دراسات وتحليلات

أي مستقبل لجماعة الإخوان بعد ثمانية أعوام من غيابها السياسي والاجتماعي؟

كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟ (5)

في ظل تاريخ قارب على القرن تقريبا، واجهت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة كبيرة من الأزمات؛ بداية من الأزمة التي واجهتها قبيل وأثناء اغتيال مؤسسها، حسن البنا، مرورا بمعاركها الشهيرة مع النظام الناصري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وصداماتها مع نظامي السادات ومبارك، حتى معركتها الأخيرة والأهم في النظام السياسي الحالي.

في معاركها السابقة كانت الجماعة لديها القدرة على تجاوز الضربات التي تلقتها، وامتلك جسدها التنظيمي المهارات الكافية كي تعيد بناء نفسها من جديد، ولكن هل تختلف عاصفة اليوم عن عواصف الجماعة السابقة؟ وكيف يمكن لنا استشراف مستقبلها أو الحديث عن “ما بعد الإخوان المسلمين”؟ وما هي الحيثيات التي نستند إليها في كل سيناريو نفترضه؟

يمكن القول أن الواقع الراهن لجماعة الإخوان هو جزء متمم لمتتالية نشأتها وتاريخها الحديث بكل دقة، فقد حدث تحول جوهري في مسارها الأصلي حوّلها عن طريقها الرئيسي، وجعلها تعاني من صراع بين تياري الإسلاموية وما بعدها طيلة تاريخها حتى وقعت في أسر إسلاموية جامدة عنيفة في العقد الأول من هذا القرن، ومن ثَمَّ فإن حاضرها ومستقبلها مرتبط بمدى قدرتها على العودة لمسارها الأصلي، والاهتداء إلى طريقها الدعوي التربوي الذي بدأت به في عشريتها الأولى، وهو الأمر الذي يمكن -في نظر بعض المهتمين بالحالة الإسلامية في إطارها العام- أن يخلقها خلقًا جديدًا، فتترك سبيل الانحراف الذي وقعت في قبضته تدريجيًا منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي وبلغ ذروته مرتين: الأولى في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، والثانية في مرحلة ما بعد ثورة يناير وتولي الجماعة حكم مصر.

مظاهرات الإخوان
مظاهرات الإخوان

في ضوء ذلك فإن مستقبل جماعة الإخوان ( مع الملاحظة أن المطروح هنا هو قراءة افتراضية واستشرافية لما قد يفكر فيه العقل الاستراتيجي الداخلي للجماعة) سيعتمد على عوامل هيكلية، بدايةً من التماسك الداخلي للجماعة، ومدى استعدادها للانخراط في عملية إعادة نظر شاملة لأيديولوجيتها وتنظيمها، ومدى قدرة تيار جديد داخل الجماعة أو من خارجها أن يظهر حاملًا مشروعًا مُغايرًا متكاملًا لما بعد الإسلاموية يسهُل تبنيه من المجتمع.

وفي ضوء ذلك، نجد أن الجماعة أمام عدة سيناريوهات:

السيناريو الأول: الانشقاق أو الانقسام

يقوم هذا السيناريو على افتراض حدوث انشقاق داخل الجماعة يؤدي لخروج مجموعة محدودة من الجماعة لتتبنى فكرة التخصص من خلال: العمل الدعوي، أو العمل الحزبي، بينما يتجه البعض الثالث إلى العنف، ونتناول فيما يلي كل مسار وحظه من التحقق.

  1. مسار الجمعية الدعوية:

يفترض هذا المسار خروج مجموعة معتبرة في الجماعة من حيث قيمتهم المعنوية ومناصبهم القيادية ومعهم بعض أعضاء الجماعة، دون أن يمثلوا نسبة كبيرة أو حاكمة في جسد الجماعة الرئيسي، وذلك بغرض تكوين حزب سياسي أو جماعة دعوية جديدة.

وهو سيناريو ضعيف التحقق، فقد تعرّضت الجماعة لهذا السيناريو من قبل في فترة الحكم الملكي على يد “جماعة أنصار السنة المحمدية” ([1])، ومحاولة “أحمد السكري” إنشاء جمعية الإخوان المجاهدون الأحرار، وفكرة “محمود عبد الحليم” عند إعادة بناء الجماعة في السبعينيات بالتخلي تمامًا عن البناء القديم، ليأخذ النشاط وجهة ثقافية وفكرية بعيدًا عن التنظيمات السرية والعمل السياسي المباشر ([2])، وكذلك محاولة “السيد عبد الستار المليجي” لإنشاء “جمعية الإخوان المسلمين للتنمية البشرية وخدمة المجتمع” عام 2008. ([3])

أحمد السكري
أحمد السكري

لكن كافة المحاولات السابقة باءت بالفشل، فالجماعة قامت على فكرة الولاء المطلق النابع من الإيمان بفكرة مقدسة يُثاب عليها المرء ويُجاهد في سبيلها بكل جوارحه وإمكاناته، فإن تم الاستغناء عن الجانب السياسي في الفكرة سقطت بالكلية وصارت غير إسلامية؛ خاصةً في ظل القيادة الحالية للجماعة التي تدير الجماعة كحزب سياسي، وتتعامل مع أعضائها كدعوة دينية.

وتوجد، أخيرًا، محاولة حديثة لمجموعة من شباب الإخوان في السجون تحاول تدشين مشروع فكري تجديدي متكامل للمنطلقات الفكرية التأسيسية للجماعة، ومراجعة الفكرة الرئيسية التي سيطرت على الإخوان والمتمثلة في أن التراجع السياسي هو سر تأخر العرب والمسلمين، بينما أن الصحيح من وجهة نظرها أن الأمة تراجعت حضاريًا لا سياسيًا فقط، ومن ثَمَّ يجب أن يركز التغيير على كل مناحي حياة الأمة وليس السياسة فقط، وهو ما يستدعي التخلي عن فكرة الخلافة والخلط بين الدين والتنظيم، واعتبار المجتمع هو المظلة الكبيرة للعمل وليس التنظيم، بجانب التخلي عن صيغة التنظيم الشمولي، وتكوين تيار فكري جماهيري يؤمن به ويحمله، وهي رؤية تحتاج -بكل تأكيد- إلى وقت لاكتشاف قدرتها على التحقق. ([4])

  1. مسار الحزب السياسي:

وهذا السيناريو تم تجربته من خلال محاولات كثيرة طوال تاريخ الجماعة، منها محاولة مجموعة “فتحي العسال” إنشاء “الحزب الجمهوري” أيام النظام الناصري ([5])، ثم خروج مجموعة كبيرة من جيل الوسط بقيادة “أبو العلا ماضي” تبنت مشروع “حزب الوسط” تعبيرًا عن رغبة هذا الجيل في الاندماج في الحياة السياسية. ([6])

وهناك أيضًا مجموعات الأحزاب التي انشقت عن الإخوان بعد ثورة يناير، مثل: تجربة حزب “التيار المصري” وعبد المنعم أبو الفتوح في تجربة “حزب مصر القوية”، ولم تفلح أي منهما في اجتذاب سوى عدد قليل من أعضاء التنظيم الفعليين، فقامت على الخارجين عليه وهم قلة، بجانب بعض المتعاطفين مع تجربة الإسلام السياسي والمؤمنين بفكرة المشروع الحضاري الإسلامي والمتوجسين خيفة من الإخوان، ومجموعات أخرى ما بعد إسلاموية،  لكن جميعها فشلت وبقي تأثيرها هامشيًا. ([7])

اقرأ أيضًا: الحالة الجهادية السائلة في مصر: من مركزية التنظيم إلى سطوة الأيديولوجيا

لذلك ففكرة الاكتفاء بالعمل الحزبي مثلها مثل الاكتفاء بالعمل الدعوي تعني ضربًا للتنظيم في مقتل، كما أنها تتعارض مع وظائف الجماعة الدعوية والتربوية والجهادية، ولذلك تعارضها قيادة الجماعة بشدة وتُروِّج لتساقط أصحابها على طريق الدعوة بين عموم أعضاء الجماعة، فالجماعة قامت على فكرة الولاء المطلق النابع من الإيمان بفكرة مقدسة يُثاب عليها المرء، ويُجاهد في سبيلها بكل جوارحه وإمكاناته، فإن تم الاستغناء عن الجانب الدعوي في الفكرة سقطت بالكلية في براثن العمل السياسي غير المقدس، ومن ثَمَّ ستسقط كل المضامين التي قامت عليها.

  1. مسار العنف:

وهو سيناريو تكرر كثيرًا في حياة الجماعة، بدايةً من محاولة “عبد الرحمن السندي” تكوين تنظيم إسلامي إرهابي عالمي ([8])، ثم الانشقاق الفكري والتنظيمي لعدد كبير من أعضاء الجماعة أثناء أزمة 1965 ([9])، فخرجوا من الجماعة وكوّنوا ما صار يُعرَف بـ “التيار القطبي”، ومنه خرجت جماعة “شكري مصطفى” و”صالح سرية”. ([10])

وحدث مثل ذلك أيضًا في عقد الثمانيات ([11])، عند خروج ما يزيد علي المائة من إخوان جامعة الأزهر واستقلالهم عن الجماعة تحت قيادة مسئولها “محمد رشدي” (وقد عُرف التنظيم باسمه)، وكانت مجموعة أقرب للتأثر بالأفكار القطبية، وقد أخذت على الجماعة ما اعتبرته خروجًا على الخط الإسلامي الملتزم. ([12])

وتكرر الأمر مع مجموعة “محمد كمال” والانقسام الذي تم عام 2015 داخل تيار الإسلاموية العنيفة بين فريقه وفريق “محمود عزت”، وإذا أضفنا إلى ذلك ما طرحته بعض قيادات الجماعة لخيار العنف في مؤتمراتها الأخيرة بشكل غير مباشر، كأحد الخيارات المطروحة في الفترة القادمة، إلا أن كل ذلك لم يؤد لأن تعتنق الجماعة العنف بشكل سافر.

محمد كمال
محمد كمال

كل ما سبق يؤكد أن احتمال تحقق هذا السيناريو ضعيف، بسبب عدم إيمان الجسم الرئيسي للجماعة بهذا الخيار، من ناحية لطبيعة تدينهم، ومن ناحية أخرى لطبيعة الشعب المصري الذي يعرفون أنه سيرفضهم إن لجئوا للعنف بشكل سافر من ناحية أخرى.

كما أن القيادة نفسها لن تلجأ للعنف السافر ( من ناحية الخطاب السياسي والتبني النظري والعملي الواضح المعترف به) لأنه يُهدِّد بانتهاء الجماعة، وانفضاض غالبية أعضائها عنها في هذه المرحلة، وليس ذلك وحسب بل إن اللجوء للعنف السافر يُسقِط عن قادة الجماعة قناع الرؤية الإصلاحية الوسطية الذي يرتدونه منذ السبعينيات، كما أن لجوء الجماعة إلى العنف سيفقدها تأييد الدول التي تحتضنها لأغراضها الخاصة، لأنه سيُسقِط كل اعتبار أخلاقي تدّعيه تلك الدول في احتضانها للإخوان كجماعة دعوية إصلاحية تؤمن بالديموقراطية والسلمية والتعددية.

ومن ثَمَّ فإن مسار التوجه نحو العنف الكامل ضعيف التحقق جدا، لكنه لا يعني تخلي الجماعة عن العنف النسبي بدرجة مساوية أو أقل مما مارسته بالفعل في السنوات السابقة، كجزء من إيمان وثقافة قادة التنظيم الحاليين وشرائح من شباب الإخوان التي تبنت الفكر الإسلاموي العنيف خلال الفترة الأخيرة، وهو ما رأيناه في انضمام كثير من شباب الجماعة إلى تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة؛ سواء في سوريا أو في غيرها.

وبذلك يمكن القول إن المسارات الثلاثة السابقة يصعب تحققها لأن الجماعة في نشأتها وفي بعثتها الثانية قامت على أساس تنظيم حديدي ينكسر ولا ينقسم؛ فالشكل التنظيمي التراتبي في الجماعة، وشبكة التربية الإخوانية المرتبطة بشبكة المصالح الاقتصادية، وعلاقات النسب والمصاهرة والمصير المشترك، كلها تجعل من الصعوبة الشديدة أن تنقسم الجماعة داخليا لمجموعات صغيرة كما يحدث في التنظيمات الشيوعية مثلا.

كما أن قيادة التنظيم واعية تمامًا لخطورة فتح الباب للانشقاقات، التي قد تصل إلى الجسم الرئيسي للجماعة بما يشمل أدواتها العقيدية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، التي تأسست على أساسها الجماعة في بعثها الثاني، بل إن عملية اختيار القيادات القاعدية خضعت وما زالت لتلك العوامل قبل معايير الإيمان والإخلاص للفكرة الإسلامية، ومن ثَمَّ تكون فكرة انقسام الجماعة بعيدة.

مرشد الإخوان محمد بديع في السجن
مرشد الإخوان محمد بديع في السجن

وإذا أضفنا إلى ذلك العامل الخارجي المتمثل في القوى الإقليمية المحتضنة للجماعة، سنجد أنها ستقاوم هذا السيناريو بكل قوة، لأنه سيسحب من رصيد استخدامها للجماعة في تحقيق أغراضها بشكل كبير، كما أن رفع أيديها عن الجماعة في حال فقدان القيادة للسيطرة وحدوث التفكك يجعل قادة الجماعة في وضع دفاع مميت عن التنظيم، مما يجعلهم يتشددون أكثر مع أي محاولة للانفصال. ([13])

السيناريو الثاني: البعث الثالث للجماعة

يقوم هذا السيناريو على افتراض إمكانية أن تتجدد الجماعة بشكل كامل، فتعود إلى فكرتها ما بعد الإسلاموية القائمة على التربية والدعوة وتكوين الكوادر المؤهلة لحمل المشروع الإسلامي، دون الدخول في أتون السياسة بشكل مباشر، وهو سيناريو صعب التحقق في لحظتنا الراهنة وإن كان مُمكنًا على المدى المتوسط، مع حدوث تغيرات دراماتيكية كما حدث في بعض لحظات الماضي، والتي منحت فرصة للجماعة في أن تعود إلى الساحة مرة أخرى.

لكنها هذه المرة ستكون مضطرة أن تقدم رؤية حقيقية للتجديد الإسلامي، كما أنها ستكون أمام تحدي جديد، وهو كيفية مخاطبة الأجيال الجديدة من الإسلاميين.

ولكن احتمال تحقق هذا السيناريو مرتبط بعدة عوامل قد يصعب تحققها في الوقت الراهن، وهي:

  1. قدرة الجماعة على تحقيق المصالحة مع النظام السياسي المصري، أو على أقل تقدير تغيير طبيعة العلاقة معه.
  2. تصفير المشكلات الخلافية بين الجماعات المتصارعة داخل الجماعة، وتنحي القيادة الحالية خارج وداخل السجون، وتعديل الرسالة الأيديولوجية بشكل جذري، وسيطرة تيار ما بعد الإسلاموية داخل الجماعة، والعودة للرؤية الما بعد إسلاموية، ومن ثَمَّ تجديد التنظيم ليحمل الفكرة في الأجواء الجديدة، مع احتفاظ الجماعة بالقدرة التنظيمية والحشدية التي تميزت بها ومازالت لأنها من المفترض أن تكون الدعامة للبعث الجديد، ولكن دون سرية مفرطة ولا طاعة مطلقة. ([14])
  3. محاولة جسر الهوة مع الروافد المتجددة للإخوان من مختلف تيارات الاسلام السياسي وغير السياسي ومن المتدينين العاديين، بل وغير الملتزمين، لتخطي مرحلة الأزمة وبناء جسور حقيقية مع الجميع، وإعادة بناء الثقة بينها وبين مؤسسات الدولة بشكل عام، وأن تستعيد ثقة الجسم الرئيسي للمؤسسة الدينية الرسمية: الأزهر الشريف والأوقاف.
  4. السيطرة وإعادة توجيه انحيازات الشباب المسجون والهارب بعد خروجه أو عودته، بحيث يتم تحريرهم من القوالب الفكرية الجامدة التي تربّوا عليها لسنوات، والنظر بإيجابية للدولة والمجتمع.

السيناريو الثالث: الزوال التدريجي للتنظيم

تعرّضت الجماعة لأزمات كثيرة أوشكت فيها على نهايتها، إلا إنها سرعان ما كانت تستعيد عافيتها وتعود للساحة من جديد، وهو ما جعل البعض يراها جماعة عصية على الزوال، لكونها لا تزال تمتلك قوة مُعتبرة على الأرض، أو كما يراها أعضاؤها جماعة ربانية تحميها السماء، ومن ثَمَّ فهي بعيدة كل البعد عن الانتهاء. ([15])

لكن الدراسة المتأنية لحالة الجماعة اليوم من انقسامات داخلية وفقدان للشرعية واختراق لا مثيل له في تاريخها من قوى إقليمية ودولية باتت تتحكم في مصيرها، ورفضها بشدة للرؤية الأصلية ما بعد الإسلاموية التي قامت عليها، يجعل من الصعب توقع استمرارها في الوجود.

قيادات الإخوان في السجن
قيادات الإخوان في السجن

فالجماعة بحالتها وقيادتها الراهنة لن تتمكن من تقديم نموذج إسلامي يُشابه الجماعة في نشأتها الأولى، لاختلاف كل هذه الظروف تمامًا، كما أنها لا تملك الفكر ولا المفكرين القادرين على تقديم ذلك النموذج وهي بحالتها الراهنة، ولا يمكن أن تتبنى الرؤية الوسطية لمفكرين مثل الغزالي أو فتحي عثمان لأنها تضرب رؤيتهم في الصميم، بل إنها لا تستطيع أن تقدم رؤيتها الإسلاموية المواربة التي اعتادت عليها طوال العقود الثلاثة الماضية، وهو ما يجعل عملية استمرارها مجرد كسب وقت ([16]) حتى يتبلور مشروع تغييري جديد يرث الجماعة ويعتمد طريقًا جديدًا للفكرة الإسلامية.

ولذلك ترتفع احتمالية تحقق هذا السيناريو في ظل ذهول الجماعة عن الإجابة الصحيحة على سؤال مستقبلها الوجودي، وتركه للزمن وللقوى الخارجية تعالجه، كما حدث كثيرًا من قبل؛ غافلة عن أن لكل جماعة أجل محتوم لا تتجاوزه عندما يتجاوزها زمانها وتفقد غايتها، لذلك ترتفع احتمالات أن تختفي الجماعة في غضون العقود الثلاثة القادمة، ليرثها تيارًا جديدًا، على المستويين الفكري والتنظيمي. ([17])

السيناريو الرابع: وراثة تيار جديد للجماعة

يتوقع هذا السيناريو عودة جديدة للفكرة ما بعد الإسلاموية، مُجسدة في تيار فكري بعد تبلور ملامحه وسماته الأساسية، المنطلقة من أحقية المجتمعات الإسلامية والعربية؛ وفي مقدمتها مصر، في الحياة الطيبة وحقها في مشروع حضاري مستقل يُحقِّق شهودها الحضاري النابع من عالمية الإسلام ومن صلاحيته لبناء مجتمعات ودول حديثة، دون الوقوع في براثن الكهنوت الديني أو الأفكار التبسيطية عن الخلافة، ثم يتبناه تيار حركي يتسلَّم القضية من الجماعة بكيفيات جديدة تناسب العصر.

اقرأ أيضًا: الدعوة السلفية بالإسكندرية: مستقبل الدعوة والسياسة

وهناك محددات عديدة تحكم تحقق هذا السيناريو، تتمثل في:

  1. اتجاه الجماعة للتفكك التدريجي على المدى المتوسط على أكثر تقدير، وهي الفرصة السانحة لهذا التيار ليتشكّل وتتضح ملامحه ومقدرته وجدارته بوراثة الجماعة خلال تلك الفترة الزمنية.
  2. قدرة هذا التيار الجديد على تبني رؤية إسلامية معاصرة حديثة متجددة كتلك الرؤية التي قادها جيل الوسطية الإسلامية، والتي استفادت منها جماعة الإخوان، وبنت عليها تنظيمها في نشأتها، وتحليل تاريخ المشروع الإخواني والبناء على إيجابياته وتلافى نقاط ضعفه، وليس هذا وحسب بل أن يجمع إلى ذلك تحليل مشروع المفكرين الناقدين للتجربة الإسلامية على مستوى الأسس الفكرية والحركية من الذين أشار إليهم “بيات” ومن الذين يتبنون بعض سمات ما بعد الإسلاموية، والأخذ بأفضلها وتترك ما شذ منها. ([18])
  3. الخروج برؤية جديدة وأدوات جديدة للحركة تقبلها المجتمعات والدول المسلمة وتُشجِّعها، عن طريق الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، بالإضافة للوسائط والمؤسسات التقليدية.
  4. قدرة هذا المشروع على كسب رضا كتلة حرجة من المجتمعات المسلمة، وألا يتصادم مع الحكومات والقوى الإقليمية والدولية.
عناصر-جماعة-الإخوان
عناصر جماعة الإخوان

خاتمة

في مارس من عام 2028 (أي بعد 7 سنوات) تُكمل جماعة الإخوان قرن كامل من والوجود والاستمرار، وهي فترة كافية للتساؤل حول مآلها ومستقبلها؛ وإن كان السؤال عن مستقبل الإخوان أو مرحلة ما بعد الإخوان ليس جديدًا، فقد فرض الواقع على كافة الأطراف أن يتناولون مستقبلها ومآلها في كل منعطف تاريخي مرّت به.

وإذا كانت الفكرة الإسلامية باقية في المجتمعات العربية ما بقيت تلك المجتمعات مسلمة، إلا أن التنظيمات التي حملته طوال قرن مضى؛ وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، ليست حتمًا باقية، لأن استمرارها وغيابها أو زوالها بالكلية مرتبط بتحولات تلك المجتمعات وتصوراتها عن الإسلام والحركات التي تتبناه.

فالمجتمعات الإسلامية، اليوم، تُعبِّر عن حالة سيولة مفتوحة على كافة الاحتمالات، من بينها: تهميش كلا من التيارين الإسلاموي وما بعد الإسلاموي، أو انتهائهما بالكلية، أو إعادة بعثهما معًا، أو غلبة أحدهما على الآخر، ولكن بأي صيغة تنظيمية وصبغة فكرية ستحدث كل هذه السيناريوهات، هذا ما سيقرره أبناء تلك المجتمعات في العقود القادمة.

المراجع

المراجع:

[1]– عبد الحليم، محمود. الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ. ط1. الإسكندرية: دار الدعوة، 1979م، ص200-213.

[2]– تمام، حسام. تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم. ط1، القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006م، ص 96-100.

[3]– المليجي، السيد عبد الستار. تجربتي مع الإخوان. ط1. القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 2009م، ص 357-363.

[4]– أديب، منير. إشكالية المنشقين عن الإخوان وتعاطي الجماعة معهم، مصدر سابق، ص 20-26.

[5]– العسال، فتحي. الإخوان المسلمون بين عهدين، مصدر سابق، ص205.

[6]– رميح، طلعت. الوسط والإخوان، مصدر سابق، 1997م.

[7]– حسين، أحمد عبد الحميد. أحزاب ثورة يناير، مصدر سابق، ص 133-143.

[8]– عابدين، عبد الحكيم. مذكرات غير منشورة، حيث يذكر أن عبد الرحمن السندي قال: وصلنا في المفاوضة والاتفاق مع حسن البنا للآتي: أن نكون تنظيم إسلامي إرهابي عالمي على غرار الهاجناه وشتيرن، ويكون بعيدا عن الاخوان ومستقل عنهم.

[9]– انظر: عبد المجيد، أحمد. الإخوان وعبد الناصر: القصة الكاملة لتنظيم 1965. ط1. القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1991م. وتمام، حسام. الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة. ط1. القاهرة: دار الشروق، 2012م، ص39-41.

[10]– الأنصاري، طلال. مذكرات طلال الأنصاري، مصدر سابق، ص25-43.

[11]– يوثق مختار نوح للتنظيم السري للجماعة في الثمانينات: نوح، مختار. 50 عاما من الدم، مصدر سابق، ج2، ص 7-51.

[12]– تمام، حسام. الإخوان المسلمون، مصدر سابق، ص 46.

[13]– يمكن مراجعة رؤيتين هامتين بصدد صعوبة انشقاق الإخوان لجماعة دعوية أو حزب سياسي في: حبيب، رفيق. “رؤية للمستقبل السياسي للإخوان المسلمين: الإخوان بين الدعوي والسياسي”. في: الشوبكي، عمرو. أزمة الإخوان المسلمين. ط1. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2009م، ص15-57، وتمام، حسام. الإخوان المسلمون، مصدر سابق، ص33-50.

[14]– يمكن مراجعة رؤية مشابهة لأعراض شيخوخة الإخوان في: العناني، خليل. الإخوان المسلمون في مصر: شيخوخة تصارع الزمن. ط1. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007م، ص 295-309.

[15]– سمع الباحث هذا التعبير كثيرا من أعضاء الجماعة، وذكره الكثيرون من قياداتها في تصريحاتهم وكتاباتهم، أكد عليه بعض العارفين بهم. أنظر: العوا، محمد سليم. المدارس الفكرية الإسلامية: من الخوارج إلى الإخوان المسلمين. ط1. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2016م، ص 446.

[16]– يمكن مراجعة خطاب البهي الخولي إلى خميس حميدة وتقرير عمر بهاء الدين الأميري عن أوضاع الإخوان في الخمسينيات، في: البنا، جمال. من وثائق الإخوان، مصدر سابق، ج7، ص 46-108، والتقرير المقدم من بعض أعضاء الجماعة عام 1986م، في: أبو خليل، هيثم. إخوان إصلاحيون، مصدر سابق، ص21-56، والتقرير المقدم عام 1995، في: المليجي، السيد عبد الستار. تجربتي مع الإخوان، مصدر سابق، ص 43-61.

[17]– النجار، عبد المجيد. الشهود الحضاري للأمة الإسلامية: مشاريع الإشهاد الحضاري. ط1. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999 م، 3ج.

[18]– نقصد تيار تجديد الفكر الإسلامي الأكثر جرأة في التعامل مع النص الإسلامي أمثال جمال البنا، نصر أبوزيد، عبد الجواد ياسين وغيرهم.

عماد عشماوي

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى