سياسةمختارات

“إخوان” مصراتة إلى استقالة جماعية.. شرخ أكيد.. ومناورة مُحتملة

 

“حبَّة تلو حبَّة” تنفرط مؤخرًا، مسبحة جماعة الإخوان في ليبيا، بدءًا بإعلان رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، تركه الجماعة في مطلع العام 2019، ووصولاً إلى الاستقالة الجماعية التي دبّت في فرع الجماعة في مدينة مصراتة.

وبرر “إخوان” مصراتة، في بيان 21 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، موقفهم بأنه جاء “انطلاقًا من المراجعات داخل الجماعة”، مضيفين أن  “السياق الزمني الذي نشأت فيه الجماعة والتطور الزمني يحتم القراءة الجديدة والمراجعة والتصويب، فصواب الأمس قد لا يناسب متطلبات اليوم”، وذكّروا بمؤتمر الجماعة في العاشر من العام 2015، “الذي تم فيه إقرار تلك المراجعات بأغلبية مطلقة، (ليكون) عنوانًا لمرحلة جديدة كنا نتمناها ونحرص على ميلادها، غير أن تسويف قيادة الجماعة وتعطيلها تلك القرارات، دعانا لاتخاذ موقف تجاه هذه المماطلة”.

البيان استطرد: “استجابة لنصح الناصحين الغيورين على مصلحة الوطن، وقناعة منا جميعًا بهذا المسار، نعلن بعد تحاور وتشاور، وبملء إرادتنا، نحن أعضاء جماعة الإخوان من أبناء مدينة مصراتة، استقالتنا الجماعية، وبالتالي حلّ التنظيم في المدينة”.

شعار جماعة الإخوان

مراجعات 2015

هذه الاستقالات جاءت لتدلل على حالة غضب تسود أفراد جماعة الإخوان في ليبيا، بسبب عدم تطبيق ما اتُّفِق عليه من مراجعات في المؤتمر المنعقد في شهر أكتوبر/تشرين الأول، قبل 5 سنوات من الآن، بحسب ما كشفته مصادر مقربة من الجماعة في ليبيا لـ”ذات مصر”.

المصادر أشارت إلى أن تلك الفترة شهدت مواجهات بين الحكومة الموقتة المعترف بها دوليًّا، ومن ورائها مجلس النواب، في حين كان في الطرف الآخر حكومة الإنقاذ المدعومة من “الإخوان”، والمتكونة من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته وقتها.

ما أزعج الجماعة حينها هو تقرير صحيفة “الجارديان”، الصادر قبل انعقاد “مؤتمر المراجعات” بنحو شهر، والذي كشف عن إدانة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا في حينها، برناردينو ليون لنشاط “الإخوان”، محملاً إياهم مسؤولية عدم نجاح جولات الحوار الليبي، كما كشف التقرير عن وضع ليون خطة من أجل “تفكيك التحالف بين تجار مصراتة الأغنياء والإسلاميين”.

وكان التقرير الذي نشرته الصحيفة البريطانية سببا بعد ذلك في تخلي ليون عن منصبه الأممي، حيث كان يحاول حشد دعم من اللاعبين الدوليين الأساسيين، وبالتحديد أوروبا والولايات المتحدة، ضد “الإخوان”، ما دفع الجماعة لاتخاذ قرارها بـ”الحل”، كما تقول المصادر، وحماية مشروعها الذي كان يتمثّل في حكومة الإنقاذ.

أعلام جماعة الإخوان

الصخيرات غيّرَ كل شيء

لكن جاء اتفاق الصخيرات ليغير كل شيء، فبعد تشكيل حكومة الوفاق في ديسمبر/كانون الأول من العام 2015، خاضت حكومة الإنقاذ حربًا أخرى ضد الحكومة الغريمة الجديدة، استمرت حتى العام 2018 حتى دخلت تركيا على الخط، وبالتوافق عُينَ وزير الداخلية المقرب من الإسلاميين فتحي باشاغا في حكومة الوفاق، وبدا المشهد كأن الجماعة استطاعت أن تدلف إلى السلطة “التي قُدمت بدعم دولي”، ولم تعد تحتاج إلى تطبيق المراجعات، كما تشرح المصادر.

إلا أن هذا الأمر لم يمنع البعض داخل الجماعة من الإصرار على تطبيق ما اتفق عليه، كما تُبيِّن المصادر، موضحة أن البداية كانت مع المشري الذي أعلن استقالته في 27 يناير/كانون الثاني العام الماضي، ثم توالت المواقف المشابهة، التي تسعى لـ”خلق تيار جديد يعمل وفق الأجندة القديمة”.

اتفاق الصخيرات


مناورة قبل الانتخابات

ويرى المحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم، أن الهاجس الأكبر للإخوان في ليبيا هو أن يلقوا مصير نظرائهم في مصر، الذين سقطوا على نحو مُدوٍّ، ولم يعد لهم قبول أو وجود في الشارع، بعدما تورطوا في أعمال العنف، ولذا يسعون لتجنب هذا المصير، عبر المراجعات التي أطلقوها في السابق، ومن ثم يسعون للانصهار في النسيج الليبي مرة أخرى، ساعين للعمل في ظل الظروف الجديدة البعيدة عن الشعارات الدينية.

وقالن إن لدى “الإخوان” قناعة بضرورة تقديم تنازلات كبيرة، بالإضافة إلى قبول النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات التشريعية المقبلة، مذكرًا بأن الإسلاميين في انتخابات 2014 لم يحصدوا سوى أقل من 20%، وهي نسبة أقل بكثير مما توقعوه أمام التيارات المدنية والليبرالية في ليبيا، وهو ما دفعهم في حينها لرفض نتائج الانتخابات، لتدخل البلاد في دوامة من المواجهات الأهلية، التي ما زالت تعاني من آثارها حتى يومنا هذا.

ومع التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في ليبيا، والحديث حاليًّا عن انتخابات تشريعية مرتقبة، يرى المحلل السياسي أن المناورة قد تؤتي أُكُلها، “تحسين سمعة (الأعضاء المستقيلين) في المجتمع الليبي”، واستعادة الثقة مجددًا في الشارع، ثم الترشح إما بنحو مستقل، وإما بالتوحد خلف أحزاب سياسية مختلفة ومتنوعة، وبدلاً من أن يكون هناك حزب واحد معبر عن الجماعة، “ربما نجد 7 أو 8 أحزاب تحمل نفس الأفكار وتتوحد داخل البرلمان بعد الانتخابات؛ لتنفيذ أجندتها”.

وسبق إخوان مدينة الزاوية، رفاقهم في مصراتة، في مغادرة الجماعة وإعلان “حل فرعها” بالمدينة في يوم 13 أغسطس/آب الماضي.

وقال المستقيلون في بيان إنهم “استجابوا لنداء الكثير من المخلصين من أبناء الوطن” من أجل اتخاذ هذا القرار، مشيرين إلى “ما تمر به ليبيا من تجاذبات واصطفافات”، بل وذكّروا أيضًا قيادات الجماعة بمراجعات العام 2015 بشأن مستقبل التنظيم.

المُحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم

وأكملوا: “وبناء على ذلك قررت الجماعة إحداث تغيير في وجودها يغّلب المصلحة العليا للوطن والمواطن، وبسبب المماطلة والتأخير المستمر في تطبيق القرار: فقد قررنا نحن أبناء مدينة الزاوية الذين كنا ننتمي لجماعة الإخوان الليبية الاستقالة الجماعية، وبهذا نعتبر فرع الجماعة بمدينة الزاوية منحلا من هذا التاريخ”.

هجوم القيادات

من جانب آخر هاجمت قيادات الجماعة ما سمتها بـ”الاستقالات الإعلامية”، مفصحة عن حالة من الاحتقان الداخلي الذي تشهده في الآونة الأخيرة، مردفة أنه “لا يمكن لأي فرد أو مجموعة في أي فرع إدعاء حق حل الفرع أو تجميده، فهذا اختصاص أصيل لإدارة المؤسسة”.

وتابعت في بيان: “الاستقالة الفردية مهما كانت دواعيها فطريقها معلوم، وعلى كل عضو أن يتقدم بطلب رسمي للإدارة ممهور باسمه وتوقيعه”، ثم دافعت عن موقفها من عدم تطبيق المراجعات، معقبة بأنه “لا يوجد أي تعطيل لقرارات المؤسسة وما تأخر تنفيذه منها، هو لأسباب موضوعية، وأخرى طارئة معلومة في أروقة الجماعة، وهذا موثق بمحاضر رسمية واستفتاءات داخلية”.

وقللت القيادات من شأن المستقيلين، قائلة إن “ارتباط جماعة الإخوان بالفكرة والمشروع والأهداف، أما ارتباطها بالأشخاص فهو من باب التعاون، فقد انخرطوا في صفوفها طواعية لإيمانهم بها، فهم مرتبطون بها ما داموا مقتنعين وملتزمين”، ثم اتجهت إلى “النفي التام” لمسألة حل الجماعة، مشيرة إلى أن “ما صدر من قرارات (حول هذا الشأن) هو في إطار تحسين وتطوير العمل ومواكبة التغيرات، التي لا تزال مستمرة إلى الآن”.

قيادات الإخوان في ليبيا

عودة للعمل السري؟

يرى البعض أن ما حدث مجرد محاولة إعادة إنتاج للجماعة، فقد وصف الكاتب الصحفي الليبي الحسين المسوري بيان “إخوان” مصراتة بـ”المثير للسخرية”، مضيفًا أنهم يريدون أن يطلقون “مشروعًا” جديدًا.

وتساءل، في حديثه إلى “ذات مصر” عن السر وراء عدم إفصاح المستقيلين عن أسمائهم، قائلاً: “البيان يتحدث عن استقال جماعية لكن دون ذكر اسم مستقيل واحد، من هم الذين استقالوا؟ ومن هو مسؤول الفرع الذي ارتأى أن يحل الفرع؟ وهل يملكون بالفعل القدرة على إنهاء نشاط الجماعة بهذه البساطة؟”، مضيفًا أنهم لو كانوا جادين حقًّا في تلك الاستقالة “لخرجوا إلى العلن بهوياتهم”.

ويفسر المسوري هذه “الاستقالة” بأنها مجرد “مناورة”، من أجل إعادة إنتاج الإخوان بشكل جديد، ولكن بنفس المبادئ والأفكار، متابعًا: “هم يريدون العودة للعمل السري، والعمل تحت الأرض، كما كانوا يفعلون ذلك قبل ثورة 17 فبراير/شباط”.

ولعل ما يؤكد ذلك ما جاء في بيان “إخوان” مصراتة، فقد قالوا إنهم سيواصلون “العمل من خلال المؤسسات المجتمعية العديدة كل حسب مجاله ورغبته”، بل إن بيان الجماعة الذي هاجمهم على نحو كبير، حمل رسالة ضمنية ترحب بهذا الأمر، فقد جاء في ختامه: “وأخيرًا فإن ساحة العمل وخدمة الوطن تسع الجميع، وتحتاج إلى كل جهد مخلص يساهم في بناء الأوطان، متمنين الخير والتوفيق للجميع لما فيه الصالح العام”.

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى