زوايامختارات

إرهاب مفتوح المصدر.. أوروبا تواجه قتلاً “صُنع في المطبخ”

 

حلقة جديدة في مسلسل الحوادث الإرهابية في أوروبا جاءت من نصيب العاصمة النمساوية، حين فتح منتمٍ لتنظيم داعش نيران سلاحه عشوائيًّا في منتصف ليل الاثنين الماضي، وبحلول الساعة الواحدة من صباح الثلاثاء الماضي، أذاعت وسائل الإعلام المحلية نبأ وقوع سلسلة هجمات منسقة، مرجحةً أن يكون منفذوها “إرهابيين”.

مثلت تلك الهجمات التي بدأت في أوروبا منذ 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حين أقدم مراهق شيشاني على جز رأس مدرس فرنسي، بعد عرض الأخير رسومًا وُصفت بأنها “مسيئة” للنبي محمد، غير أن الهجمات الأخيرة كشفت عن جمر الإرهاب المخبأ تحت رماد القارة العجوز.

على مدار السنوات الماضية، كانت أوروبا مسرحًا لعمليات تنظيم داعش، الذي حرض عناصره وأنصاره على شن هجمات إرهابية في داخل بلدان القارة لتخفيف الضغط على معاقله الرئيسة في سوريا والعراق وليبيا.

عناصر داعش

في البدء كان العدناني والبغدادي

بحلول أكتوبر/ تشرين الأول 2015، كانت إدارة العمليات الخارجية التابعة لتنظيم “داعش” تضع اللمسات النهائية لما عُرف بـ”غزوة باريس” التي شارك فيها مجموعة من مقاتلي التنظيم الفرنسيين والبلجيكيين والعراقيين، وحينها، خرج المتحدث باسم التنظيم، أبو محمد العدناني، ليدعو أنصاره لشن هجمات إرهابية في الدول الغربية، ردًّا على هجمات التحالف الدولي على معاقل السيطرة الداعشية في سوريا والعراق.

كانت تلك الإدارة المندرجة داخل الهيكل التنظيمي لداعش قد تلقت أوامر من أبي بكر البغدادي بتنفيذ هجمات “باريس وبروكسل”، كما ظهر في إصدار لاحق بثه مركز الحياة للإعلام، التابع لديوان الإعلام المركزي الداعشي، بعنوان “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، وبالفعل تمكنت من تسريب عناصرها إلى داخل البلاد، ونفذت سلسلة هجمات منسقة في البلدين خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 ومارس/ آذار 2016 على الترتيب.

وشكلت الهجمات السابقة رأس منحنى الهجمات الإرهابية من حيث التنسيق والتخطيط، لكن التنظيم تراجع بقدر أكبر خلال الأعوام التالية، وخسر معاقله الرئيسة في سوريا والعراق وليبيا، وكيّف، في أثناء هذا، هيكله التنظيمي وآلية عمله لتتواءم مع المتغيرات التي طرأت عليه، في حين ركز أكثر على الاستفادة من الجهاديين المحليين الذين يُعرفون إعلاميًّا بـ”الذئاب المنفردة”.

هجمات النمسا

جهاد مفتوح المصدر

“يا أيُّـها الموحدون، لئن أغلق الطواغيت في وجوهكم باب الهجرة، فافتحوا في وجوههم باب الجهاد واجعلوا فعلهم عليهم حسرة”..

كانت هذه آخر توجيهات العدناني لجهاديي وأنصار داعش في الدول الأوروبية، التي ضمّنها في كلمته الأخيرة “ويحيا من حيي عن بينة” وذلك قبل نحو 4 أشهر من مقتله أواخر أغسطس/ آب 2016.

كان هذا التوجيه مؤشرًا للتحولات التكتيكية في الفكر الحركي لتنظيمات الجهاد المعولم، فبعد أن ركزت تلك التنظيمات على تخطيط وتنفيذ هجمات كبرى لإيقاع أكبر عدد من الضحايا، بدأت تتحول تدريجيًّا من فكرة الهجمات الكبرى إلى الهجمات الأصغر، ومن الاعتماد على الأسلحة والمتفجرات إلى أساليب أقل تعقيدًا وفتكًا كالأسلحة البيضاء والسيارات التي تستعمل في حوادث الدهس وغيرها، أو بتعبير العدناني: “ابذل جهدك في قتل أي أمريكي أو فرنسي، أو أي من حلفائهم، فإن عجزت عن العبوة أو الرصاصة، فاستفرد بالكافر، فارضخ له بحجر، أو انحره بسكين، أو اقذفه من شاهق، أو ادعسه بسيارة، وإن عجزت، فاحرق منزله أو سيارته، أو تجارته، أو مزرعته، فإن عجزت فابصق في وجهه، وإن لم تفعل، فراجع دينك”!

داعش يتبنى هجوم فيينا

عمل تنظيم داعش على استثمار فكرة “الجهاد مفتوح المصدر”، التي أطلقها منظّرو تنظيم القاعدة الإستراتيجيون، وأكدت عليها مجلة “إنسباير”، الناطقة بلسان تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية سابقًا، فبدلاً من التركيز على الجهاديين العابرين للحدود، بدأ في الاستفادة من الجهاديين المحليين أو الذئاب المنفردة، الذين ينفذون الهجمات تحت شعاره دون أن يكون بينه وبينهم أي ارتباط تنظيمي.

وبث ما يُعرف بـ”المكتب الإعلامي لولاية الرقة” إصدارًا مرئيًّا بعنوان “عليك بهم أيها الموحّد” شرح فيها أحد مقاتلي داعش الفرنسيين كيفية استخدام السكين كأداة قتل، إضافة إلى تصنيع المتفجرات داخل المطبخ في استدعاء واضح لتوجيهات “إنسباير”: كيف تصنع قنبلة في مطبخ والدتك؟

ولعب الجهاديون المحليون الدور الرئيس في الهجمات الإرهابية التي تلت “توجيهات العدناني”، غير أن منحنى الهجمات أخذ في الهبوط منذ أواخر 2017 حتى أواخر 2019، إذ نُفذت 3 هجمات فقط خلال تلك الفترة، وذلك بالتوازي مع تداعي تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتراجع آلته الدعائية بفعل ضربات التحالف الدولي، والخلاف الداخلي الذي أصاب التنظيم حول مسائل منهجية، على رأسها مناطات التكفير التي تُشكل ركيزة أساسية في فكره، ومناطات التكفير مصطلح شرعي يعني نواقض إذا وقع فيها الشخص يُحكم عليه بالكفر.

وزير الداخلية النمساوي

تعافي التنظيم بإستراتيجية متريثة

في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2019، قُتل زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، في عملية عسكرية أمريكية استهدفت مخبأه في قرية باريشا، تتبع محافظة إدلب على الحدود السورية- التركية، وعقب مقتله أعلن التنظيم اختيار أبو إبراهيم الهاشمي (اسم حركي غير معروف مسبقًا) خلفًا له.

لكن الهاشمي اختار إستراتيجية عمل متريثة تركز على إعادة بناء داعش، وترميم هيكله القيادي والتنظيمي، بعد الضربات التي تلقاها دون أن يسعى لاستعادة السيطرة المكانية على المناطق التي طُرد منها.

وخلال بضعة أشهر، نجح التنظيم في استعادة جزء كبير من فاعليته العملياتية، وأطلق 4 غزوات منسقة، هجمات إرهابية في جميع مناطق نشاط داعش، واغتيال عدد من القيادات العسكرية والأمنية البارزة في العراق وسوريا وأفغانستان.

وشدد مركز الحياة للإعلام، التابع لديوان الإعلام المركزي، على إستراتيجية التريث والتأني في إصداره المرئي الذي بثه خلال يوليو/ تموز 2020، بعنوان “وحرّض المؤمنين”، والذي تضمن تحريضًا للجهاديين المقيمين في الدول الأوروبية على شن هجمات بطرائق غير نمطية كإشعال الحرائق في المنازل والمؤسسات والغابات، إضافة إلى محاولة استخدام السموم في عمليات الاغتيال ضد المدنيين والعسكريين في الدول الأوروبية.

