إثيوبيا وشبح التفكُّك

نحو السيناريو اليوغسلافي

منذ وصوله للسلطة في إبريل 2018، نجح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في مراوغة الجميع في الوصول لحلول حقيقية أو تسوية للمشكلات العالقة بشكل جدي؛ إلا أنه يواجه حاليًا تحديًا وصدامًا خطيرًا ظل مؤجلًا لشهور منذ نهاية العام الماضي، بعد قراره بحل “الجبهة الديمقراطية الثورية” التي ظلت تحكم البلاد طوال ثلاثة عقود، وفي قلبها جبهة تحرير إقليم “التيجراي” شمال شرق إثيوبيا.

وواجهت جبهة تحرير “التيجراي” عزلًا متواصلًا من قِبَل آبي أحمد لعناصرها وقيادييها، مما أسفر عن صدامٍ ترتب عليه مُضيّ إقليم التيجراي قُدمًا في انتخاباته بالمخالفة لقرار مجلس الاتحاد، وهي الانتخابات التي جرت صباح اليوم عكس رغبة آبي أحمد في تأجيلها.

موجز لأزمة "التيجراي"

تظل أزمة إقليم التيجراي في قلب التغيرات الداخلية الجارية في إثيوبيا في ظل تشابكها وارتباطها بالقوى الإقليمية، لا سيما مع إريتريا المجاورة لإقليم التيجراي، وربما تكون الأزمة أخطر مؤشر على إمكانية تفكك الدولة الإثيوبية بشكلها الحالي، أو على الأقل فشل مشروع آبي أحمد “الإصلاحي”.

أبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا

وبدأت الأزمة منذ لحظة صعود آبي أحمد إلى قمة السلطة في إبريل 2018، وبدئه في تفكيك شبكات سلطة “الجبهة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية”، والتي تم حلّها بالفعل في نهاية العام الماضي 2019، عقب نيله جائزة نوبل للسلام مباشرة، مما مثَّل مصدرًا للانشقاقات السياسية في قلب الدولة الإثيوبية.

 وتمثل “جبهة التحرير الشعبية التيجرانية” العدو الداخليّ الأول (من جهة قدراتها التنظيمية والعسكرية) لرئيس الوزراء الإثيوبي، في ضوء تمكنها من مفاصل الدولة طوال ثلاثة عقود، مما يعني قدرتها على مواجهة جهود آبي أحمد لإعادة تشكيل التحالف الحاكم، والتراجع عن أغلب “منجزات” الجبهة المنحلة.

وكان ملفتًا عجزُ الحكومة المركزية عن حل الأزمات الإثنية بوسائل سلمية، ولجوءُها لخيار العنف المفرط منذ منتصف العام الجاري في إقليم “أوروميا” أكبر أقاليم البلاد مساحةً وعددًا، في وقتٍ يهدد فيه بعض أنصار آبي أحمد باللجوء للقوة العسكرية لحل أزمة “التيجراي”.

ويرى مراقبون إثيوبيون أن تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية وجماعات المعارضة، لا سيما من “التيجراي” و”الأورومو”، يهدد بمزيد من عدم الاستقرار والتشرذم في إثيوبيا.

انتخابات رغم أنف رئيس الوزراء
ناخبون في ميكيلي كبرى مدن منطقة تيجراي في إثيوبيا اليوم- أف ب

عزز آبي أحمد مقاربته المزدوجة، وغير الحاسمة، لحل أزمة إقليم التيجراي، ودفْع ملف السلام مع إريتريا للأمام نهاية يوليو الفائت، وهو السلام الذي يتوقف تحقيقه على موقف إقليم “التيجراي” منه، بحكم تعلقه بإعادة أراضٍ من الإقليم إلى أريتريا.

وحين التقى آبي أحمد بجماعات المعارضة في أديس أبابا، أكد خلال الاجتماع استمرار مساعي “استبعاد القوى المضادة للإصلاحات والعناصر الفاسدة داخل أبنية الحكومة”.

وجاء ذلك في وقت حرص فيه آبي أحمد على توجيه خطابٍ إعلامي “توافقي” للتيجرانيين، مما يعني استمرار سياسة إرسال رسائل متضاربة لإطالة الأفق الزمني للأزمة، وبالتالي أضفى مزيدًا من الغموض على سياساته.

وبموازاة ذلك، حرص آبي أحمد على استخدام “المعارضة الشكلية” في مواجهة قوى المعارضة الكبيرة، وأشادت مجموعة من الأحزاب التي التقى بها مؤخرًا بسد النهضة، كمبرر لدعم آبي أحمد، كما أشادت بحهود الحكومة في منع انتشار جائحة كورونا، وكذلك بالوضع الأمني في البلاد، دون أن تقدم مراجعات حقيقية لأداء رئيس الوزراء.

وعقب الاجتماع مع الأحزاب المؤيدة، صدر بيان عن مكتب رئيس الوزراء أكد: “استمرار عملية التطهير الداخلية، وأنه سيتم تخفيف الاختناقات الدستورية بالتدريج”، ما يُعد تهديدًا واضحًا لكوادر جبهة تحرير “التيجراي”.

ومع تشدد عناصر “الجبهة الشعبية التيجرانية” ضد سياسات آبي أحمد، اقترح موالون لنظامه اتخاذ إجراءات من قِبَل الحكومة الفيدرالية إزاء “إقليم التيجراي” تشمل وقف تحويلات الموازنة للإقليم في ضوء التشكك في “استخدام الجبهة التيجرانية مخصصات من الموازنة لخلق الفوضى في إثيوبيا وقمع مواطني الإقليم المؤيدين للحكومة”.

كما اقترحوا تعليق إمدادات الوقود للإقليم، ووقف التجارة في السلع والخدمات مع الإقليم، وفصْل كافة أعضاء ومؤيدي “جبهة التحرير التيجرانية” من الوظائف الحكومية الفيدرالية والإقليمية. الأمر الذي يمهد لتفاقم الأمور في الإقليم، والإطاحة بأي حلول حقيقية في ملف السلام مع إريتريا فيما يتعلق بإعادة الأراضي المحتلة للأخيرة، وترسيم الحدود بين البلدين، ومن ثمّ حصر النظرة المستقبلية “لإعلان السلام” في المجال الاقتصادي والإقليمي.

انتخابات إقليم تيجراي

وفي هذا السياق، فإن الانتخابات الولائية في إقليم “التيجراي” التي عقدت في السادسة من صباح اليوم، بإقبال حاشد خلف القيادة الإقليمية في مواجهة آبي أحمد؛ تمثل نقطة تحوّل خطيرة في مسار إثيوبيا نحو السيناريو اليوغسلافي، وليس المثال الروسي كما يحاول رئيس الوزراء الترويج له، لا سيما بتبنيه ما يسمى سياسة “الاندماج الوطني” أو “ميدمر” Medemar التي أصدرها في كتاب لمقاربة هذه المشكلة، كصيغة مقارنة مع “الجلاسنوست” (الانفتاح) و”البيروسترويكا” (الإصلاحات الاقتصادية) الروسيتين.

وتأتي الانتخابات وسط حالة احتقان بالغ بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا ومؤسسات الحكم الداعمة لآبي أحمد (خاصة مجلس الاتحاد House of Federation) من جهة، وحكومة إقليم التيجراي من جهة أخرى.

فقد وصف مجلس ولاية “تيجراي” في إعلان رسمي 7 سبتمبر، قرار مجلس الاتحاد الصادر في 5 سبتمبر الجاري، والذي أعلن رفض الاعتراف بأية نتائج للانتخابات، بأنه “يرقى لإعلان حالة الحرب على الإقليم”.

كما أن مُضيّ إقليم “التيجراي” في الانتخابات، التي تُعد جزءًا من الانتخابات العامة في إثيوبيا، وأُجّلت لأكثر من مرة، لأسباب وحجج واهية، فسرّها معارضو آبي أحمد بمسعاه للاستمرار في الحكم دون شرعية حقيقية؛ سيجعل من تجربة الإقليم أمرًا قابلًا للتكرار في أقاليم أخرى.

وتكمن خطورة الانتخابات في أن إقليم “التيجراي” يُمثّل حتى الآن المعارضة السياسية الأبرز ضد آبي أحمد في البلاد، ويعني ذلك أن نجاح الانتخابات، التي سيختار الناخبون فيها أعضاء برلمان الإقليم الذين سينتخبون بدورهم حكومته وإدارييه، سيقوي مركز المعارضة الإثيوبية ككل.

السيناريو اليوغسلافي

تلفت المعارضة التيجرانية لآبي أحمد “وإصلاحاته” إلى استخدامه جائحة فيروس كورونا كمبرر لتأجيل الانتخابات، والتهرب من تحقيق إصلاحات وطنية، والاكتفاء بإحكام قبضته على السلطة يومًا بعد آخر.

وتنتقص مساعي آبي أحمد لإنجاز تصوره للوحدة الوطنية الإثيوبية من مكانة النظام الفيدرالي الذي يضمن درجة كبيرة من الاستقلال الذاتي للأقاليم المختلفة وإثنياتها، لا سيما التيجراي والأمهرة والأورومو.

وتتفق المعارضة السياسية على رهن آبي أحمد عقد الانتخابات بالتمكين لحزبه “الازدهار”، والذي يواجه مشكلات حقيقية على المستويات التنظيمية والأيديولوجية والقبول الشعبي.

في المحصلة، فإن نجاح تجربة انتخابات “التيجراي” وما ستسفر عنه غالبًا من إعادة انتخاب جبهة تحرير التيجراي وكوادرها لقيادة الإقليم في الفترة المقبلة، سيمثل ضربة قوية لجهد آبي أحمد لاحتواء “الإقليم” الذي يمثل حجر عُثرة أمام اتفاق السلام الإثيوبي-الإريتري، وبه إمكانيات لتنظيم معارضة سياسية قوية ضد نظام آبي أحمد حال استمراره داخل الاتحاد، إضافة إلى قدرة الإقليم العملية على الانفصال عن إثيوبيا دون أن تَلحق به أضرار اقتصادية أو عسكرية تذكر، كما سيطيح بسياسته الرامية للقفز فوق الملفات الشائكة وتأجيل حسمها ريثما تكون الظروف مواتية تمامًا.

يوغوسلافيا الفيدرالية قبل التفكيك

وعلى النقيض من أيديولوجيا “الاندماج الوطني” التي يروج لها آبي أحمد بشكل إعلامي دون ملامستها للمشكلات الحقيقية لغالبية المواطنين الإثيوبيين، سواء في الأقاليم الكبيرة مثل أوروميا والتيجراي والصومالي؛ فإن نجاح إقليم “التيجراي” في الفكاك من مراوغات آبي أحمد وإجراء انتخابات ناجحة سيقدم مثالًا يُحتذى لأقاليم أخرى، وسيضع آبي أحمد للمرة الأولى أمام مسئولياته الداخلية بشكل واضح، لا سيما ملف التحول الديمقراطي.

وربما يقود لاحقًا إلى استبعاد آبي أحمد من رئاسة الوزراء، أو في حالة تمسك آبي أحمد بالسلطة وممارسة سياساته المراوغة والقمع الانتقائي داخليًّا، إلى انطلاق مسار السيناريو اليوغسلافي في إثيوبيا، وبسرعة ربما تكون غير متوقعة بالمرة.

وشكّلت يوغسلافيا واحدة من أهم الدول الاتحادية في القرن العشرين، منذ العام 1919، وإعلانها مملكة في العام 1929 تضم أقاليم مجاورة، واستمرت حتى العام 1946 عند قيام جمهورية يوغسلافيا الفيدرالية الاشتراكية، وتفككت عام 1992 إلى جمهوريات مستقلة حاليًا، وهي: كرواتيا والبوسنة والهرسك وشمال مقدونيا وسلوفينيا، إضافة إلى ما تعرف بيوغسلافيا الثالثة: صربيا والجبل الأسود.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد عبد الكريم

باحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram