمت تركيا أن عملية الهدم جاءت بهدف تأمين حدودها وتأسيس قاعدة عسكرية بحسب ما نقلته مواقع محلية سورية عن أهالي المنطقة.

ووفقا لإحصائية مديرية “آثار عفرين”، تضرر أكثر من 28 موقعًا أثريًا وأكثر من 15 مزارًا لديانات ومذاهب مختلفة، من بينهم مواقع أثرية مدرجة على لائحة اليونسكو مثل “قبر مار مارون، كهف الدودرية، معبد عين دارا، معبد النبي هوري”، بجانب تجريف المقابر الأثرية وحفر التلال تنقيبًا عن الآثار، حيث تضم عفرين 75 تلًا أثريًا.

وعن مظاهر طمس الهوية الكردية، تقول شيراز حمو: “رفع على مستشفى آفرين والمدارس والأماكن العامة العلم التركي وصورة رجب طيب أردوغان، كما تغيرت اللوحات الإرشادية بالمحال وأسماء الشوارع والميادين العامة من اللغة الكردية إلى التركية، مثل ساحة آذاري الحرية التي تحولت إلى ساحة “آتاتورك”، ودوار نوروز إلى “دوار صلاح الدين”، ودوار كاو الحداد إلى “دوار غصن الزيتون”، وحوّل أسماء القرى إلى أسماء بلدات تركية مثل “سلجوق أوباسي وجعفر أوباسي”.

ويفند نواف خليل، مدير المركز الكردي للدراسات، لـ”ذات مصر”، وسائل تتريك عفرين عن طريق منع اللغة الكردية وإحلال التركية بديلًا لها، وافتتاح المدارس الدينية، إضافة لرفع العلم في كل القرى والبلدات بعفرين”.

وطال المخطط التركي المناهج التعليمية بالمدارس، وجميع السكان من المسلمين والمسيحيين والإيزيدين بفرض فكر الإخوان المتطرف، إضافة لإخضاع المؤسسات الدينية إلى والي تركي، وفرض التعامل في الأسواق بالليرة التركية وإصدار هويات شخصية تركية للمستوطنين وهويات لاجئين لسكان عفرين الكُرد، بحسب مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في أوروبا.

قوات تركية في منطقة عفرين

التغيير الديمغرافي

التركيبة السكانية في عفرين تختلف عن باقي مدن الشمالي السوري، خاصة أنها كانت مأوى لجميع النازحين من المدن المجاورة في أثناء الحرب ضد داعش، وقبل الأزمة السورية قُدر عدد السكان بنحو 532.258 نسمة، وبفرار السوريين من مناطق ريف حلب الجنوبي والغربي والغوطة الشرقية وحمص وريف إدلب الجنوبي والمخيمات المجاورة ارتفع عدد السكان إلى ما يقرب من مليون نسمة.

ويقول نواف خليل، مدير المركز الكردي للدراسات، لـ”ذات مصر”: “استقبلت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا جميع النازحين دون التفرقة بينهم، ووقتها وصلت نسبة الأكراد إلى نحو 95% من نسبة السكان الأصليين بالمدينة بعد نزوح 300 ألف سوري إليها”.

وسرعان ما تبدل الوضع في عفرين بعد 4 أشهر من الاحتلال، بإجبار سكانها على النزوح.. يقول “فقه”: “هُجّر أكثر من 300 ألف شخص من السكان الأصليين بعفرين في 3 سنوات، تمهيدًا لتوطين قرابة 400 ألف سوري، بينهم عرب قادمون من الغوطة الشرقية وريفي حلب الغربي والجنوبي وإدلب ودير الزور وتركمان قادمين من ريفي حمص وحماه”.

ويحلل “خليل” التهجير القسري الذي مارسته تركيا عمدًا ضد الأكراد بـ”الهندسة الديموغرافية” التي تتمثل في إبادة الأكراد بالترهيب والحصار والاستيلاء على المنازل والموارد الغذائية، وهو الأمر الذي يصفه بـ”العقيدة” الراسخة في أذهان الإدارة التركية منذ عقود طويلة، مشيرا إلى أن التهجير تسبب في انخفاض نسبة الأكراد إلى 50% من نسبة السكان الحاليين.

تمثال أسد عفرين

استراتيجية البقاء والمقاومة

وفي الوقت الذي اعتمدت فيه تركيا سياسة الخداع أمام العالم، تبريرًا لتدخلها في عفرين، قسّم الأكراد أدوار المقاومة بينهم من أجل الصمود أمام طلقات الرصاص والدبابات العسكرية.

ويقول مدير المركز الكردي للدراسات: “محاربة تركيا للإرهاب مجرد ادعاء تروج له، ويعد التدخل في تل أبيض نموذجًا، فطوال فترة سيطرة داعش عليها، لم تهاجم تركيا المدينة باعتبارها شريان الحياة للتنظيم، وعقب التحرير في منتصف 2015 أغلقت الحدود في وجه جميع مكونات سكان تل أبيض ووسائل الإعلام منعًا لكشف حقيقة الوضع، وهو سيناريو مشابه لما تتعرض له عفرين حاليا”.

ويشير إلى أن استراتيجية أهالي عفرين من المدنيين تعتمد بالأساس على البقاء والتمسك بديارهم وأراضيهم بقدر الإمكان، خاصة أن السلاح المستخدم ضدهم هو القتل والتعذيب، ليأتي دور المقاومة العسكرية من نصيب قوات حماية الشعب الكردي باستهداف جميع القوات التركية والمسلحين الموالين لها، بجانب نشرهم الحقائق عن معاناة عفرين أمام العالم.

يقول “فقه” إن مقاومة وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ التي صمدت 85 يومًا أمام الآلات الحربية التركية قبل دخولها عفرين، عرفت باسم “مقاومة العصر”، ونجحت في قتل 900 جندي وعنصر من الجيش التركي والمسلحين وجرح الآلاف باتباع أسلوب المباغتة في القتال في أوقات وبأشكال غير ملائمة للجهة المستهدفة، ما يمنح الأفضلية للأكراد في اختيار الزمان والمكان لشن الهجمات.

وعن التحديات التي تواجه المقاومة، يقول فقه: “رغم صعوبة الوضع وغياب الدعم من النظام السوري وتواطؤ روسيا وإيران وتركيا معا ضد الشمال السوري، فإن الأكراد يستمدون الدعم من تكاتف كافة مكونات الشعب السوري ضد الإرهاب ورغبتهم الموحدة في صون وحدة سوريا وتأسيس دولة ديمقراطية لا مركزية”.

وفي ظل الاحتلال التركي وما خلفه من دمار بحق المدينة السورية وإصرار الأكراد على المقاومة، يُطرح السؤال نفسه: أي مصير ينتظر “عفرين” خلال المرحلة المقبلة؟

داليا عريان

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى