دراسات وتحليلات

أي تأثيرات لمشروع “الشام الجديد” على النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

مع استضافة بغداد القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي”، ورئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي”، مع الملك الأردني “عبدالله الثاني”، في 27 يونيو 2021، فقد تم التطرق إلى “مشروع الشام الجديد”، وهو التعبير الذي كان قد أطلقه الكاظمي لأول مرة خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس 2020، موضحًا حينها لصحيفة “واشنطن بوست”، أنه مشروع اقتصادي على النسق الأوروبي، يجمع القاهرة ببغداد، وانضمت إليه عمّان، لتكوين تكتل إقليمي قادر على مواجهة التحديات.

ويقوم المشروع على أساس التفاهمات والمصالح الاقتصادية في المقام الأول بين العراق ومصر والأردن، بالاعتماد على الكتلة البشرية الضخمة لمصر، مقابل الثروة النفطية الكبيرة التي يمتلكها العراق، وتنضم لهما الأردن بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط العراق بمصر.

خريطة دول مشروع الشام الجديد
خريطة دول مشروع الشام الجديد

بل من المُرجح أن يكون “الشام الجديد” نواة لتكتل أوسع، قد يضم قريبًا دول عربية أخرى، مما يثير تساؤلات إن كان المشروع يستهدف في مضمونه مواجهة نفوذ إيران، لا سيّما على الساحة العراقية، وذلك في ضوء التأثير السلبي الذي يطال إيران جرّاء تنفيذ المشروعات المتضمَنة في المشروع بين الدول الثلاث (العراق ومصر والأردن).

مشروع “الشام الجديد” ومواجهة نفوذ إيران

بالرغم من أن المشروع العراقي بالأساس، هدفه تحقيق مصالح اقتصادية للدول الثلاث الرئيسية المشاركة فيه، لكنه مع ذلك يمثل جدارًا عربيًا مضادًا لوقف التمدد الإيراني داخل بلاد الرافدين، بعد أن صارت ساحة لتصفية الخلافات الإقليمية؛ فالمشروع الذي طُرح منذ سنوات وصار الآن واقعًا ملموسًا، يؤكد عودة العراق إلى الحاضنة العربية، ويمثل فرصة كبرى لتشكيل محور جديد معتدل لأجل إعادة الاستقرار والهدوء للمنطقة، ولا سيّما أن الدول الثلاث المشاركة فيه، تسعى لكي يكون “الشام الجديد” نواة لاتحاد عربي أكثر توسعًا في المستقبل، بعيدًا عن القوى التي باتت تُصدِّر الأزمات إلى المنطقة.

كما أن المشروع هو تأكيد لهدف العراق، المتمثل في القيام بدور محوري في المحيط العربي، وذلك عبر بلورة مظلة تعاون عربية ممتدة، وضعًا في الاعتبار أن قمة العراق مع كل من مصر والأردن، والتي أُعلن من خلالها المشروع، شملت أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ أكثر من 30 عامًا، بما يعنيه ذلك من تعزيز العلاقات العراقية العربية، وبما يؤثر بالتبعية على النفوذ الواسع الذي نجحت إيران في إرسائه على الساحة العراقية منذ سقوط النظام البعثي، حيث تسعى بغداد من القمة الثلاثية إلى تثبيت سياسة العراق الخارجية فيما يرتبط بالمحيط والمنظومة العربية.

ويُشار كذلك إلى دور القمة الثلاثية، وما يتضمنه المشروع من العمل على تحصين البوابة الشرقية للمنطقة العربية، بتدشين ما يشبه آلية استجابة مرنة، وغير تصادمية، تعمل على معالجة وتخفيف وقع تهديدات الأمن القومي العربي في أضعف جبهاته الشرقية، من خلال تبادل الخبرات الأمنية والعسكرية، ووقف انتهاك سيادة العراق بسبب التدخلات الإيرانية، التي قضمت أجزاء من أراضي العراق لتأمين خطوط إمداداتها للميليشيات المسلحة الموالية لها في المنطقة.

مصر والأردن والعراق

تأثر إيران بمحاور التعاون الرئيسية في المشروع

مع تركيز إيران على إحكام نفوذها على الساحة العراقية، فقد ارتبطت مع بغداد بعدد من الاتفاقيات الثنائية، التي مكّنتها من تحقيق منافع اقتصادية واسعة في قطاعات الطاقة والتجارة، إلى جانب عملها على استغلال الجغرافيا العراقية للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا ولبنان، وذلك ما منح إيران حرية الحركة في العراق، وخصوصًا مع دعمها لتكتل كبير من الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة العراقية، المرتبطة بصورة وأخرى بدوائر صنع القرار الأمني والسياسي في إيران.

ولكن على الجهة الأخرى، فإن محاور التعاون التي يحملها “مشروع الشام الجديد” لها تأثيرها على هذا الدور الذي كانت إيران قد نجحت في إرساءه على الساحة العراقية، بالنظر إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. التأثير في مشروع إيران الإقليمي للوصول إلى البحر المتوسط:

يمكن اعتبار أن قمة بغداد سباق مع الزمن من أجل تطبيق فصول مشروع “الشام الجديد” على أرض الواقع، قبل تفعيل مشروع إقليمي إيراني مشابه في المنطقة العربية، ينطلق من طهران ويمر بمحافظات العراق الشرقية والغربية قبل الوصول إلى مدن سورية مفتوحة بأجوائها البرية والبحرية على لبنان، ويغلق طرق الوصول إلى مدن عربية أخرى.

ذلك أن طموح الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط مثّل غاية استراتيجية كبرى لإيران، ولهذا فإنه في حال نجاح مشروع “الشام الجديد”، قد تكون له تداعيات كبيرة على هذا المسعى، خصوصًا أن إيران تضغط اليوم كثيرًا على الجانب العراقي، من أجل إكمال مشروع السكة الحديدية التي تربط ميناء “الإمام الخميني” الواقع على الجانب الإيراني من مياه الخليج العربي، مع ميناء اللاذقية السوري في البحر الأبيض المتوسط، وذلك عبر ربط مدينتي شلامجة الإيرانية والبصرة العراقية بطول 32 كيلومترًا، بما يُحقِّق في النهاية ربط الحدود الإيرانية بالعراقية والسورية، عبر علاقات تجارية واقتصادية وأمنية.

وتطمح إيران أن يشمل الربط السككي بينها وبين العراق، مدن مثل : حلب والموصل، وأن يُشكِّل انطلاقة كبيرة نحو دول شمال إفريقيا وأوروبا، فضلًا عن كونه ممرًا مُؤمَّنًا تنقل من خلاله الأسلحة إلى “حزب الله” اللبناني، وطريقًا تجاريًا بعيدًا عن المضايقات الأمريكية في مياه الخليج العربي، وكذلك ليلعب دورًا مهمًا في ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا، بعيدًا عن أي استحقاقات مستقبلية تجرى هناك، إلى جانب سهولة الوصول إلى الأماكن الشيعية المقدسة، وتلك التي أنشأتها في دير الزور والموصل وشمال افريقيا.

  1. خلق ممر بديل لمضيق “هرمز” لنقل النفط والغاز:

مشروع “الشام الجديد”من شأنه كذلك أن يخلق ممرًا بديلًا لنقل النفط والغاز من الشام والخليج إلى أوروبا بعيدًا عن مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة العالم من الطاقة. ودائمًا ما تستخدم إيران المضيق لابتزاز الولايات المتحدة من خلال التهديد بإغلاقه حال منعت واشنطن مرور النفط الإيراني عبره، وقد تورّط الحرس الثوري الإيراني في العديد من حوادث استهداف السفن وتهديد حركة الملاحة بالمضيق خلال العام الماضي (2020) في إطار التصعيد مع الولايات المتحدة.

مصر والقبرص واليونان
زعماء مصر وقبرص واليونان

حيث يقوم المشروع على استنساخ نموذج جديد من التحالف المصري القبرصي اليوناني، الذي بات يعمل كمنصة لنقل الطاقة لأوروبا؛ ولكن هذه المرة في المسرح البري، من خلال تحالف ثلاثي يعمل على نقل النفط العراقي برًا ليصل إلى أوروبا من خلال البوابة المصرية، مما يُفقِد أوراق إيران التهديدية فيما يرتبط بمضيق هرمز، وخصوصٍا بعد تزايد حدة الاشتباك الإيراني-الإسرائيلي في المضيق وما حوله، في خليج عدن وبحر العرب.

ويتعزّز هذا الممر البديل في حالة انضمام دول الخليج إليه، وبالأخص المملكة العربية السعودية، حيث سيمر النفط الخليجي عبره، بدلًا عن الممر التقليدي؛ خليج عقبة مرورًا بخليج عُمان ومضيق هرمز وباب المندب فالبحر الأحمر وقناة السويس ومنها إلى أوروبا. ولذلك يسعى العراق إلى ضم السعودية إلى التحالف الثلاثي، ومن المُتوقع أن يكون ذلك أحد المواضيع المطروحة على جدول المباحثات بين البلدين خلال الزيارة المقررة للكاظمي إلى المملكة السعودية في وقت لاحق من هذا العام.

  1. التأثير في صادرات الكهرباء وعلاقات إيران الاقتصادية مع العراق:

إلى جانب التأثير الأمني والاستراتيجي، لا يغفل التأثير الاقتصادي الكبير لتعاون العراق مع كل من مصر والأردن، على علاقاتها التجارية مع إيران، إذا ما تم النظر إلى مستوى التبادل التجاري بينهما الذى يراوح حاجز الـ 13 مليار دولار، تُمثِّل فيها صادرات النفط والغاز والكهرباء غالبية القيمة المالية، وإذا ما هُيئت الظروف للربط الكهربائي بين مصر والعراق فإن ذلك من شأنه تخفيف الاعتماد العراقي تدريجيًا على إيران، والتي تحصل منها على نحو 3 آلاف جيجاوات يوميًا، ويعني ذلك أن تخسر إيران نحو 2 مليار دولار سنويًا من صادرات الكهرباء للعراق، وغيرها من صادرات المنتجات المتنوعة، إلى جانب تقليل التبادل التجاري معها، والذي كان قد مكّن طهران من التغلب على العقوبات الأمريكية.

ويزداد الأثر في حال نجاح مساعي العراق والأردن إلى ضم السعودية للمشاريع الاقتصادية المستقبلية طويلة المدى التي تتعلق بالتكامل الكهربائي معها، مع تطلع الكاظمي لربط دول مشروع “الشام الجديد” بشبكة الكهرباء الخليجية، مدعومًا في ذلك من الولايات المتحدة، والتي تتبني استراتيجية سياسية تستهدف دمج العراق بالخليج عبر بوابة التعاون الاستثماري في مجال الطاقة، باعتبارها خطوة أولى تهدف لتقليل اعتماد بغداد على الطاقة الإيرانية، ودفعها للاستيراد من دول الخليج.

الكاظمي والمرشد الإيراني
الكاظمي والمرشد الإيراني

ويتفق ذلك مع الاتفاقية التي تعد الأولى من نوعها، والتي وقّعها العراق مؤخرًا مع دول مجلس التعاون الخليجي، لتزويد المناطق الجنوبية بنحو 500 ميجاوات، عبر خط النقل بطول 300 كيلومتر، يبدأ من الكويت إلى ميناء “الفاو” في جنوب العراق. وذلك توازيًا مع إعلان السعودية بدء محادثات حول استثمارات في مشروع حقل “أرطاوي” الغازي العراقي بقيمة 2.2 مليار دولار، لإعادة توجيه الكميات الكبيرة من الغاز الطبيعي المهدور نحو توليد الطاقة.

ويُشار إلى أن واشنطن كانت قد منحت العراق، في 31 مارس الماضي (2021)، إعفاء استثنائيا مدته 120 يومًا، لأسباب إنسانية، كي يُسدِّد مقابل واردات كهرباء من إيران، وذلك لأجل تشغيل محطات الطاقة الكهربائية بالدولة، على أن يُقلِّص من اعتماده على إمدادات الطاقة القادمة من طهران خلال تلك الفترة.

والجدير بالذكر أن طهران تؤمّن نحو 40% من الطاقة الكهربائية التي يحصل عليها العراق، وتمثل 80% من الصادرات الإيرانية، ويسعى رئيس الوزراء العراقي، وبدعم من واشنطن، إلى تغيير هذا الوضع، وخصوصًا أن الميزان التجاري للعراق مع إيران يميل لصالح الأخيرة بنسبة 90%، باستحواذها على سوق المواد الغذائية ومواد البناء في العراق.

وفي ضوء ما سبق، تنظر إيران بخشية كبيرة من أن نجاح مشروع “الشام الجديد” سيؤدي على الأرجح إلى سحب إحدى ركائز مشروعها الإستراتيجي في الشرق الأوسط، وهو العراق، وذلك ما يؤدي إلى فجوة كبيرة في استراتيجيتها الإقليمية، قد تنعكس سلبًا على أدوارها في سوريا ولبنان.

لذلك تستمر المخاوف من أن تعمد إيران إلى إفشال المشروع، سواء باستمرار تسليح “الحشد الشعبي”، أو استهداف القواعد الأمريكية لزعزعة الأمن في العراق؛ فإيران تنظر للعراق كركيزة حيوية في استراتيجيتها الإقليمية، ولن تسمح بضياع هذه الركيزة تحت أي ظرف سياسي، ما يقتضي التنبه له والتحوط له من الآن، من قِبل بغداد وكبريات العواصم العربية.

اقرأ أيضًا: حوار | الشمري: “الشام الجديد” يوحد جهود أزمات المياه ويوقف التدخلات الأجنبية

د. إيمان أحمد عبد الحليم

محرر سياسي بالمركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة – 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى