حوار | إدريس الكنبوري

الإسلاميون واليسار حاولوا استغلال "الجابري" في معركتهم

يعدُّ “محمد عابد الجابري” واحدًا من أبرز رجال الفكر والثقافة العربية في القرن العشرين، بعد أنّ ذاع صيته كمفكر ثائر حملَّ أسلحة النقد، وسار بها نحو نقد التراث ومحاولة تفكيكه وتحليله، كما سار به نحو تفنيد و”تصفية” جملة من المشروعات الفكرية المعاصرة سواء الحداثية أو الإصلاحية السلفية في المشرق والمغرب في آنّ واحد.

امتدت رحلة “الجابري” لأكثر من 4 عقود تمخض عنها أكثر من 30 مؤلفًا مرجعيًّا في الفلسفة والتراث والفكر الإسلامي المعاصر، ونجح لحدِّ كبير في المزج بين التراث والحداثة منطلقًا من زاوية تشريح العقل العربي، ووضعه تحت منظار مختبره النقدي، ولم يعبأ بردة فعل الوسط الثقافي والفكري؛ ما جعله في مرمى النقد، خاصةً من قِبل “جورج طرابيشي” و”طه عبدالرحمن”.

 لم يُعمِل “الجابري” سلاح القطيعة مع التراث رغبةً في الوصل لا الفصل وتطبيقًا لمقولته: “بأنّ العقل بطبعه ماضوي يحن للأصول بوعي ويحن إليها من دون وعي”، حسب وصفه، وفي ذات الوقت كان شغوفًا بأسئلة الواقع الراهن، فـ”الجابري” كان يبحث عن نظرية منهجية لمشروعه الإصلاحي تجد حلًا ناجزًا لإشكالات الراهن العربي، وكان لسان حاله دومًا ما السبيل إلى النهضة؟

رحل “الجابري” وما زال منتجه الثقافي والمعرفي يحفّز رؤيةً تكرِّس وترسِّخ لدوره التوعوي والتنويري نحو التراث العربي والإسلامي، كما يستثير كثرةً من التأويلات والشروحات والنقد، الذي طال مجمل محصلته العلمية ومشاريعه الفكرية، ومن أهمها إسهام الأكاديمي المغربي “إدريس الكنبوري” الحاصل على الدكتوراه في علم مقارنة الأديان، والذي دشّنت آراؤه وملاحظاته النقدية حيال “محمد عابد الجابري” موجة من الجدل، الأمر الذي دفع “ذات مصر”؛ لأنّ يُجري معه حوارًا حولها للوقوف على حجيتها وبراهينها وأدلتها؛ من أجل إثراء الفكر النقدي البنَّاء.

ما الإطار النظري والمنهجي الذي بنيت عليه أطروحتك النقدية تجاه "الجابري"؟

ما كتبته عن “الجابري” عائد إلى اهتمام خاص بمراجعة بعض المُسَلَمَات، التي تلقيناها بطريقة تلقائية ولم نعد نضعها موضع شك أو تساؤل، وهو المنهج المعرفي العلمي الذي ينبغي أنّ يسود، ولذلك كان عليّ أنّ أضع “الجابري” في إطاره الأيديولوجي من ناحية، كمثقف كان عضوًا في حزب”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” طوال عقود، وناضل من داخله على الواجهة السياسية، وكتب العديد من المقالات المنافحة عن الحزب، خاصىةً في مرحلة “التناوب التوافقي” بين الملك الراحل “الحسن الثاني” والحزب عام 1998؛ حيث لاحظنا أنّ “الجابري” كتب سلسلة من المقالات نشرها في يومية “الاتحاد الاشتراكي” الناطقة باسم الحزب، وكانت تلك المقالات غارقة في النزعة الحزبية بحيث لم يكن فيها “الجابري” مثقفًا، بل كان عضوًا في حزب يدافع عن قيادته الحزبية، كما أنّه ظل منحازًا للخط الأيديولوجي لحزبه، ولم يقم بأي مراجعة علنية لفكره السابق، ربما خوفًا من قطع “حبل السرة” بينه واليسار المغربي”، الذي كان وراء نيله الشهرة بالداخل، ووراء الترويج الإعلامي له في الثمانينيات.

مفاهيم "الجابري" المغلوطة جنت على الثقافة العربية
ما المأخذ الرئيسي الذي وقفت عنده في مشروع "الجابري"؟ وهل يختلف عن ما طرحه "جورج طرابيشي" في نقد نقد العقل العربي؟

 هناك مآخذ كثيرة على “الجابري” أشدها أنّه جنى كثيرًا على الثقافة العربية الإسلامية، من خلال ترويجه لمفاهيم مغلوطة بعضها مبني على مجرد انطباعات بيانية، رغم أنّه كان ضد البيان، وذلك بسبب أسلوبه المبسط الذي يستطيع الجميع التعامل معه بصرف النظر عن مستواه الثقافي؛ ما أعطاه قدرة على الإقناع، ومن ذلك ثلاثيته الشهيرة التي تُعدّ في الحقيقة أكبر جناية جناها على الثقافة العربية ما زلنا نجر ذيولها إلى اليوم؛ بسبب شهرتها عند المثقفين والطلبة والباحثين، وتصنيمها وأخذها كمُسَلَمة علمية رياضية لا تقبل الجدل، رُغم أنّها ثلاثية غير علمية ومتهافتة، وأعني بذلك تقسيمة: “البيان والبرهان والعرفان” في “بنية العقل العربي”، وتقسيمة: “الغنيمة والعقيدة والقبيلة” في “العقل السياسي العربي”.

أما في ما يتعلق بـ”جورج طرابيشي” فيجب القول بإنّه من الناحية العلمية الإيبيستيمولوجية كان أقوى من “الجابري”، نظرًا لثقافته الواسعة واطلاعه على الآداب الأجنبية، ودرايته بالفلسفة المسيحية، كونه مسيحيًّا، فقد كشف الكثير من الأخطاء العلمية لـ”الجابري”، كما كشف بعض السرقات العلمية، ومنهجية البتر التي كان “الجابري” يعتمدها، أي بتر الفقرات التي يستشهد بها لتبرير رأي معين، ولكن مشكلة “طرابيشي” أنّه تفرغ لنقد “الجابري”، بدلًا من أنّ يتفرغ لوضع عمل مستقل يُحسب له، فظل اسمه لصيقًا بنقد “الجابري”، بينما هو كان يمكن أنّ يقدم أطروحة مكتملة تضعه في مصافِ نقاد التراث أمثال “الجابري” و”حنفي” و”أركون”.

لكن من جانب آخر لا بد من الإشارة إلى مسألة تهمني أكثر من غيرها، وهي أنّ “طرابيشي” في نقده لـ”الجابري” كان يريد الدفاع عن ثقافته العربية المسيحية، والقول بإنّ لها الفضل على الثقافة العربية الإسلامية، فهو أشد تطرفًا بكثير من “الجابري”؛ إذ إنّ “الجابري” مع كل الملاحظات يظل ملتصقًا بجذوره الثقافية العربية الإسلامية، وجميع الانتقادات لا تُخرجه عن كونه مفكرًا حاول الدفاع عن الثقافة العربية من منظوره الخاص كواحد من الذين يحملون همها.

أدريس الكنبوري
وكيف تصف العلاقة بين "الجابري" و"القرآن"؟

ـــ الجابري في “فهم القرآن” ادعى إنّه سيحاول التجديد في تفهيم القرآن، وكعادته في مؤلفاته الأخرى وجه نقدًا مبطنًا إلى المفسرين السابقين؛ لكنه لم يأتِ بجديد اللهم على صعيد الشكل، وهو ما أشار إليه في التقديم، مثلًا تفسير بعض الكلمات داخل الآيات بدل تفسيرها أسفل الصفحة في الهامش، ولكن هذا لم يكن تجديدًا بل كان سببًا في إتعاب القارئ، كما إنّه ليس جديدًا لإنّ هذه المنهجية اتبعها الدكتور “سليمإنّ دنيا” المحقق المصري في تحقيقاته التراثية؛ حيث كان يفتح قوسين داخل النص ويشرح؛ ما يرهق القارئ، وقد جاء تفسير “الجابري” أشبه ما يكون بمقرر دراسي للطلبة، أكثر مما هو عمل فكري حقيقي.

 كما إنّ “الجابري” ارتكب أخطاء علمية عدة، نظرًا لعدم اطلاعه على المعارف الإسلامية، من ذلك قوله بإنّ تسمية القرآن بـ”الكتاب” كان أحد أهدافه نزع احتكار اليهود والنصارى للقب “أهل الكتاب”، وهذا ليس صحيحًا لإنّ القرآن نفسه هو من سمى أهل الكتاب بهذا الاسم، ثم إنّ القرآن لم يكن يهدف إلى نزع احتكار وهمي لماذا؟ لأنّه جاء الكتاب الخاتم الناسخ لما قبله مما حُرِفَ، فإذًا كيف تكون هناك خصومة في ظل عدم وجود خِصم؟ كيف يكون الإسلام للعالمين ثم يدخل في منافسة مع دينين جاء هو بديلًا عنهما؟ ثم إنّه يقول بأنّه يتبع ترتيب النزول في التفسير، وبأنّ المكتبة العربية تفتقر إلى هذا التفسير، علمًا بأنّ هناك تفسير العَلاَّمة “محمد عزة دروزة”، الذي كان أسبق في التفسير حسب ترتيب النزول، وقد وضعه في أكثر من 10 مجلدات، لكن “الجابري” ينفي وجود ذلك النوع من التفسير في المكتبة العربية، وهذا تناقض، بل وتجنّي على “دروزة” رحمه الله وعمله الضخم، الذي يتجاوز بطبيعة الحال ما كتبه “الجابري” بكثير، نظرًا إلى أنَّ دروزة كان ملمًا بالفلسفة والتاريخ وعلوم الدين وكان من العلماء.

 فـ”الجابري” في الحقيقة اعتاد فقط على النقد طوال تجربته في الكتابة منذ “نحن والتراث” ولم يعتد على الإبداع والتأليف، ولذلك حتى في كتابته عن القرآن ظلَّ سجين عقلية النقد والتنقيص من أعمال السابقين؛ لكن عندما جاء إلى التطبيق قدّم للقارئ عملًا دون المستوى بكثير.

الغرب ساعد "الجابري" على الانتشار
ذكرت أنَّ الغرب أسهم في انتشار بعض الأسماء الفكرية العربية ومنها "الجابري" كيف ساعد الغرب "الجابري" على الانتشار؟

إنَّ هذا الأمر معروف لدى الباحثين والمهتمين بمسار الثقافة العربية منذ بداية القرن الماضي، فعدد كبير من المثقفين العرب كانت شهرتهم عائدة إلى عوامل متعددة منها العامل الأوروبي؛ إذ يحاول الأوروبيون ترويج أسماء معينة تدافع عن مواقفهم وثقافتهم، فيقومون بتشجيعها والترويج لها بطريقة رهيبة في الإعلام، وإطلاق ألقاب مضخمة عليها، وأبرز مثال على ذلك الراحل “محمد أركون”، فقد عاش طويلًا في فرنسا ودرس في جامعاتها وكتب بلغتها، ورَوَّجَ له الفرنسيون على نطاق واسع كنوع من الانتقام اللا واعي من الجزائر التي ظلّت فرنسا فيها 132 عامًا، ثم خرجت أخيرًا منها بعد أنّ اعتقدت أنها أصبحت فرنسا الثانية؛ لأن عقدة الجزائر لدى فرنسا شبيهة بعقدة فيتنام لدى أمريكا، ولكن مع ذلك هاجم أركون في السنوات الأخيرة قبل وفاته الأوروبيين والعنصرية الأكاديمية تجاه غير الأوروبيين مهما كانت عطاءاتهم والتنكر لهم.

ولنأخذ “عبدالله العروي” نفسه فإنِّ الذي أشرف على كتابه الأول”الأيديولوجية العربية المعاصرة” وكتب مقدمته هو المستشرق الفرنسي “لويس ماسينيون”، وقال هذا الأخير في المقدمة ما يُفهم منه أنَّ “العروي” لديه مهمة ثقافية معينة في العالم العربي، أما بالنسبة لـ”الجابري” فلم تكن له علاقة بهذا الأمر، أولًا لأنه لم يكن يكتب بلغة أجنبية مثل “أركون” و”العروي”، وثانيًا لأنه كان من القوميين والعروبيين، ولكن من أسهم في شهرة “الجابري”- وهذا ما قلته-، هو اليسار المغربي في الداخل أيام قوته الحزبية والإعلامية، ثم القوميون العرب وخاصة مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي كان يطبع كتبه.

إذن الجابري لم يكن تغريبيًّا؟

الجابري لم يكن تغريبيًّا مثل التغريبيين الآخرين الذين ينتمون إلى مدرسة نقد التراث، بل كان مفكرًا أصيلًا من طينة خاصة، جمع بين الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، ومحاولة التجديد من الداخل، دون السقوط في الحطِّ من التراث كما فعل غيره، بل من شدة حرصه على هذا الانتماء رأيناه يدافع عن قضايا مهمة من موقعه كمثقف بارز، وخير دليل على ذلك حوار المشرق والمغرب بينه وبين “حسن حنفي”، الذي نشر في الثمانينيات في مجلة “اليوم السابع” ثم جُمع في كتاب، فإذا قارنا “الجابري” بأقرانه من جيله مثل “حنفي” و”أركون” و”نصر أبو زيد” و”تيزيني”، فإننا سنجد “الجابري” أكثرهم حرصًا على الأصالة والموضوعية والأمانة العلمية، وهذا ما جعله في الحقيقة مقبولًا لدى مختلف التيارات، إسلامية وعلمانية.

ولكن هذا لا يعني أنه كان خاليًّا من الأخطاء العلمية أو لم يكن متجنيًّا بعض الشيء على التراث الإسلامي أو أساء بعض الشيء إلى هذا التراث، فهذا أمر آخر، لقد زعم “الجابري” أنه ينتقد التراث العربي كله، فكيف يكون موقفك عندما تنتقد شخصًا واحدًا هو “الجابري”؟ أكيد ستجد لديه العديد من الأخطاء والتجاوزات.

كما أنَّ “الجابري” نظرًا لإعجابه الكبير بـ”ابن رشد الأرسطي”، وانخراطه السيكولوجي والمعرفي في الخصومة بين “ابن رشد” و”الغزالي” من جهة، وبين “ابن رشد” و”الأشعرية” من جهة ثانية، جعله يقع في أحكام انطباعية كردِّ فعل فقط لا كقناعة علمية، فمثلًا في “بنية العقل العربي” يُثني كثيرًا على “أرسطو” ومنطقه، ثم يقول إنَّ المسلمين أخذوا ذلك المنطق وطبقوه على علومهم الدينية، وأنَّ المسلمين استعملوا منطق “أرسطو” لأهداف أيديولوجية، بينما استعمله “أرسطو”؛ من أجل العلم والعلم وحده، فهذا كلام غير متوازن وغير دقيق، لأنّ ما يعنيه بالتوظيف الأيديولوجي للمنطق هو توظيفه في دراسة الكتاب والسنة والفقه وعلوم الشريعة عمومًا، فهل هذا توظيف أيديولوجي أم توظيف علمي؟

ثم إنَّ المنطق الأرسطي لم يأخذ به جميع المسلمين، بل فئة خاصة من الفلاسفة والمتكلمين، ابتداءً من “أبي حامد الغزالي” في “المستصفى”، بينما هناك الكثير من العلماء الذين رفضوه وردوه بل قدموا بديلًا للمنطق اليوناني، فهناك مغالطات كثيرة عند “الجابري”، لكن هذا لا يحطّ من قيمته.

"الجابري" أعجب بـ"أرسطو" وأساء فهم "ابن رشد"
ألا ترى أنَّ هناك تناقضًا بين دعواك بأنَّ "الجابري" تجاهل إسهامات الفلاسفة المسلمين في حين أنّه دعا إلى إحياء الفلسفة الرشدية؟
الجابري

“الجابري” تجاهل إسهامات المسلمين في ما يتعلق بمفهوم العقلانية وهذه هي الحقيقة، فهو انطلق من مُسَلَمَة أنّ العقل ليس له وجود في الثقافة العربية الإسلامية؛ لإنّه مجرد عقل بياني، أي عقل يعتمد على اللغة والقياس في إنتاج المعرفة، أو إذا شئنا في إعادة إنتاج المعرفة، ويقول: إنّ العقل مرجعه إلى الفلسفة اليونانية وفلسفة “أرسطو”، ومن هنا اهتمامه الشديد بـ”ابن رشد” كما فهمه، وليس كما كان عليه في التاريخ.

وفي كتابه “بنية العقل العربي” يخرج بخلاصات مثيرة للغرابة جديرة بأنّ تكون خلاصات مستشرق؛ حيث يحكم بجرة قلم على الثقافة العربية بأنّها ثقافة اللا عقل، ويضع العقلانية مقابل المعرفة الدينية، كأن المعرفة الدينية تضاد العقلانية، وفي هذا الاستنتاج نلمح سوء فهم “الجابري” لـ”ابن رشد” أيضًا، لأنّه يحاول أن يصور لنا “ابن رشد” مدافعًا عن العقلانية في مقابل اللا عقلانية، التي تمثلها المعرفة الدينية، وهذا غير صحيح تمامًا، وهذا هو ما فعله أيضًا في “نحن والتراث”.

فـ”الجابري” كان لديه مفهوم معين للعقل هو المفهوم الإغريقي- الغربي؛ ما أوقعه في التعسف على الثقافة العربية، فمثلًا في حديثه عن العرفان سقط “الجابري” في تكرار مقولات المستشرقين وعلماء النفس حول العقل الباطن واللا وعي والرؤية السحرية للعالم والطابع الأسطوري، وكل هذه العبارات استخدمها “الجابري” في حديثه عن العرفان، وهو أمر يجانب الحقيقة العلمية.

بهذا المعنى "الجابري" لم يكن رشديًّا؟

لو شئنا الدقة فإنَّ “الجابري” نفسه ينفي عن نفسه أنّ يكون رشديًّا، لماذا؟ لأنّه جعل “ابن رشد” مجرد تابع لـ”أرسطو”، فـ”الجابري” من هذه الناحية كان أرسطيًّا من خلال “ابن رشد”، ومقولة تبعية “ابن رشد” لـ”أرسطو”، هي مقولة استشراقية معروفة روجها “إرنست رينان”، وانتشرت من بعد ذلك، وهي تُجرِد العقل الإسلامي من أي قدرة على التفلسف من خارج الفكر الإغريقي قديمًا والغرب حديثًا، طالما أن الثاني استمرارًا للأول، هذا من ناحية.

 من ناحية ثانية فإنَّ “الجابري” لم يكن رُشديًّا لأنّه بمجرد وضْع “ابن رشد” في مسار أرسطو أساء البداية، فكانت النتائج من جنس المقدمات، لقد قال مثلًا في “نحن والتراث” بأنّ “ابن رشد” كان معجبًا بـ”أرسطو”؛ لأنّه كان باحثًا عن الحقيقة، وأنّ البحث عن الحقيقة هو ما يجمع بينهما، وهذا معناه أنّ “ابن رشد” كان يشك في الحقائق التي تلقاها المسلمون من الكتاب والسنّة، وكانت لديه نفس الأسئلة التي كانت تشغل “أرسطو” مثل معرفة الله والغيب والموت والبعث وغير ذلك، أي الأسئلة الميتافيزيقية، ونحن نعرف أنّ “ابن رشد” كان فقيهًا مجتهدًا، فكيف يمكن لفقيه مجتهد أنّ يكون باحثًا عن الحقيقة الميتافيزيقية جنبًا إلى جنب مع فيلسوف أغريقي ينتمي إلى ثقافة وثنية؟ هذه مشكلة معرفية منهجية عند “الجابري”.

ثم إنّه يقول أيضًا أنّ “ابن رشد” يميز بين البناء الديني والبناء الفلسفي، وأنّ لكل واحد منهم أصولًا ومبادئ؛ ما يعني أنّ “ابن رشد” ينتصر للفلسفة على الدين، وهذا غير سليم، ولو رجعنا إلى كتاب “ابن رشد” “فصل المقال” لوجدنا الأمر مختلفًا تمامًا، فـ”ابن رشد” لا يضع الفلسفة في مواجهة الدين بل يعتبر الفلسفة أداة مساعدة في فهم الدين، وهو نفسه يقول: إنّ الفلسفة ليست شيئًا أكثر من النظر في الموجودات للتعرف على الصانع ويقول: إنّ الشرع ندب إلى اعتبار الموجودات.

ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ “ابن رشد” انطلق في هذا الكلام من مسلمتين: الأولى أنّ الصانع أي الله، موجود ونحن نستدل على وجوده فقط لإننا نريد التأكد من وجوده، وهذا خلافًا لـ”أرسطو”، والثانية أنّ “ابن رشد” يتحدث عن “الشرع”، أي إنّه ينظر في الفلسفة ولديه خلفية معينة هي الشرع، منها ينطلق وإليها يعود، فـ”الجابري” حاول أنّ يقرأ “ابن رشد” من زاوية غربية استشراقية.

قلت إنَّ "الجابري" باحث في الفلسفة لا فيلسوفًا، كيف ترى الفارق بين الاثنين؟

هذه من المفاهيم التي شاعت بسبب عدم التدقيق في المفاهيم ومحتواها؛ “الجابري” لم يكن فيلسوفًا لإنّه لم يضع لنا نظريات فلسفية، أو أطروحة فلسفية مستقلة متكاملة، لقد كان أستاذ فلسفة نعم، ولكنه لم ينتج نصًا فلسفيًّا، إنّ مهمته كانت هي وضع أطروحة في قراءة التراث العربي الإسلامية، والقراءة هنا ليس بمعنى الإضافة والإنّشاء، بل القراءة بمعناها الأكاديمي أي النقد، ذلك أنّ جميع أعمال “الجابري” هي أعمال موضوعها ليس الفلسفة بل التراث العربي ومنه التراث الفلسفي، فهو لم ينشئ نظريات ومقولات مثل “محمد عزيز الحبابي” مثلًا أو “طه عبدالرحمن” في المغرب، بل اكتفى بتتبع التراث وتقديم قراءة له، فيها الجانب الأكاديمي، لكن جانبها الأيديولوجي أكثر بروزًا.

ما الذي يجعل "العروي" مختلفًا عن "الجابري"؟

لكل منهما أصوله التكوينية، “العروي” جاء من التاريخ، و”الجابري” جاء من الفلسفة، فطبيعي أنّ تكون ثقافتهما مختلفة لاختلاف التكوين، و”العروي” تلقى تكوينه في فرنسا، بينما “الجابري” تلقى تكوينه في سوريا، فالأول أقرب إلى الفرانكوفونية والثاني أقرب إلى القومية العربية. ثم إنّهما معًا كانا في الحزب نفسها- الاتحاد الاشتراكي- وغادراه في التوقيت نفسه تقريبًا، لكن “العروي” ابتعد نهائيًّا بينما بقي “الجابري” منخرطًا كليةً في اهتمامات الحزب، بل ظل جزء من المشكلات داخل الحزب حتى وقت قريب، وهذا ما جعل الطابع الحزبي والأيديولوجي بارزًا عنده مقارنة بـ”العروي”، أما من الناحية المعرفية فالعروي أكثر عمقًا من “الجابري”، وإنّ كان أكثر تغريبية منه بطبيعة الحال، فهو ينتصر للنموذج الأوروبي، بينما ينتصر “الجابري” لنموذج الدولة العربية القومية الناهضة.

محاولة استغلال محمد عابد الجابري
ما موقف "الجابري" من الإسلاميين؟

كان “الجابري” مقبولًا من جميع الأطياف ومنهم الإسلاميون، بل أكاد أقول إنّهم كانوا يرون فيه الرجل الذي سيقرِّب اليسار من الإسلام أكثر ويجعلهم يفهمون التراث الإسلامي، وهذا سيعود عليهم بالنفع لإنّه سيقلص مساحة المواجهات بينهم وبين اليسار، ولكن هذا لم يحصل؛ ما يعني أنّ اليسار في المغرب استعمل “الجابري” لابتزاز الإسلاميين لا للتقارب معهم، وهذه مسألة معروفة عندنا نحن في المغرب، فنظرًا لكون الدولة دولة إسلامية والنظام السياسي فيها مبنيًّا على إمارة المؤمنين والدين في الدولة له موقع مهم، تلجأ الأحزاب السياسية إلى البحث عن وجوه لها طابع التدين أو الاهتمام بالدين أو البحث فيه، وهذا عكس التيارات اليسارية في المشرق العربي على سبيل المثال.

ففي الستينيات مثلًا عندما انفصل الماركسيون عن حزب الاستقلال، الذي كان يرأسه العلامة علال الفاسي، خريج جامعة القرويين، وأنشأوا حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” بزعامة “المهدي بن بركة” ورئاسة “عبدالله إبراهيم”، أحضروا الفقيه “محمد بن العربي” العلوي السلفي في مؤتمر الحزب كنوع من خلق التوازن مع حزب الاستقلال من ناحية الهالة الدينية، لأنّ علال الفاسي كان فقيهًا وعالمًا.

وعندما ظهر الإسلاميون لجأ الحزب نفسه إلى توظيف بعض الأسماء مثل “الجابري” في حقل الفكر و”أحمد الخمليشي” في القانون والفقه، والذي هو اليوم مدير لدار “الحديث الحسنية”  وهو أحد العلماء، لكن التوظيف الحزبي له قلل من حضوره  وسط المجتمع رغم قدراته العلمية الكبيرة، بل لا تزال اجتهاداته في الأحوال الشخصية لحد اليوم مرجعًا أساسيًّا، فقد كان الحزب يستعمل الدكتور الخمليشي كلما كان هناك صراع مع الإسلاميين، كما حصل في الخصومة حول قانون الأحوال الشخصية عام 2003.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search