أيهما أشد فتكًا.. الإرهاب أم كورونا؟

د. إبراهيم نجم

مستشار مفتي الجمهورية

يواجه العالم الآن خطرًا داهمًا وجائحة خطيرة هي فيروس (كوفيد 19) المعروف بكورونا، ومن الواضح أن أجهزة الدول كلها مستنفرة لأجل مواجهة هذا البلاء الكبير. ونتيجة لفرض حظر التجول في أغلب دول العالم، وربما لأسباب أخلاقية، تراجعت معدلات الجرائم الجنائية، وجمدت العصابات المشهورة نشاطها. ويبدو أن هذه الأزمة قد أكسبت معتادي الإجرام شيئًا من الرحمة والشفقة على المجتمعات التي يعيشون فيها؛ لكن الجماعات الإرهابية -وعلى رأسها داعش، والإخوان، وغيرهما من الجماعات- لم نَرَ منها عبر تاريخها الملطخ بالدماء مسكة من خلق، أو بقية من دين، أو أثرًا من رحمة. فعلى الرغم من الظروف القاسية التي تمر بها مصر والشعب المصري؛ إذ بهؤلاء المجرمين الدواعش الذين اعتادوا الإرهاب والإجرام والخسة، وجعلوا منه منهجًا وعقيدة، قد أعدوا العدة واتخذوا من أحد الأوكار الإرهابية بمنطقة الأميرية نقطة انطلاق يحققون منها أغراضهم الخبيثة حتى يزيدوا من هموم الشعب المصري، ويُضاعفوا أوجاعه، ويعمقوا من جراحه وآلامه. وأيًّا ما كانت وجهة هذه الضربة، إلى كنيسة أو إلى مسجد، إلى مسلم أو إلى مسيحي؛ فالجرح واحد، والألم واحد، والدم واحد. فلقد تجاوز الشعب المصري فكرة المسيحي والمسلم، وأكسبتنا الأحداث قوة في اللحمة الوطنية، فلم نعد نفرق بين دم مسلم أو مسيحي. وأيًّا ما تكون هذه الجماعة، وأيًّا ما كان اسمها، فكل الجماعات الإرهابية خرجت من تحت عباءة الإخوان الإرهابية، وتاريخها الإجرامي الكبير موغل في الإجرام والوحشية. فـ”حسن البنا” هو من أخرج إلينا أفكار أستاذية العالم، وضرورة استعادة الخلافة والتمكين للجماعة، وأن جماعته (جماعة الإخوان) هي الممثل الوحيد للإسلام، وأنه على استعداد كامل لغزو العالم كله بثلاثمائة ألف من الإخوان، وأنشأ التنظيم السري أو الجهاز الخاص المسلح لهذا الغرض. ثم جاء “سيد قطب” وصرح بما كان خافيًا، وجهر بما كان سرًّا، فأسس للنظريات الهدامة التي تعتمدها جماعات الإرهاب على مستوى العالم بلا استثناء كجاهلية المجتمع، والحاكمية، والتمكين، والعزلة، والسرية، والحركية، والتقية. أفكار “سيد قطب” أضحت في مجموعها منهجًا حركيًّا للإخوان وما تفرع عنها من: التنظيم السري، والتكفير والهجرة، والجهاد، والجماعة الإسلامية، والناجون من النار، وطلائع الفتح، وأنصار بيت المقدس، وأحرار الشام، والقاعدة، والسلفية الجهادية، وداعش.. إلى آخر تلك القائمة السوداء التي يزداد ظلمها وبغيها وتعطشها للدماء يومًا بعد يوم. وآخر شيء تعترف به تلك الجماعات القطبية حرمة الدماء الإنسانية. ولأن مصر عزيزة على الله تعالى، ولأن الله تعالى يعلم أن هذه الفئة فئة باغية طاغية لا تعرف شيئًا عن الإسلام، ولا علاقة لها بأي دين من الأديان؛ وقعت هذه الخلية ولقي أفرادها مصرعهم بعد معركة دامية طويلة مع الشرطة المصرية ورجال الأمن الوطني الشجعان، واستشهد ابن مصر البار البطل المقدم “محمد فوزي الحوفي”. وقد عكست هذه الواقعة قوة مصر كدولة قادرة على مواجهة هذه التنظيمات الخسيسة في ظروف استثنائية، فأذرع مصر الأمنية ودروعها الواقية الحصينة؛ أثبتت في كل الظروف والمواجهات مع الإرهاب، قوةً وبسالةً وتخطيطًا بشكل علمي متقن ومدروس، مع روح قتالية عالية يحدوها حب الوطن والاستعداد الكامل للتضحية في سبيل أمنه وسلامته بالروح والدم. ولأن الضربة كانت موجعة لجماعة الإخوان وسادتهم من الأجهزة المحركة، فقد عمدوا كعادتهم وعبر قنواتهم إلى الادعاء بأن القتلى أبرياء عزل، وأن الشرطة المصرية قد اعتدت عليهم. وعلى الرغم من سخافة وضحالة هذا الادعاء؛ إلا أنه يؤكد حقيقةَ أن جماعة الإخوان وأجهزتها الإعلامية قد أصبحت مسلوبة الإرادة أسيرة لهذه الأجهزة الاستخباراتية، لا تملك لنفسها قرارًا. فلو راجعنا تاريخ جماعة الإخوان في حقبة ما بعد حكم الرئيس “جمال عبدالناصر”، وبعد تصفية الجهاز السري، والخروج من المعتقلات؛ فسنجد أن جماعة الإخوان تظاهرت بأنها جماعة وطنية سياسية سلمية. وعلى الرغم من مساندتها للتنظيمات الإرهابية بالدعم والتمويل والدفاع القانوني؛ إلا أنها لم تكن تنكر وجود الإرهاب ولا التنظيمات الإرهابية المسلحة، وكانت تدعي أنها ضد هذه الجماعات المسلحة، وذلك لكي تُبقي على مساحة للتصالح مع النظام الحاكم، والاستفادة من المساحات الدستورية المتاحة لها، كالأحزاب والنقابات والاتحادات. والآن بعد أن سُلبت إرادة التنظيم تمامًا، وبعد أن باع قادته أوطانهم وأصبحوا عبيدًا لمن يُطعمهم ويملي عليهم الأوامر؛ لم يكتفوا بقيادة التنظيمات الإرهابية وتمويلها والتخطيط لها، بل تجاوزوا هذا إلى إنكار وجود إرهاب في مصر، لا في سيناء ولا في القاهرة ولا في أي مكان. فحينما كان الاعتراف بوجود الإرهاب يمثل لهم مصلحة، وهي الظهور بمظهر الجماعة السلمية السياسية، كانوا يعترفون بالإرهاب، ويتظاهرون بالبراءة منه. ولما اختاروا تصفية وجودهم في مصر كتنظيم وجماعة، ادعوا أن الإرهاب من صنع النظام. ولا شك أن التنظيمات الإرهابية في مصر، وعلى رأسها الإخوان، تلفظ أنفاسها الأخيرة. ولا شك في سيطرة الدولة المصرية بقيادة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” على مجريات الأمور. وبطبيعة الحال فإن الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش المصري في معركته مع الإرهاب قد تخلف بعض الجرذان الهاربة هنا أو هناك، لكن مصيرهم المحتوم هو ما شهدناه في معركة الأميرية. رحم الله شهداء مصر من الجيش والشرطة، وحفظ الله مصر وشعبها، ووفق قائدها الرئيس “عبدالفتاح السيسي”، ونصره نصرًا مؤزرًا مبينًا.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram