سياسة

إرهاب طهران في قلب أوروبا.. هل الغرب مستعد لمواجهته؟

في الأسبوع الماضي، أصدرت محكمة فيدرالية بلجيكية حكمها في قضية الدبلوماسي الإيراني رفيع المستوى أسد الله الأسدي بتهمة الإرهاب، وحُكِم على الأسدي بالسجن 20 سنة.. السؤال الآن: ما الاستجابة الملائمة التي ينبغي على الحكومات الغربية اتخاذها على جانبي الأطلسي؟

مَثُل الأسدي، المستشار الثالث السابق للسفارة الإيرانية في فيينا، إلى جانب ثلاثة متواطئين آخرين أمام المحكمة للنظر في خطتهم التي أعدوها لتنفيذ تفجيرات ضد تجمعات من المغتربين الإيرانيين والداعمين الدبلوماسيين عام 2018، وهي التجمعات التي نظمها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI).

وقد اعتقلت السلطات البلجيكية اثنين من هؤلاء المتواطئين في أثناء محاولتهما نقل مئات من الجرامات من مادة بروكسيد الأسيتون TATP شديدة الانفجار إلى الموقع المستهدف، بينما ألقي القبض على المتواطئ الثالث بعد أن وصل بالفعل إلى هذا الموقع قرب باريس، كما أُلقي القبض على الأسدي نفسه في ألمانيا قبل أن يتمكن من العودة إلى منصبه في النمسا متمتعا بالحصانة الدبلوماسية.

الأمن البلجيكي

ثمة العديد من الأدلة الموجهة ضد الأسدي، إذ أوضح ممثل الادعاء البلجيكي أن الأسدي سلم القنبلة إلى عملائه في اجتماع بينهم في لوكسمبورج بعد أن هربها بصفة شخصية من طهران إلى أوروبا على متن رحلة تجارية.

بعد إلقاء القبض عليه، حاول الأسدي استخدام التهديدات للتملص من الملاحقة القضائية، وأخبر المحققين أن الجماعات المسلحة المدعومة من إيران ستتابع قضيته متوقعين أن “تدعمهم” السلطات الأوروبية من خلال الإفراج عن حليفهم في الشبكة الإرهابية الإيرانية الأوسع.

توضح التفاصيل التي كشفت عنها القضية مدى تشعُّب هذه الشبكة، فقد موّل الأسدي نفسه عملاء له في 11 دولة أوروبية على الأقل، وقد عثر على تلك المستندات في سيارته وقت اعتقاله.

أسد الله الأسدي

ومنذ ذلك الحين، اتضحت الصورة تدريجيا بحيث انكشف دوره المزدوج الذي يلعبه منذ أمد طويل كدبلوماسي ورافعة للخلايا الإرهابية النائمة التابعة للنظام، وقد كان المدعَى عليهم، وهم بلجيكيون من أصول إيرانية، يقيمون في أوروبا الغربية منذ سنوات عديدة دون ارتكاب أي هجمات كبرى قبل أن يتم تنشيطهم في عملية كان من الممكن أن تؤدي إلى مقتل المئات بسهولة، إن لم يكن الآلاف، من المدنيين والبرلمانيين والسياسيين من أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة.

قُدرت أعداد الحضور في مسيرة إيران الحرة لعام 2018 بنحو 100000 شخص، وكان الهدف الرئيسي هو زعيمة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي، التي تم انتخابها من قبل الائتلاف المعارض المؤيد للديمقراطية، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لتولي منصب رئيسة الحكومة الانتقالية بعد الإطاحة بالنظام الديكتاتوري الثيوقراطي الحالي في إيران.

مريم رجوي

لم تكن المؤامرة الإرهابية المخطط لها في يونيو 2018 هي الأولى من نوعها التي تستهدف السيدة رجوي، وربما لن تكون الأخيرة، ولن تكون إدانة الأسدي كافية لتعطيل أو وقف المؤامرات المستقبلية التي يخطط لها النظام الإيراني، خاصة إذا ظلت الشبكة الإرهابية الأساسية المنتشرة على مستوى القارة فاعلة في مواقعها.

تقدّم إدانة الأسدي فرصة للمسؤولين الغربيين لمراجعة التغيير المطلوب بقوة في سياسات حكوماتهم تجاه الجمهورية الإسلامية.

ولفترة طويلة، اتجهت هذه السياسات نحو مبادرات تصالحية تهدف إلى الترويج لفصيل وهمي “معتدل” داخل المؤسسة الثيوقراطية الإيرانية، وقد تم تعزيز هذا التوجه فقط في عام 2015 من خلال إبرام الاتفاق النووي مع إيران، والذي كان الحفاظ عليه يشكل هاجسا فرديا إلى حد ما للعديد من السلطات والدبلوماسيين الأوروبيين.

مؤامرة باريس الإرهابية، التي جاءت بعد عامين ونصف العام فقط من توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، ما هي إلا تذكير واضح بمدى خطأ التوجه الغربي نحو المصالحة.

لقد شجع هذا التوجه النظام في إيران على اتخاذ إجراءات لا تهدد بشكل مباشر المصالح الغربية فحسب، بل تهدد أيضا حياة المواطنين الأوروبيين.

يمثل الحكم الصادر في حق المسؤول الإيراني الأسدي التحدي الرئيسي الأول أمام افتراض إيران إفلاتها من العقاب، كونه أول دبلوماسي إرهابي تابع للنظام يواجه بالفعل اتهامات بشأن أنشطته، ولكن المحاكمة، وحتى الإدانة، ليست إجراء كافيا.

المرشد الإيراني

وكما أشار أكثر من 20 شخصة من كبار المسؤولين الأوروبيين السابقين الأسبوع الماضي، يجب محاسبة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على دوره الدبلوماسي المؤكد في الضلوع بالتخطيط لتفجير تجمع سلمي في قلب أوروبا، كما طالبوا كلا من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بتصنيف وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية والحرس الثوري الإيراني في مجملهم ككيانات إرهابية، ويجب محاكمة عملائهم ومرتزقتهم المجندين في الدول الأوروبية ومعاقبتهم وطردهم.

وفي أعقاب صدور حكم الإدانة في قضية الأسدي، تقع مسؤولية اتخاذ مزيد من الإجراءات على عاتق صناع القرار في جميع أنحاء العالم الغربي، ويمكنهم البدء في الاضطلاع بهذه المسؤولية من خلال تخفيض مستوى العلاقات بين حكوماتهم وحكومة الجمهورية الإسلامية، ثم التلويح بشكل واضح أنه ستكون هناك عواقب أخرى إذا رفضت طهران تفكيك شبكتها الإرهابية في أوروبا وتقديم دليل مقنع على أنها لم تعد تملك الوسائل وليس لديها رغبة في متابعة تنفيذ مخططاتها الإرهابية الأخرى في أوروبا، ويجب على المجتمع الدولي أن ينظر بجدية في الإغلاق التام للسفارات الإيرانية والقطع الكامل للعلاقات الدبلوماسية إذا رفض النظام الإيراني الاستجابة.

إن قرار القادة السياسيين الأوروبيين في التعامل مع تهديد الإرهاب الإيراني في شوارعنا على المحك الآن.. والعالم يراقب.

المصدر:

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى