سياسة

إثيوبيا “الرافضة”.. هل تمثل “فرنسا الإفريقية” حلا ممكنا لأزمة سد النهضة؟

تواصل الدولة الإثيوبية رفض الوساطات الدولية التي تدخلت من أجل حل أزمة سد النهضة الإثيوبي، بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية ووساطة الرئيس السابق دونالد ترامب، مرورًا بطلب مصر تدخل رباعي دولي، انتهاء بالمحاولات الإفريقية من جانب الكونغو وجنوب إفريقيا حتى أصبحت السمة الغالبة على الأسلوب الإثيوبي التعنت وفرض الأمر الواقع وعدم الاستجابة لأي وساطة خارجية.

وعلى الرغم من تعدد الوساطات الدولية التي حاولت الوصول إلى اتفاق ملزم، فإن فرنسا، بما لها من ثقل إفريقي كبير، لم تكن من ضمن البلاد التي حاولت التدخل بشكل مباشر للضغط على الجانب الإثيوبي من أجل التوصل إلى اتفاق، حيث تشير الدكتورة هبة البشبيشي، الخبيرة في الشؤون الإفريقية، إلى ضرورة تدخل فرنسي في أزمة سد النهضة، كون فرنسا اشتركت في اتفاقية تقسيم المياه عام 1995، وهي من أعدت المسودة بالكامل، ولديها المكتبان اللذان أعدا دراسات عن سد النهضة، داعية الجانب المصري، إلى المطالبة بوجود فرنسا في مجلس الوسطاء، ولكن هل تتدخل فرنسا في الفترة المقبلة أصلا في أزمة السد؟

موقف باريس من دعم مصر في أزمة سد النهضة؟

محمد الألفي أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة السوربون
محمد الألفي أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة السوربون

الدكتور محمد الألفي، خبير الشؤون السياسية وأستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة “السوربون” الفرنسية، يجيب عن السؤال قائلًا إن فرنسا دولة كبيرة، ولها بالفعل وجودها المؤثر في القارة الإفريقية، وتستطيع أن تقدم استشارات عن طريق مكاتبها الفنية بحكم خبرتها في مسألة اتفاقيات الأنهار ومسألة السدود وتشغيلها، كما أن لديها مكاتب تمتلك خبرة ضخمة جدًا، وتقوم بتنفيذ مشروعات كبيرة داخل فرنسا وفي أوروبا والعالم.

قبل التفكير في مسألة النفوذ الفرنسي في إفريقيا يجب العودة إلى خريطة الاستعمار القديمة للقارة، حيث إن فرنسا لم تكن في شرق إفريقيا ولا تمتلك نفوذا كبيرا في تلك المنطقة، وإنما اقتصر نفوذها على وسط وغرب إفريقيا، والذي تنوع ما بين السياسي والعسكري والتمويلي في بلاد مثل: رواندا وبوروندي، وهي البلاد التي تعد داخل دائرة “حوض النيل”، وهنا تستطيع فرنسا تقديم النصح فقط لبعض الأصدقاء بإفريقيا في هذا الشأن.

يشير الألفي إلى التشعبات الموجودة في إثيوبيا المرتبطة بالاستثمارات الخارجية في السنوات الأخيرة، حيث التنوع بين استثمارات صينية وإسرائيلية وخليجية وغيرها، وهذا ما دفع بعض الأطراف الدولية للتدخل على الخط مثل تركيا، الدولة التي تعادي مصر، حسب قوله، والتي دخلت على الخط للضغط على مصر عن طريق دعم إثيوبيا.

إقرأ أيضا: “مماطلة” إثيوبية معتادة في أزمة سد النهضة قد ينهيها تدخل فرنسي

تحركات تركية

وتابع: “تدخلت تركيا لتساعد إثيوبيا في أن يكون لها مخرج مائي عن طريق الصومال عبر إنشاء قواعد عسكرية في الصومال، لتجعل إثيوبيا المحاصرة تمتلك أسطولا عسكريا حتى لا تظل دولة حبيسة، وتستطيع أن ترد بشكل أو بآخر، وفي الوقت نفسه خرجت إثيوبيا عن طريق جيبوتي، والذي أصبح مخرج مائي جيد لها”، مضيفًا أنه من أجل تفكيك كل هذه الشبكة لا بد أن يكون لنا مصالح مع كل الأطراف ولا مانع لاستخدام سياسة “العصا والجزرة” وتقديم “السبت للحصول على الأحد” وخلق المصالح، ومصر نجحت في هذه السياسية ولها اتفاقيات مع بوروندي ورواندا والكونغو تتنوع بين الاقتصادي والعسكري.

وقال الألفي إن الوضع الداخلي في إثيوبيا يحكمه عنصر هام، وهو وجود عرقيات مختلفة جدًا بالمجتمع الإثيوبي، فالسد بالنسبة لهم أمر مصيري وحيوي، وهم يجمعون على أهمية وجوده وإلا أتت الحرب الأهلية، كما أنهم يرفضون أي وساطة دولية مثل التدخل الأمريكي، أو حتى وجود وساطات لدول إفريقية مثل: جنوب إفريقيا والكونغو “.

ويضيف أن ” الإثيوبيون يقدمون وعودا كاذبة ليل نهار“، أما عن دور فرنسا فيقول: “فرنسا تستطيع دعمك إذا ذهبت إلى مجلس الأمن وتستطيع تشكيل قاطرة لدعم الاتحاد الأوروبي لك، وخصوصًا ألمانيا”، مشيرًا إلى أن هذا الأمر هم يتخوفون منه ولذلك رفضوا طلب مصر بتدخل الرباعية الدولية من أجل حلحلة الأزمة والوصول إلى اتفاق ملزم حول الملء والتشغيل.

مسؤولة فرنسية لـ”ذات مصر”: “باريس” ستظل على الحياد 

جيهان جادو عضو المجلس المحلي لمدينة فرساى
جيهان جادو عضو المجلس المحلي لمدينة فرساى

الدكتورة جيهان جادو، العضو بالمجلس المحلي لمدينة فرساى بفرنسا، تقول إن موقف فرنسا صعب للغاية في هذا الموضوع وترى أنها ستظل على الحياد لعدة أسباب، أولها مصالحها الشخصية المتمركزة في الساحل الإفريقي، وأيضًا وضعها في السيطرة على بعض الدول في إفريقيا.

وأضافت السياسية الفرنسية-المصرية في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”، أن فرنسا تواجه حاليًا مشكلة كبرى في مالي، حيث يقتل يوميًا جنود فرنسيون على يد الأفارقة، لذلك لا تريد فرسا افتعال مشاكل أخرى في دول إفريقية ثانية، مراعية بذلك مصالحها الشخصية، مشيرة إلى أن مسألة الوساطة في مشكلة سد النهضة قد تُرى من خلال بعض أطراف المشكلة بمثابة تدخل وإثارة بلبلة في الأوساط الإفريقية، وستُهاجم جراء ذلك لأنه من الأولى حل مشكلاتها مع مالي والدول الإفريقية الأخرى والتي تفرض فرنسا زعامتها عليها.

وقالت جادو: “من وجهة نظري فرنسا تضع في اعتبارها التحالف المصري السعودي الإماراتي والبحريني، ولا تريد التدخل طالما هناك اتحاد في هذا الشأن، وفرنسا كدولة عظمى في الاتحاد الأوروبي ستظل ساكنة حفاظا على مصالحها أولا، وثانيًا ستتحرك عندما يتحرك المجتمع الدولي أجمع، لكنها ستظل في المرتبة الأخيرة، وليس في الصدارة حتى لا يترتب على إثر ذلك مشكلات أكبر في المستقبل”.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى