ثقافة وفن

أيديولوجيا السخرية.. من جحا إلى عادل شكل

“فرفش كده احنا في رحلة”، أو بتعبير الجوكر: “why so serious”، عبارة تمثل الشخص خفيف الظل في التجمعات وجلسات السمر، أو في تعليقات فيسبوك، بغرض الخروج من نقاش ما بأقل الأضرار، عبر السخرية التي تحولت بمرور الوقت لأيديولوجيا.

يمكن التفريق بين نوعين من السخرية، الأول هو السخرية الموجهة لموقف ما، والمحملة برصيد من النقد. أما النوع الثاني فيمكن تسميته بالسخرية الوجودية، وهي سخرية تنطلق في كل الاتجاهات، دون أن تحمل بالضرورة وجهة نظر أو قدر من النقد خارج ذاتها كسخرية.

في كتابه “الفكاهة والضحك رؤية جديدة”، يورد شاكر عبدالحميد ملاحظة الباحث آفنر زئيفي حول انتشار النكتة السياسية في دول شرق أوروبا عنها في دول غرب أوروبا، خلال الفترة التي كانت تقبع فيها دول شرق أوروبا تحت الحكم الشيوعي.

يفسر زئيفي الأمر بالحرية والديمقراطية السياسية في أوروبا الغربية، بما يوفر مساحة للنقد السياسي الموجه للسلطة، وبالتالي فلا حاجة للمواطنين في تلك الدول لاستخدام النكتة السياسية المتداولة، سرًا، بين مواطني الدول المحكومة بأنظمة شمولية.

تحليل زئيفي كان سابقًا على ظهور السوشيال ميديا، حيث السخرية من كل شيء بالكوميكس والميمز، في فضاء متحرر نسبيًا من قيود الواقع.

هنا، في هذا الفضاء، “حرية التعبير”، بنسبيتها وقبل خضوع المحتوى على هذه المنصات لمراقبة دقيقة من ملاكها، لم تولد نقدًا فعالًا للواقع يتشكل من خلاله مشروع ما يستطيع التعبير عن ذاته وموقفه، لكنها في المقابل ولدت موقفًا يقترب من حدود العدمية، يصل بالسخرية من السخرية نفسها، لينتهي للاشيء.

فرق آخر قد يكون أكثر جوهرية من حرية التعبير ربما لم يلحظه زئيفي، وهو مدى وضوح الوحش أو العدو في الحالتين. في حالة الأنظمة الشمولية يستطيع الإنسان بسهولة أكبر تحديد العدو/الوحش، فالفارق بين الحرية والقمع أكثر وضوحًا، والعقبة أمام الحرية المنشودة جلية، بما يمكن من توجيه النقد لها ولو بالسخرية المبطنة. لكن في الأنظمة الديمقراطية أو التي تتمتع بمساحات أكبر من الحرية، تأخذ المشاكل المعبرة عن الوحش/العدو، صورًا أكثر غموضًا ونسبية ربما، ما يجعل التعرف على العدو رفاهية ربما لا يستطيعها الجميع. رفاهية قد تستلزم بحثًا عميقًا، في حين أن الشخص العادي قد لا يسعه في موقف كهذا سوى الإعلان عن عجزه عن التعرف على الوحش بوصم كل شيء بالفساد، أو فتح نيران السخرية على كل شيء، كما الحال في عوالم الميمز.

تعمل السخرية هنا كأيديولوجيا تربط جزيئات المشهد المتناثرة ببعضها. لكن هذه المرة تنتهي الأيديولوجيا إلى أن مجموع الجزيئات تلك هو اللاشيء، وهو ما عبر عنه إيمانويل كانط في تعريفه للضحك، بأنه “انفعال ينشأ عن التوقع الشديد المصحوب بالتوتر الذي يفضي فجأة إلى لا شيء”.

جحا والمجانين.. أبطال عالم بلا أبطال

تمثل شخصية جحا ظاهرة تقترب من النكتة السياسية ذات النقد الاجتماعي الموجه. ظهرت شخصية جحا في تراث أكثر من 25 بلدًا مختلفًا، عربيًا وغير عربي، أحيانًا باسم جحا، وأحيانًا باسم ملا نصر الدين، وغيرهما من الأسماء.

دون تحديد للحظة البداية، ودون اتفاق حول ما إذا كان جحا أصلًا شخصية حقيقية أم لا؛ اتفقت السرديات على تحميل هذه الشخصية رمزية النقد الاجتماعي والسياسي في المخيلة الشعبية، وهكذا ظهرت نكات جحا، غير المباشرة بالضرورة، لتشير إلى مفسدة اجتماعية أو سياسية.

وإلى جانب شخصية جحا التي يرجح أنها خيالية، كان هناك نوع آخر من الظرفاء في التراث الشعبي المصري، لكنه شخصية حقيقية هذه المرة، بالأحرى شخصيات حقيقية، حيث في كل قرية مصرية تقريبًا نموذجٌ له: درويش أحيانًا، مجنون أحيانًا أخرى، أو مصاب باضطراب ذهني أو جسدي؛ تنويعات متعددة لشخصيات يجمعها عدم الانضباط الاجتماعي بالتقاليد والأعراف السائدة، والتفوه بكلام من خارج منظومة الكلام اليومي أو أحاديث الضرورة العملية.

يُجله الناس أحيانًا، ويستنجدون به أحيانًا، ويتندرون عليه أحيانًا أخرى أو يشفقون عليه. غير أن الرابط الموضوعي بين كل هذا أنهم يرونه من خارج عالمهم/منظومتهم. لا يرغبون في أن يكونوا مثله، لكنهم يستأنسون به، وفي حالات كثير يُحمّلونه رمزية ما قد لا يتمكنون من اتخاذه من مواقف أو التفوه به من كلام. ويتجلى دور هذه الشخصية في المثل الشعبي: “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”.

ويعج الأدب الإنساني بنماذج مختلفة لـ”الأحمق الحكيم  – wise fool”، كان المهرج فيها أو المخبول يتفوه دائمًا بالحكمة. ولعل أشهر النماذج روايتي “الأبله” لدستيوفسكي و”الرجل الضاحك” لفيكتور هوجو. وفي الأدب المعاصر هناك شخصية باتش فيس في رواية “أغنية الجليد والنار” لجورج مارتن، وشخصية لونا لوفجود في سلسلة هاري بوتر، والتي سيتضح للجميع في النهاية أنها ليست خرقاء، لكنها انطوائية فحسب. وهناك أيضًا شخصية جاستون بونبارت في رواية “الأحمق المدهش” للكاتب الياباني شوساكو إندو.

وفي الأدب العربي نجد في نهاية رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإيميل حبيبي، أن الرواية عبارة عن رسائل أرسلها شخص مجنون إلى الراوي، وكذلك اختار جبران خليل جبران الجنون كشخصية وعنوان للكتاب الذي سينقل فيه كل آرائه عن النفس البشرية وعلاقاتها مع العالم والخروج على التقاليد الإجتماعية.

السينما أيضًا ليست بعيدة عن تلك الأطروحة الإنسانية، فمشاهد المختل أو الدرويش الذي ينطق بالحكمة موجودة في مسلسلات وكلاسيكيات السينما المصرية مثل مسلسل “الشهد والدموع” وفيلم “رنة الخلخال” وغيرهما.

تعامل الوعي الشعبي دائما مع ذلك النوع من الخروج على العقلانية الإجتماعية في مساحة تتحرك ما بين الاستهزاء والإجلال. تلك العلاقة المتوترة أدت إلى إحاطة هذه الشخصيات بغموض كثيرًا ما أدى لترميزهم. وفي حالة خلو الخيال الشعبي من الرموز والأبطال، يخلو المجال أمام هؤلاء ليكونوا، ليس فقط رموزًأ تحمل بالقصص والأقاويل، لكن أيضًا رموزًا لخلو العالم مما عداهم.

بطولة الجوكر

“هل أبدو حقًا كشخص لديه خطة؟ هل تعرف ما أنا عليه؟ أنا كلب أطارد السيارات. لا أعلم ماذا يمكنني فعله إذا أمسكت بواحدة! أتعرف، أنا فقط أفعل أشياء”، الجوكر في فيلم “The Dark Night”.

تلك الحالة اليائسة من شخصية الجوكر الأمريكية، حظت مؤخرًا بشعبية جارفة تخطت شعبية البطل الأصلي، فظلت تتزحزح شخصية الجوكر من الهامش أو الدور المساعد، حتى انتهت مؤخرًا لأن تكون هي الشخصية البطل في فيلم “Joker” بلا وجود لباتمان بطل عالم باتمان الذي يفترض أن الجوكر خرج منه. ومن هوليود إلى “حالات الواتس“، كان الجوكر هو شخصية المراهقين المفضلة للنطق بالحكمة.

يوجه الجوكر دائمًا نقدًا لاذعًا للمجتمع والمؤسسات في قصص الكوميكس والأفلام، ولغدر الصحاب في حالات الواتس. وفي الحالتين يكون ذلك النقد من خلال تناقضات يبرزها بتلاعب ظريف باللغة، من نفس نوع التلاعب الموجود في النكتة.

لكنه كبهلوان لا يقدم أكثر من ذلك، ولا نعرف بالتحديد هل السبب هو العجز عن بلورة رؤية ما وراء التناقض، أم ميل لاتخاذ رد فعل فردي لا يرى أبعد من ذاته. لكن أيًا ما كان، يبدو أن ذلك قد لاقى إعجاب الكثير من المتابعين، سواءً في البلاد التي نشأ فيها الجوكر أو في غيرها.

الجوكر في الحضرة

تميزت كلمات الجوكر -سواء الأصلية أو كلماته في حالات الواتس- بعدم الثقة الدائمة في البشر والمجتمع، فوصفهم في “The Dark Night” بأنهم “يبدون جيدين ومتحضرين بقدر ما يسمح لهم العالم، لكنهم يأكلون بعضهم في الشدائد”.

يعلي الجوكر من قيم القوة والقهر، وقبل ذلك إظهارها والتفاخر بها، بالطبع مع تغليفها بمسحة ساخرة. خطاب يتماس مع خطاب المهرجانات المصرية فيما يخص العلاقات الاجتماعية، مع فارق أشبه الذي أشار إليه جورج أورويل في رواية “الحنين إلى كتالونيا”، بين الفاشية الألمانية التي تعمل بكفاءة عالية، والفاشية الإسبانية التي تؤجل بكسل كل شيء إلى “المانيانا” أو الغد بالإسبانية.

في أحد الأحياء الشبيهة بتلك المنتجة لمهرجانات غدر الصحاب، وهو حي الحضرة بالإسكندرية، ظهر عادل شكل، “الزعامة”، كمهرج على فيسبوك ويوتيوب، بعد اشتهاره ككبير مشجعي نادي الاتحاد السكندري.

بلا وجود تاريخ محدد لظهوره كـ”زعيم” كما يقدم نفسه، وبدون اتجاه معين للمحتوى الساخر الذي يقدمه، فكل فيديو له هو رسالة قائمة بذاتها لا يربطها بغيرها من الفيديوهات شيء.

يتزامن ظهور عادل شكل أيضًا مع موت السرديات الكبرى في المجال العام المصري، وفي وقت خلا من الرموز والأبطال، وشهد في سنوات قليلة سقوط العديد منهم. بالتدريج حلّ عادل شكل ضيفًا يوميًا على الصفحة الرئيسية لفيسبوك لدى كثير من الشباب المصري. كما أنهى، كجحا، حلّ كميم مُحمّل بالمعاني والمواقف المضحكة المختلفة التي تبرز تناقضات الواقع.

انتشرت ميمز عادل شكر انتشارًا فيروسي. لا تمس شخصية عادل شكل بالضرورة، لكنها تستخدمه كصورة حاملة للمعنى والقيمة. هكذا مثل عادل شكل ضحكة سخرية كبيرة ومتجاوزة، تلقفها الشباب وتبنوها، ليعبروا بها عن هواجسهم بسخرية النقد، أو سخرية العدم.

في هذا الجو الممتلئ باليأس الضاحك، صارت البهلوانية الحالة الأمثل للتعبير، فانتشرت برامج السخرية السياسية في كل الاتجاهات تقريبًا، وأصبح الساخر هو المثقف الجديد الذي يربط أحداث الأسبوع ببعضها في مشهد شبه مكتمل، استنادًا إلى أيديولوجيا السخرية التي لا تقدم شيئًا خارج نفسها.

محمد فوزي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى