زوايا

أُمراء وثُوار: أشهرهم عمر طوسون.. وأعظمهم البرنس عزيز

بينما كانت ثورة 19 مشتعلة، ونيران بنادق الإنجليز تحصد أرواح المصريين في الصعيد والقاهرة والدلتا؛ جرى الإعلان عن زواج السلطان فؤاد الذي جاءَ به الإنجليز بعد وفاة السلطان حسين كامل.

تزوج فؤاد من “نازلي” ابنة عبد الرحيم باشا صبري؛ وذلك يوم 24 مايو 1919م. وقد استقبل الرأي العام الخبر بغضب شديد، فالوفد المصري في المنفى، والشباب الثائرون في الشوارع يواجهون الإنجليز بصدورهم العارية، وسلطانهم – الملك فيما بعد – يُعلن زواجه!

وقد عبَّر بيرم التونسي عن غضب الشارع في عدة قصائد تهجو “فؤاد” وفِعلته، وتطعنُ في زوجته، بل وفي نسب ابنهما “فاروق” فيما بعد! وكان بيرم يسلك في ذلك سلوك “فتوات الأنفوشي” عندما يُقررون هدم العُرس.. فيكفي أن تُحطِّم “الكلوب”!

هكذا قال بنفسه للكاتب الصحفي محمد التابعي. وقد استفز “بيرم” والآلاف غيره عدم مبالاة فؤاد بثورة المصريين، وكيف اختطف خبر زواجه الاهتمام من بطولات البلاد التي اندلعت من أجلها الثورة!

دعم الملك فؤاد لثورة 19

لكن تلك الصورة الشعرية لم تكن هى التلخيص العادل لعلاقة فؤاد بالثورة، فهو لم يقف ضد الثوار؛ بل كان داعمًا لهم من اللحظة الأولى في الخفاء. وحين بدا أن هناك خلافًا على رئاسة الوفد بين الأمير عمر طوسون – حفيد الوالي محمد سعيد – أرسل أحمد فؤاد إلى الأمير يطلب منه أن يبتعد عن رئاسة الوفد، ويترك الأمر للزعيم سعد زغلول. لكن صراعات الملك فؤاد فيما بعد مع الوفد حول سلطاته في الدستور، جعلت كثيرين يَغفلون عن دوره لحظة ميلاد الثورة .

أُمراء وثُوار.. سعد زغلول
سعد زغلول

كانت الصورة التذكارية الضخمة التي تم رفعها في بيت الأمة لأبطال “الحركة الوطنية”، وتضم ثلاثين من هؤلاء الأبطال، في أعلاها صورة “جلالة الملك فؤاد”. ولقد “فؤاد” كان مثقفًا إلى حدٍّ كبير، وهو الأمر الذي أكده الدكتور طه حسين. وكان أيضًا محبًّا للعلوم، ومُشجِّعًا للكشوفات الجغرافية.

الأمير حليم.. نصير عرابي

اشتُهر عدد من الأمراء في الأسرة العلوية بمواقفهم الثورية المناصرة للشعب؛ مما جرَّ عليهم المشاكل مع “القصر”، ومع سلطات الاحتلال .

وأول أمير ثائر من عائلة محمد علي؛ بل كان الأقرب إلى الشعب في تلك السلسلة هو: البرنس “حليم”؛ الذي تقرَّب من أحمد عرابي ومن القيادات الوطنية مباركًا مطالبهم العادلة .

اقرأ أيضًا: البكباشي محمد كامل ..شهيد ثورة ديرمواس

ويُعدُّ الأمير محمد عبد الحليم بن محمد علي – بحسب فرمان الوراثة الأول – أحق بالعرش من الخِدِيو توفيق؛ لأنه كان أكبر أفراد الأسرة الحاكمة سنًّا، لكن ذلك النظام تبدل في عهد إسماعيل، بعد صدور فرمان 1866م؛ فصار العرش لتوفيق الذي كانت أمه جارية عند إسماعيل!

وعندما قام العرابيون بثورتهم حاول البرنس ترويج أفكاره عندهم، وقدَّمت أختُه “زينب هانم” التبرعات للثورة، لكن القناصل الأجانب انحازوا لتوفيق، وتكتَّلَ الأجانب ضد الأمير، فانتهى الأمر بحليم أن جرى إبعاده عن الشئون المصرية. ثم انتقل للإقامة بالأستانة، وما لبث أن مات فيها عام 1894م.

أُمراء وثُوار.. عباس حلمي الثاني
عباس حلمي الثاني

ومعلوم بالطبع انحياز الخِدِيو عباس حلمي الثاني للحركة الوطنية، ودعمُه لبعض رموزها ومعاداته لآخرين من الوطنيين. وقد كان “عباس” لصيقًا بالباب العالي أكثر. ومع تغير التحالفات والتوازنات السياسية قبيل الحرب العالمية الأولى؛ قررت سلطات الاحتلال الإنجليزي خلعه عن منصبه – وهو في الأستانة – عام 1914م؛ بل ومنعته من العودة إلى مصر.

طوسون.. الأمير الثوري

وكان عمر طوسون أكثر الأمراءَ التصاقًا بالمصريين حتى وفاته عام 1944م. ولم تكن مواقفه من ثورة 1919م هي البداية؛ فقد ترأس اللجنة المصرية التي جرى تشكيلها لجمع التبرعات؛ لمساعدة الدولة العثمانية والشعب الليبي في حربهم ضد إيطاليا عام 1911م. إضافة إلى تبرعاته المادية والعينية، لصالح تلك اللجنة. كما قدَّم مساعدات سخية للشعوب التي تناضل من أجل الاستقلال والحرية في: فلسطين والجزائر، وأبدى اهتمامًا خاصًّا بالسودان .

وبعد الحرب العالمية الأولى، دعا طوسون إلى تشكيل وفد مصري يتولى التحدث باسم مصر في مؤتمر فرساي 1918م، للمطالبة باستقلالها من دون النظر إلى حزب أو جماعة سياسية. وهو بذلك يُعدُّ صاحب فكرة تأليف وفد مصري للتفاوض. ولما طرحها على سعد زغلول استحسنها سعد ووعده بعرضها على أصدقائه. وبلغ من إعجاب سعد زغلول بالاقتراح أنه قال في مذكراته: “إن الأمير يستحق تمثالاً من الذهب لو نجحت هذه المهمة”.

أُمراء وثُوار.. الأمير عمر طوسون
الأمير عمر طوسون

غير أن سعد زغلول انفرد بتأليف الوفد بعيدًا عن صاحب الاقتراح، الذي غضب من ذلك التصرف وكادت تحدث أزمة تُهدِّد الصف، ثم تغلَّبت المصلحة العامة على ذلك الخلاف. وعاود سعد زغلول الاتصال بالأمير طوسون الذي وقف إلى جانب ثورة 19 حتى النهاية.

وكان أساس الخلاف بين الرجلين؛ أن طوسون كان أقرب فكريًّا إلى الحزب الوطني ومنهجه. ومعلوم أنه هو الذي تبرع في يونية 1920م بجميع نفقات جنازة الزعيم الوطني محمد فريد داخل مصر، وكذلك سرادق العزاء عقب تكفُّل تاجر قماش يُدعَى خليل عفيفي بنقل جثمان “فريد” من ألمانيا إلى مصر، وقد استغرقت مراسم الجنازة الشعبية 24 ساعة؛ بدءًا من مرورها بشوارع الإسكندرية، حتى محطة مصر في القاهرة .

وكان عمر طوسون قد ورث عشق العمل الخيري، وتشجيع التعليم والفن من أمِّه الأميرة فاطمة إسماعيل؛ إحدى بنات الخِدِيو إسماعيل، التي يرجع إليها الفضل في إقامة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) حاليًا.

جناح الستة

ولم يكن عمر طوسون وحدَه صاحب مواقف وطنية؛ بل كان هناك ضباطٌ من الأسرة العلوية داعمين للثورة. وقد أُطلِق عليهم: “جناح الستة”؛ الذي كان يضم إضافة إلى “عمر” الأمراءَ: يوسف كمال، وكمال الدين حسين، ومحمد علي إبراهيم، ويوسف داود، ومنصور داود. وكانت الموالاة العلنية، ومناصرة الحركة الوطنية.. ضد الاحتلال الإنجليزي؛ بدأت تُفصح عن نفسها، وصارت معلومة للقاصي والداني .

وقد نشر هؤلاء الستة بيانًا في صحيفة “الأهرام”  يوم 3 يناير 1920م جاء كالتالي:

“أبناء مواطنينا الأعزاءَ:

يومٌ ما اقتضت الإرادة العمرانية إيداع مصير المصريين بيدِ مَن كان خالق مصر الحديثة – ألا وهو جَدُّنا الأعظم المرحوم محمد علي الأول. وقد جمعت القدرة الإلهية في شخص هذا البطل الشجاعة في أعماله.. مع الصدق والولاء نحو مصر؛ فأرادت المشيئة الربانية أن يَعقُب هذا الشخص الجليل ذريةٌ تقطِن هذه الأرض الطاهرة، ومن ثَمَّ فقد مَنَّ الله علينا بخِدْمة مصر وإخواننا المصريين، والسير في أثر جَدِّنا الأكبر؛ لتحقيق آماله الشريفة، ولتتمة أعماله النافعة لبلادنا، والمطالبة بحقوق مصر والمصريين. وتأييدًا لمطالب الأمة؛ فقد جئنا نُطالب باستقلال مصر استقلالاً تامًّا بلا قيد ولا شرط”.

اقرأ أيضًا: الأميرلاي موسى دياب انحاز لعُرابي، ومات منفيًا في قريته

وتبرع الأمير يوسف بمبلغ ألف جنيه لتعزيز جهود الوفد المصري. وأُسندت للأمير الرئاسة الشرفية للجنة الوفد المصري؛ وهي لجنة عظيمة ضمَّت في عضويتها قادة الحركة الوطنية. وقد أقيم احتفال بالذكرى الثانية يوم 13 نوفمبر – الذي سُمِّي بـ”عيد الجهاد” – في فندق شبرد، وألقى فيه الأمير يوسف كمال خُطبة فياضة باللغة العربية الفصحى، أدهشت الحاضرين!

ومما قاله في تلك الخُطبة: “لولا تشدُّد الحكومة البريطانية الذي لا مبرر له؛ لطالبنا بالاستقلال المنشود. وإن هذا التشدُّد لا يمكن أن يُثنيَ عزيمتنا، بل إنه يَزيد اتحادنا ويُضاعف جهودنا في نيل الحقوق بالطرق المشروعة”.

وأنفق يوسف الكثير من ثروته على تطوير النهضة الثقافية والفنية في مصر، وتطوير مدن الصعيد. وهو مؤسس مدرسة الفنون الجميلة عام 1900م، وجمعية مُحبي الفنون الجميلة عام 1924م. كما شارك في تأسيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما.

وعام 1932م – وفي سابقة هي الأولى من نوعها – قرر التنازل عن لقب “أمير” أو “برنس” من دون ذكر أسباب. وكان يُوقِّع بعد ذلك في الفنادق أو الدوائر الرسمية بلقب “مزارع مصري”!

الأمير عزيز.. صديق سعد زغلول

أما أعظم المواقف التي حدثت من أمراءَ الأسرة العلوية مع ثورة 1919م؛ فكان بطلها الأميرعزيز حسين. وعزيز هو حفيد الخِدِيو إسماعيل، وكان عاشقًا للمخاطرة، وهو أول من أدخل سيارة إلى مصر وكان ذلك عام 1890م؛ حيث رأى المصريون حينها لأول مرة سيارة فرنسية من طراز “دبون يوتون”. ويقال إنها قطعت المسافة من الإسكندرية إلى القاهرة في عشر ساعات كاملة وسط رعب المصريين على الطريق الزراعي بسبب ما يشاهدونه .

أُمراء وثُوار .. الأمير عزيز حسين
الأمير عزيز حسين

وقد التحم ذلك الأمير المغامر “عزيز حسين” مع كل الفعاليات الوطنية للثورة، واندمج مع الشعب، وكان ملازمًا لسعد زغلول في كل مكان. وكان قصر ذلك الأمير في منطقة “شبرا” مفتوحًا لقادة الحركة الوطنية دائمًا. ولمَّا انفض كثيرون من قيادات الوفد عن سعد زغلول إلى مشاريع سياسية وطنية أخرى؛ فإن الأمير “عزيز” ظل على أفكاره السياسية، وحافظ على قُربه من سعد زغلول .

وفي 3 يوليو 1921م أرسلت إليه السلطات العسكرية الإنجليزية تبليغًا مع أحد الضباط الإنجليز ومندوبٍ من وزارة الوطنية، تُكلِّفه بالسفر إلى الخارج قبل يوم 10 يوليو، كما أبلغته أنها حجزت له مكانًا في إحدى البواخر يوم 8 يوليو.

وكان ذلك الإجراءَ المتعسف بمثابة نَفيٍّ للأمير. وقد كان في وداعه عددٌ كبير من العظماءَ وجماهير كثيرة من الشعب؛ يتقدَّمهم سعد باشا، الذي بقي معه حتى قيام القطار. وقبيل انطلاق القطار أطل الأمير على الجماهير من النافذة وصاح: “يحيا سعد باشا”.. “تحيا مصر”.. “لا تُفرطوا  في  حقوقكم”؛ فأجابته الجماهير: “سافر عزيزًا أيها العزيز”!

ثم جرى تعديل مكان تحديد إقامته بعد ذلك؛ ليصبحَ في الإسكندرية، حتى لا يقترب من الوفد المصري الذي كان موجودًا في لندن برئاسة “عدلي يكن” في التوقيت نفسه.

المصادر

.  قصة الثورة في مصر: د. ياسر ثابت.

. مذكرات فخري عبد النور: د. يونان لبيب.

. ثورة 19 بين مناسبتين: حلمي النمنم، جريدة “المصري اليوم”.

.  وثائق تكشف حقائق جديدة عن ثورة 19: أمير الصواف، جريدة “الوفد”.

.  من أسرار الساسة والسياسة: محمد التابعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى