دراسات وتحليلات

إتمام الانسحاب الأمريكي… خيارات بايدن في أفغانستان

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، اعتبارًا من الأول من مايو القادم، على أن يكتمل بحلول 11 سبتمبر من ذات العام، حيث قال بايدن إنه لا ينوي تسليم مهمة قيادة القوات الأمريكية في أفغانستان لرئيس خامس.

في هذا السياق، نشر مركز مكافحة الإرهاب في عدد مارس 2021 من نشرته الشهرية، مقالًا حول المسارات المحتملة التي يمكن أن تتخذها إدارة جو بايدن حيال الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

ورغم قرار بايدن فإن أهمية هذا المقال تكمن في تقدير السيناريوهات المختلفة وتكلفتها ومزاياها، بما يرسم صورة للخيارات التي لا تزال مطروحة أمام الإدارة الأمريكية حتى الموعد الجديد لاكتمال الانسحاب، كما أنه يساعد على فهم دلالات وخلفيات القرار الأمريكي، خاصةً في ظل ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن معارضة قيادات الجيش الأمريكي لقرار الانسحاب.

الانسحاب الأمريكية من أفغانستان
القوات الأمريكية في أفغانستان

الإرهاب والأولويات الامريكية

تواجه إدارة بايدن تحديات محلية هائلة على رأسها جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية، والانقسام الأمريكي، وتراجع الثقة في المؤسسات الأمريكية، بالإضافة إلى التحديات الخارجية المتعلقة بالصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وكذلك مسألة إصلاح التحالفات الدولية.

ووسط هذه التحديات فإن الإرهاب لا يتصدر قائمة الاهتمامات المباشرة للإدارة الجديدة، لكنه لا يزال تهديدًا قائما وقابلا للتفاقم، وستواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا من أجل خفض ميزانية الدفاع لمواجهة التحديات المحلية المباشرة، وإخراج واشنطن من الحروب التي تبدو بلا نهاية، والتي بدأت مع الحرب على الإرهاب عام 2001.

وبينما نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إضعاف قدرة تنظيم القاعدة على شن هجمات واسعة النطاق في الخارج، فإن التنظيم ومشروعه “الجهادي” لا يزال مستمرًا.

وقد كشفت وزارة العدل الأمريكية في ديسمبر 2020 مخططا لـ”حركة الشباب المجاهدين” لاختطاف طائرة ركاب في الولايات المتحدة، ومحاولة تكرار تنفيذ هجوم شبيه بهجمات سبتمبر، وهو المخطط الذي ينضم إلى قائمة المخططات الإرهابية المتعلقة بالطيران الأمريكي في 2001 و2006 و2009 و2010 و2012 و2017، والتي تدلل على استمرارية تخطيط هذه التنظيمات لهجمات إرهابية.

وقد نتج عن العمليات الإرهابية في الولايات المتحدة منذ 2001 مقتل ما يزيد على 100 شخص، وذلك بخلاف الآثار النفسية والاقتصادية والسياسية لهذه العمليات، ما يطرح تساؤلات حول المسار الأنسب لتجنب العمليات الإرهابية.

في هذا السياق، يظهر اتجاهان متعارضان داخل الولايات المتحدة، يدفع الأول بأن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والشرق الأوسط يؤجّج عمل التنظيمات الإرهابية، ويزيد من احتمال وقوع هجمات إرهابية أكثر، حيث استغل تنظيم القاعدة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 في الدعوة والدعاية لهجمات إرهابية جديدة.

بينما يشير الثاني إلى أن عدد الهجمات الإرهابية الجهادية والمؤامرات في الولايات المتحدة بلغ ذروته عامي 2015 و2016، تزامنًا مع صعود تنظيم داعش، رغم انخفاض عدد القوات الأمريكية المنتشرة في أفغانستان بنسبة تزيد على 90% منذ 2012، وانخفاض عددها في العراق منذ 2007 حتى الانسحاب الكامل عام 2011.

إلا أن كلا الاتجاهين يقعان في “النرجسية الاستراتيجية” التي ترى بأن مستوى التهديد الإرهابي يتم تحديده بصورة أساسية من خلال ما تفعله الولايات المتحدة، ويُنظر إلى تصرفات الأعداء على أنها ردود على ما فعلته الولايات المتحدة، بينما في واقع الحال تمتلك تنظيمات التطرف العنيف رؤيتها الخاصة للعالم، وتعتمد عملياتهم على قدراتهم وتقييماتهم الاستراتيجية الخاصة.

الرئيس الأمريكي جو بايدن
الرئيس الأمريكي جو بايدن

استراتيجية بايدن وخبرته التاريخية

ترى الورقة بأن الخبرة السابقة لـ”بايدن” خلال إدارة أوباما قد تُقدِّم إشارات حول تفضيلاته المستقبلية. ففي عام 2009، واجهت إدارة أوباما، التي أرادت إنهاء التورط العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان، معضلة إعادة حركة طالبان تنظيم صفوفها في ظل الانشغال الأمريكي بالأوضاع في العراق، وجادل بايدن حينها بأن عمليات مكافحة التمرد التي تقوم بها القوات الأجنبية غير مجدية ولن تؤدي إلا إلى زيادة نفور السكان الأفغان، الذين يرون في القوات الأمريكية قوات أجنبية تقاتل الأفغان، حتى إذا كان الضحايا من طالبان.

واقترح بايدن استراتيجية لمكافحة الإرهاب من شأنها أن تُقلِّل من الوجود العسكري الأمريكي، وتَحدّ من المشاركة المباشرة للقوات البرية الأمريكية، واقترح نشر القوات الأمريكية المتبقية في المدن لمنع سيطرة طالبان عليها، وتركيز العمليات العسكرية الأمريكية على تدمير القاعدة من خلال مهاجمة قيادتها بشكل أساسي.

ويرغب البعض الآن في الحزب الديمقراطي في إنهاء الحرب على الإرهاب، والتي تلطخت بسبب التجاوزات والانتهاكات، إلا أن هذا الأمر يعج بالمخاطر في ظل الانقسام السياسي الأمريكي، فبالنسبة لخصوم بايدن سيعني عدم استكمال انسحابات ترامب إغفال للرغبة الشعبية للخروح مما أسماه ترامب “حروبًا سخيفة لا نهاية لها”.

وفي الوقت نفسه، سيكونون في حالة تأهب بحثًا عن أي علامة ضعف يمكنهم مقارنتها مع النجاح المعلن للرئيس ترامب. وسيؤدي أي هجوم إرهابي دموي على الأراضي الأمريكية إلى توجيه اتهامات بأن الديمقراطيين أظهروا مرة أخرى عدم قدرتهم على منع الإرهاب.

القوات الأمريكية في أفغانستان
القوات الأمريكية في أفغانستان

اقرأ أيضًا: حال انسحاب القوات الأمريكية: هل يصمد الأمن الأفغاني أمام طالبان؟

خيارات بايدن

على الرغم من الاختلافات في الخطاب السياسي، كانت مستويات القوات الأمريكية بشكل عام في مسار تنازلي في العراق بعد عام 2007، وبعد العودة لمواجهة داعش في عام 2014، عاد الاتجاه التنازلي، كما كان المسار تنازليًا أيضًا في أفغانستان منذ عام 2011، ما يشير إلى رغبة مشتركة من قبل أربعة رؤساء لتقليص الدور العسكري للولايات المتحدة وتقليص عمليات الانتشار الجديدة في المنطقة، وهو المسار الذي يود الرئيس جو بايدن أيضًا استكماله.

وعلى الرغم من قلة الأعداد الباقية المُقدَّرة بنحو 2500 من القوات الأمريكية، فإن القرار المتخذ بشأنها سيكون له أهمية رمزية كبيرة، حيث يمكن أن يحدد السياسة الخارجية لبايدن خلال السنوات الأربع القادمة، وسيبني خصوم وحلفاء الولايات المتحدة توقعاتهم للسلوك الأمريكي في ضوئه.

وبينما أطلقت إدارة بايدن في أوائل مارس 2021 جهودًا دبلوماسية رفيعة المستوى لدفع عملية السلام في أفغانستان، فإن عدم نجاح هذه الجهود سيجعل واشنطن أمام خيارات محددة، وهي:

  • الانسحاب السريع لبقية القوات الأمريكية من أفغانستان:

فقد أوضح وزير الخارجية الأمريكية في رسالته في أوائل مارس 2021 إلى الرئيس الأفغاني أن واشنطن تدرس هذا الخيار ضمن الخيارات الأخرى، ولا يشترط هذا الخيار تاريخ 1 مايو، إنما سيراعي تحديد التاريخ وفق المتطلبات الأمنية واللوجيستية لمغادرة آمنة (وهو ما تم بالفعل).

ويجادل مؤيدو هذا الخيار بأن الحرب التي أودت بحياة 2400 أمريكي وأكثر من 2 تريليون دولار، قد تحولت إلى كارثة للولايات المتحدة، في الوقت الذي لا تزال فيه طالبان أقوى من أي وقت مضى.

ويرون أن إصلاح المجتمع الأفغاني يتجاوز قدرات الولايات المتحدة أو مسؤوليتها، ويُحذِّرون من أن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان إلى ما بعد الأول من مايو سيجعلها أهدافًا لتجدد عنف طالبان، بالإضافة إلى تقويض عملية السلام من خلال إرسال إشارة للحكومة الأفغانية بأن واشنطن ستستمر في دعمها على الرغم من فسادها وعدم فعاليتها.

على الجانب الآخر، يحذر البعض من أن الانسحاب الأمريكي المتسارع سيشجع حلفاء الولايات المتحدة على الخروج وإضعاف معنويات القوات الأفغانية، وسيشجع طالبان على تصعيد العمليات العسكرية في هجوم نهائي لفرض سيطرتها على الريف والمدن، ما يؤدي إلى الذعر وكارثة إنسانية محتملة.

يجادل معارضو الانسحاب أيضًا بأن الانسحاب الأمريكي سيكون له عواقب خارج أفغانستان.

  • إعلان أن انسحاب المزيد من القوات من أفغانستان في هذا الوقت سيقوض الأمن القومي الأمريكي:

تحتفظ طالبان بعلاقات وثيقة مع القاعدة، ولم تفِ بالتزامها بخفض مستوى العنف، وقد خلص أحد التقديرات إلى أن غياب القوات الأمريكية سيمنح طالبان ميزة عسكرية طفيفة تنمو في غياب المستشارين الأمريكيين، كما أن انسحاب القوات الأمريكية يعني أكثر من خسارة القوة البشرية العسكرية، حيث يخلق تصورًا بأن الهزيمة أمر لا مفر منه، ويُسرِّع الانهيار السياسي والعسكري، على غرار اتفاق سحب القوات من فيتنام.

لذلك يعارض أنصار هذا الاتجاه “العمل المتسرع للوفاء بموعد نهائي تعسفي”.

بينما يجادل المعارضون بأن تدمير طالبان سيتطلب استثمارًا عسكريًا أمريكيًا وتطبيقًا قاسيا للقوة العسكرية غير المقبولة للشعب الأمريكي والمناقضة للقيم الأمريكية، وبما أن الولايات المتحدة لا تستطيع تغيير الأمور في أفغانستان، فإن الانسحاب الأمريكي في وقت ما هو قرار أحادي الجانب، تحدده فقط المصالح الأمريكية، وليس الظروف في أفغانستان.

  • استمرار التخفيض وتجنب الانسحاب الكامل:

يدفع المؤيدون لهذا الخيار باستمرار الالتزام الرمزي بوجود قوة صغيرة، والذي يُسهِّل زيادة القوات إذا اقتضت الظروف ذلك، كما يسمح للإدارة الأمريكية بقدر أكبر من المرونة، إلا أن معارضي هذا الاتجاه يقولون بأنه يخاطر بتجدد هجمات طالبان، وأن القوات الباقية ستكون غير كافية لتحقيق أي فائدة استراتيجية للولايات المتحدة، وحتى مع إعلان جدول زمني مؤقت جديد للانسحاب الكامل، فإنه سيكون بلا مصداقية.

  • إعلان أن الانسحاب ينطبق فقط على القوات البرية الأمريكية المشاركة في عمليات قتالية غير مكافحة الإرهاب:

وهو الأمر الذي تحقق واقعيًا إلى حد كبير، ولا يعلق المساعدة أو التدريب أو العمليات الجوية التي توجه ضد أهداف إرهابية. وهو ما يعيد صياغة دور الولايات المتحدة في أفغانستان.

  • تكثيف الجهود الدبلوماسية وتجاهل الموعد النهائي للانسحاب:

وافقت الولايات المتحدة على جدول زمني سريع للانسحاب بحلول 1 مايو 2021، مدفوعة بالبحث عن صفقة سريعة، إلا أن المفاوضات سارت ببطء شديد، حيث لم يكن هناك حافز كبير لطالبان للقيام بأكثر من انتظار الانسحاب، فلم يتبادل الجانبان الأجندات المقترحة، ولم توافق طالبان على النظر في وقف إطلاق النار حتى يتم حل جميع المسائل الأخرى.

وبينما تكمن مزايا هذا الخيار في وقف تصاعد العنف ومعالجة بعض المخاوف الإنسانية. فإن رفض طالبان له وتجديد استهدافها للقوات الأمريكية سيضع عبء مسؤولية استمرار إراقة الدماء على كاهل بايدن.

  • إعلان مراجعة الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في العالم مع تأخير الانسحاب:

تهدف هذه المراجعة إلى تحديد أفضل السبل لمتابعة عمليات مكافحة الإرهاب الضرورية، مع زيادة قدرة الحكومات الأخرى على مواجهة التحديات الأمنية ذات الاهتمام المشترك بنجاح.

وعلى الرغم من أن التدريب والمساعدة العسكرية عنصران مهمان في هذه الجهود، فإن المراجعة ستتناول أيضًا التدابير غير العسكرية.

ويجادل مؤيدو هذا الخيار بأنه طريقة أخرى لكسب الوقت للتفكير في العواقب الأوسع للانسحاب من أفغانستان، وكذلك انسحاب القوات في المستقبل من العراق وسوريا وأماكن أخرى. ويرون أنه من الأفضل تجاهل الموعد النهائي التعسفي على المدى القريب لصالح إجراء مراجعة هادئة وشاملة.

إجمالًا، وبعد إعلان بايدن الأخير عن قراره -بالفعل- بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، بدايةً من الأول من مايو، وانتهاءً في تاريخ 11 سبتمبر 2021، ربما يبدو أنه اتخذ خياره النهائي، ولكن سيولة المشهد الأفغاني، وتضارب مصالح الأطراف المعنية هناك، ربما تبعثر أوراق اللعب مُجددًا، ليطرأ تغيير جديد على الوضع العسكري الأمريكي في أفغانستان قبل 11 سبتمبر 2021.

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى