إبراهيم بن أدهم

الحازم الأحْزَم والعارف الألزم

من أبرز الأمور التي تستوقفني في حياة المتصوّفة؛ المآلاتُ والمصائر! كيف يمكن للتَّجربة الصُّوفية أن تغيّر، ليس فقط حياة المتصوّف الدَّاخلية فحسب؛ بل طبيعة اندماجه في المجتمع ككل. وإزاء تلك التحوُّلات العاصفة بهم، لا يمكننا سوى أن نتساءل: كيف تتبدّل بالصُّوفيّ الأرضُ، فإذا هي غير الأرض والسماوات؟! هنا تكمن العبرة والعظة في مسار حياة الحازم الأحْزَم والعارف الألْزَم سيدي إبراهيم بن أدهم، الذي بدأ حياته في ترفٍ من العيش، وفي نعيم من الدنيا؛ فقد كان من بيت المُلْك، لكنه فضل الفرار الطوعي من النعيم إلى شظف العيش وفقر الحال. قال عبدالعزيز بن أبي رُوَّاد: “رحم الله إبراهيم بن أدهم! لقد رأيته بخُرَاسان، إذا ركب حضر بين يديه نحو عشرين شاكريًا [خادمًا]، ولكنّه -رحمه الله- طلب بحْبوحة الجنّة”.

سأله خادمه الصوفي إبراهيم بن بشَّار ذات مرة: يا أبا إسحاق! كيف كان أول أمرك حتى صرتَ إلى ما صرتَ إليه؟! فقال: كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملُوك خُرَاسَان، وحَبَّب إلينا الصيد، فخرجتُ راكبًا فَرَسِي، وكلبي معي، فبينما أنا كذلك إذ سمعتُ نداءً من ورائي: يا إبراهيمُ! ليس لذا خُلِقْتَ، ولا بذا أُمِرْتَ. فوقفتُ أنظرُ عن يميني وعن يساري فلم أر أحدًا! فقلتُ: لعن الله إبليس، ثمَّ حرَّكتُ فرَسي، فسمعتُ نداءً أجْهَر من ذلك، فوقفتُ فقلتُ: أُنْبِهْتُ أُنْبِهْتُ! جاءني نذيرٌ من ربّ العالمين، والله لا عَصَيْتُ الله بعد يومي هذا، ما عصمني ربِّي! فرجعتُ إلى أهلي فخلّيتُ عني فرَسي، ثمَّ جئتُ إلى راعٍ لأبي فأخذتُ منه جُبَّة وكساءً وألقيتُ ثيابي إليه، ثمَّ أقبلتُ إلى العراق؛ أرضٌ تَرْفَعُنِي وأرضٌ تَضَعُنِي، فسألتُ بعض المشايخ عن الحلال، فقالوا لي: إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام! فتوجَّهتُ إلى طرْسُوس [شمال سوريا] فاكْتَرَانِي رجلٌ كي أنظر له بُستانَه، فاذا أنا بخادمٍ قد أقبل ومعه أصحابه، فقعد في مجلسه ثمَّ صاح يا ناطور [حارس]! اذهب فأْتِنَا بأكبر رُمَّانٍ تقدرُ عليه وأطيَبَهُ. فذهبتُ فأتيتُه بأكبر رُمَّان، فوجده حامِضًا.

فقال لي: أنتَ في بستانِنا منذ كذا وكذا تأكلُ فاكهتَنا ولا تعرفُ الحُلو من الحامض؟! فقلتُ: والله ما أكلتُ من فاكهتِكم شيئًا، وما أعرفُ الحُلو من الحامض! فقال الخادم: أَتُرَاكَ لو أنكَ إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا! فانصرف، فلمَّا كان من الغد ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعضُهم، فجاء الخادم ومعه كثيرٌ من الناس، فلمَّا رأيتُه اختفيتُ خلف الشَّجر، والناس داخلون فاختلطتُ معهم: هم داخلون بحثًا عني وأنا هاربٌ منهم! 

تحري الحلال

كان رضي الله يقول لشقيقٍ البلخي: يا شقيقُ! لم يَنْبُلْ عندنا من نَبَلَ إلّا بتحرّي الحلال، وألا يَدْخُل جوفَه شيءٌ إلّا من حِلٍّ! بماذا أنعم الله على الفقراء حتى لا يسألهم يوم القيامة: لا عن زكاةٍ، ولا عن حجٍّ، ولا عن جهادٍ؛ إنما يسألُ هؤلاء المساكين: يعني الأغنياء! فالطريق إلى الله تعالى -في فهم ابن أدهم- لا يتحقق إلا باجتياز ستّ عقباتٍ؛ هي: أن تُغْلِق باب النّعمة، وتفتح باب الشدّة. وأن تُغلق باب العزّ، وتفتح باب الذلّ. وأن تُغلق باب الرّاحة، وتفتح باب الجِدّ. وأن تُغلق باب النوم، وتفتح باب السَّهر. وأن تُغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر. وأن تُغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت.

ولأنه رضي الله عنه كان حريصًا على تحري الحلال، كان لا يقبل أن يعيله أحد من إخوانه في الطريق، بل كان يعول غيره. ولذلك رآه الإمام الأوزاعيُّ في بيروتَ -وعلى عنُقِه حِزْمَةُ حطبٍ- قال له: يا أبا اسحاق! إنَّ إخوانك يكفونك هذا! قال له: اسكت يا أبا عمرو! فقد بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مَذلَّةٍ في طلب الحلال؛ وجبَتْ له الجنَّة! وكان رغم فقره الشديد وشظف عيشِه، يقول لأصحابه: لو علم الملوك وأبناءُ الملوك ما نحنُ فيه من السرور والنعيم لجَالَدُونَا على ما نحنُ فيه من لذةِ العيش وقلَّة التعب بأسْيافِهم أيَّامَ الحياة!

سخاؤه وكرمه

كان إبراهيم بن أدهم جوادًا كريمًا رحيمًا يتحسّر على نُدرة السَّخاء وغلبة الشُّحّ في عصره، قائلًا: “ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة! مَنْ لمْ يُواسِ النّاسَ بمالِه وطعامه وشرابه فليُواسِهِمْ بِبَسْط الوجه والخُلُق الحَسَن. إياكم أن تكون أموالكم سببًا في أن تتكبَّروا على فقرائكم، أو سببًا في ألا تميلوا إلى ضُعفَائِكم، وألا تَنْبَسِطُوا إلى مساكِينِكم! وكان يقول أيضًا: إن القلب محجوبٌ بثلاثة أغْطِيَةٍ: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحتَ بالموجود فأنت حريصٌ، والحريصُ محرومٌ. وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخِطٌ، والساخطُ مُعَذَّبٌ. وإذا سُررتَ بالمدح فأنتَ مُعْجَبٌ، والعُجْبُ يُحْبِطُ العملَ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]

الشفقة بالخلْق

كان رضي الله عنه يعمل بالنهار وينفق على إخوانه الذين كانوا يجتمعون بالليل في موضعٍ وهم صيام، فكان يُبطئ في الرجوع من العمل، فقالوا ليلة: تعالوا نأكل فطورنا دونَه، حتى يعود بعد هذا أسرع! فأفطروا، وناموا. فلما رجع إبراهيم وجدهم نيامًا، فقال: مساكين! لعلّهم لم يكن لهم طعام؛ فعمد إلى شيءٍ من الدقيق كان هناك، فعجنه، وأوقد على النار، فانتبهوا، وهو ينفخ في النار واضعًا وجهه على التراب! فقال بعضهم لبعض: انظروا ما الذي فعلناه، وما الذي به يعاملنا!

وكان إذا صلَّى العشاء وقف بين الدُّور، فينادي بأعلى صوته: من يريد أن يطحن؟ فكانت المرأة تُخْرِج القُفَّةَ والشيخُ الكبيرُ يُخرجُ القفَّة، فلا ينامُ حتَّى يطحن لهم بلا أجر. قال أحد أصحابه: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم، إذ مرَّ به رجلٌ من الصُّنَّاع. فقال إبراهيم: أليس هذا فلانًا؟ قيل: نعم. فقال لرجلٍ: أدْرِكْه، فقل له: مالَكَ لم تُسلِّم؟ قال الرجل: إن امرأتي وضعتْ وليس عندي شيءٌ. فقال إبراهيم: إنَّا لله! كيف غَفَلْنَا عنه حتَّى نزلَ به الأمرُ؟! ثمَّ قال: يا فلان! ائْتِ صاحبَ البستان فاسْتَسْلِفْ منه دينارين، وادخل السُّوق فاشْتَر للرَّجل ما يُصْلِحهُ بدينارٍ وادفع الدّينار الآخر إليه!

ضريح إبراهيم بن أدهم

ختامًا، خرج إبراهيم بن أدهم يومًا إلى بعض البراري، فسأله جنديٌ: هل أنت عبدٌ؟ قال: نعم. فقال: أين العُمران؟! فأشار إلى المقْبَرة. فقال الجندي: إنما أرَدْتُ العُمران! فقال: هو المقْبَرة! فغاظَهُ ذلك فضربَ رأسَهُ بالسَّوط فشجَّه وردَّه إلى البلد. فلمَّا علم أنه ابن أدهم أخذ يعْتذر منه. فقيل لإبراهيم: لِمَ قلتَ له إنَّك عَبْدٌ؟ فقال: إنَّه لم يسألني عبد مَنْ أنتَ، بلْ قال: أنتَ عَبْدٌ؟! فقلت: نعم؛ لأنِّي عبدالله. فلمَّا ضرب رأسي سألتُ الله له الجنَّة! قيل: كيف، وقدْ ظلَمَكَ؟ قال: علِمْتُ أنني أُوْجَرُ على ما نالني منهُ، فلمْ أُرِدْ أنْ يكونَ نصيبي منهُ الخيرَ، ونصيبُه منّي الشَّرّ!

 

ما لَذةُ العَيْش إلا صُحْبَةُ الفُقرَا

 

هُمُ السلاطينُ والسادَاتُ والأُمرَا

فاصْحَبهُمُ وتأدَّبْ في مجالِسِهِمْ

 

وخَلّ حَظَّك مهْمَا قدَّموك وَرَا

واسْتَغْنِمِ الوقتَ واحْضُرْ دائمًا معهُم

 

 

واعلم بأن الرضى يخُصُّ مَنْ حضرَا

ولازِم الصمْتَ إلا إنْ سُئِلتَ فقُلْ

 

لا عِلْمَ عنْدي وكُنْ بالجَهْل مُسْتَتِرا
 

ولا تَرَ العيْبَ إلا فيكَ مُعْتَقِدًا

 

عيْبًا بَدَا بَيِّنًا لكنهُ اسْتَتَرَا

وحُطَّ رأسَكَ واسْتَغْفِر بلا سبَبٍ

 

وقُم على قَدَم الإنْصَافِ مُعْتَذِرَا

وراقِب الشيخَ في أحوالِهِ فعسى

 

يَرَى عليكَ من اسْتِحْسَانِهِ أثرَا

وقدّم الجهْدَ وانْهَضْ عندَ خِدْمَتِه

 

عسَاهُ يرْضَى، وحَاذِرْ أنْ تُرَى ضَجِرَا

واعْلَم بأن طريقَ القومِ دَارِسَةٌ

 

وحالَ مَنْ يَدّعِيها اليومَ كيْفَ تَرَى

قومٌ كِرَامُ السجايَا حيْثُمَا جلسُوا

 

يَبْقَى المكانُ على آثارِهِم عَطِرَا

Edit
  1. 1- ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي، الطبعة الثانية (الرياض: دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، 1424هـ- 2003م)، 10/137-139.
  2. 2- أبو عبدالرحمن السُلَمِي، طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة، الطبعة الثالثة (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1418هـ-1997م)، ص 35.
  3. 3- أبو نُعَيم الأصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (القاهرة: مكتبة الخانجي- بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1416هـ-1996م)، 7/367-391.
  4. 4- عبدالحليم محمود، إبراهيم بن أدهم شيخ الصوفية، سلسلة أعلام العرب 98 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972م).
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search