أين اختفت إصدارات داعش الهوليودية؟

عبدالغني مزوز

باحث مغربي

يلاحظ المتابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أن هناك تراجعا ملحوظا في أداء منظومته الدعائية، حيث اختفت المجلات التي كان يصدرها دوريا بعدة لغات مثل “دابق” و”رومية” و”دار الإسلام”، كما توقفت عن الصدور سلاسل أفلام الرعب الشهيرة مثل “صليل الصوارم” و”لهيب الحرب” وغيرها. إضافة إلى اختفاء الأفلام التي ثبتها اللجان الإعلامية التابعة “لولايات” العراق وسوريا، ففي ذروة اندفاع التنظيم وتوسعه وتصاعد زخم عملياته عهد إلى كل ولاية من ولايات العراق وسوريا بمهمة إنتاج ونشر إصداراتها المرئية الخاصة. هذا التدهور الذي أصاب الجهاز الإعلامي لتنظيم داعش راجع في حقيقة الأمر إلى ثلاثة عوامل رئيسة وهي: التحول إلى العمل الأمني بعد الهزائم العسكرية للتنظيم، تصفية الكفاءات والكوادر الإعلامية للتنظيم، الصراع “داخل ديوان الإعلام المركزي”.

من الطبيعي أن ينعكس الوهن الذي أصاب تنظيم داعش جراء دحره عسكريا في كل معاقله على قدراته الإعلامية، فالعمل في ظل السيطرة على المدن والقرى والتمركز في المقرات والمعسكرات ليس كالعمل في أجواء تسودها إكراهات العمل الأمني، وما يفرضه ذلك من توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والانتباه إلى كل لقطة يمكن بثها في الإعلام حتى لا تكون سببا في كشف القواعد السرية والبيوت الآمنة. فالتنظيم يتبنى بشكل شبه يومي عمليات أمنية تستهدف القوات الكردية وقوات النظام السورية والقوات العراقية، لكنه لا يستطيع إخراجها على شكل إصدارات وأفلام مرئية.

إلى جانب ظروف العمل الأمني التي بات تنظيم الدولة خاضعا لها، فإن لمقتل كوادر ديوان الإعلام دور أساسي أيضا في تراجع إعلام التنظيم. فقد قتل أبي محمد فرقان الذي كان بمثابة المهندس الذي شيد صرح الدعاية الداعشية، حيث أوكلت إليه قيادة التنظيم تدبير ملف الإعلام وإدارة “ديوان الإعلام المركزي” وهو الرجل الذي اكتشف المواهب الإعلامية المميزة التي انطوت عليها شخصية أحمد أبو سمرة المعروف بـ”أبي ميسرة الشامي” ويعتبر هذا الأخير أبرز الكوادر الإعلامية داخل تنظيم الدولة والمكلف بإدارة قسم اللغات الأجنبية في “ديوان الإعلام” نظرا لإلمامه باللغات الأجنبية وعلوم الحاسوب، وتُظهر السيرة الذاتية المنشورة لأبي ميسرة أنه كان خريج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وبمقتل الفرقان وأبي ميسرة يكون تنظيم داعش قد خسر أهم شخصياته الإعلامية المؤثرة.

لقد زج التنظيم بمعظم كوادره وكفاءاته في معارك الموصل والرقة ودير الزور وغيرها، أرسلهم إلى الخطوط الأمامية كانتحاريين أو انغماسيين، وقد أظهر الإصدار المرئي الذي بثه التنظيم أثناء معارك الموصل بعنوان “فرسان الدواوين” جانبا من هذا الاستراتيجية الغريبة. مقتل الكوادر الإعلامية المؤهلة دائما ما يكون له تأثير سلبي على الجماعات المسلحة، تجلى هذا في مقتل “عزام الأمريكي” في حالة تنظيم القاعدة، ومقتل مدير ومؤسس “مؤسسة الأندلس” بالنسبة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ومقتل “سمير خان” مؤسس مجلة انسباير بالنسبة لقاعدة اليمن، ولا يخفى أن معظم هذه الشخصيات تلقت تعليمها في معاهد وجامعات الغرب.

أما العامل الأخير الذي ساهم في تعميق أزمة البروباغندا الداعشية فهو حصول خلاف ونزاع شديد داخل “ديوان الإعلام المركزي”، حيث انقسم العاملون في الديوان إلى فريقين، فريق يؤيد أبا حكيم الأردني، وهو الرجل الذي تولى منصب أمير الديوان بعد مقتل الفرقان، وفريق يؤيد “مشايخ” مكتب البحوث والدراسات في مطالبتهم بإخضاع الإعلام لرقابتهم الشرعية.

ويعتبر هذا الخلاف امتدادا للصراع بين التيارات المنهجية داخل تنظيم داعش. هذا الخلاف الذي استشرى داخل “ديوان الإعلام المركزي” نتج عنه تعليق عشرات الكوادر لعملهم وانشقاق آخرين، وتوقف مواد إعلامية عن الصدور بسبب عدم التوافق حول الصيغة التي ينبغي أن تخرج بها. خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواد تحتوي نصوصا أو تعليقات مرتبطة بمسائل الكفر والإيمان وهي المسائل التي أثارت الجدل داخل التنظيم. لقد دخل إعلام التنظيم في دوامة من الخلافات والنزاعات الحادة التي أسفرت حتى الآن عن اختفاء مؤسسات إعلامية رسمية وظهور أخرى موازية ومنافسة تابعة للمنشقين. تماما مثلما حصل لـ”مركز الفجر للإعلام” الدراع الإعلامية للقاعدة عندما اختفى على وقع الخلاف الحاد بين كوادره بين مؤيد للظواهري ومؤيد للبغدادي. لكن اللافت أن “مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي” لم يحصل لها ما حصل للمؤسسات الإعلامية الأخرى التابعة لتنظيم الدولة، لأن قادة التنظيم يعتبرون مؤسسة الفرقان مؤسسة “سيادية”. إنها المسؤولة حصرا عن بث خطابات أمراء التنظيم، ولا يمكن أن يعهدوا بإدارتها إلا إلى من لا يشكون في ولائه المطلق لهم، ولاء لا بد أن يرتفع بالضرورة عن كل الاعتبارات الأخرى، وإن كانت عقدية ومنهجية.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search