أبو بكر البغدادي

وتضمن الإصدار السابق رسائل للجهاديين المحليين في أوروبا بألا ينتظروا الحصول على سلاح ناري أو تصنيع متفجرات، بل عليهم أن يشنوا أي هجمات بأي وسيلة ممكنة، في سعي واضح منه لاستغلال الأنصار غير التنظيميين لتنفيذ هجمات إرهابية عديدة لتشتيت أجهزة الأمن والاستخبارات في القارة العجوز.

في حين، شدد المتحدث باسم داعش، أبو حمزة المهاجر القرشي، في كلمته الأخيرة والمعنونة بـ”فاقصص القصص لعلهم يتفكرون”، على ضرورة التزام الأفرع الداعشية بالإستراتيجية المتأنية، مشددًا لهم على ألا يتعجلوا قطف الثمار -أي التسرع في شن هجمات إرهابية استعراضية أو السعى لمسك الأرض في الفترة الحالية- والتركيز على إستراتيجية وتكتيكات الحرب الاستنزافية لإضعاف خصومهم، ومحاولة إطلاق سراح عناصر التنظيم من السجون في الدول المختلفة، فضلاً عن الاستعداد المكثف لاغتنام الفرص السانحة للظهور من جديد، والتي على رأسها التأثيرات العالمية لجائحة كورونا.

وصفة “السوري” أو نظام لا تنظيم

ويبدو أن تنظيم داعش يحاكي إستراتيجية أبو مصعب السوري، عمر عبد الحكيم، المنظّر الإستراتيجي لتنظيم القاعدة، رغم وصفه له بـ”الضال”، غير أنه يتبع تكتيكاته التي ضمنها في كتاب “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية”، والتي من ضمنها فكرة شن هجمات صغيرة وغير معقدة.

وتهدف تلك التكتيكات، التي تندرج ضمن خطة أكبر، لتحويل العمليات الإرهابية إلى ظاهرة يشارك فيها الإسلاميون في جميع أنحاء العالم، وبالتالي تفشل أجهزة ووكالات إنفاذ القانون في مواجهة الظاهرة الجهادية، التي ستدخل، وقتها، في طور جديد وتتحول لمَسك الأرض ومن ثم إعلان خلافة مكانية جامعة لكل الجهاديين.

أبو مصعب السوري

وتكمن خطورة “وصفة السوري” في أنها لا تشترط وجود روابط تنظيمية بين مجموعات الجهاديين، وإنما تكتفي بأن يكون لديهم اسم وهدف واحد، ومنهج شرعي مشترك، وبالتالي فإن تعقب أفراد/ مجموعات الجهاديين سيكون أصعب، نتيجة محدودية المعلومات لدى أجهزة ووكالات تطبيق القانون حولها.

ومن الواضح أن داعش في مرحلة ما بعد الخلافة المكانية، يتبع نفس الإستراتيجية، ويحاكي أيضًا، خطته التي سبق أن طبقها في العراق، والتي تشمل “حصاد الأجناد”، ثم “هدم الأسوار”، فـ”الفتح المبين”، بمعنى أن التنظيم سيسعى لاستنزاف القوات والدول المحاربة له لأقصى حد ممكن ثم بعد ذلك ينطلق لفك أسر قيادته وعناصره في الدول المختلفة، ثم يسخّر كل طاقته للاستيلاء على المدن والسيطرة عليها، وإعادة إحياء الخلافة المكانية، ومن المتوقع أن يمتد الإطار الزمني لهذه الخطة لعدة سنوات.

مستقبل الإرهاب في القارة العجوز

رغم الإجراءات الاحترازية التي تتخذها أجهزة الأمن الغربية، فإنه من غير المرجح أن تتوقف الهجمات الإرهابية خلال الفترة المقبلة، بل ربما يسعى داعش، على المدى البعيد، لتحريك عناصر وشبكات تنظيمية لشن هجمات أعنف وأكثر دموية، على غرار ما حصل في باريس 2015، وبروكسل 2016، لكن ذلك مرتبط بتعافيه الكامل وامتلاكه شبكات كبيرة للتمويل والدعم اللوجيستي.

موقع هجمات فيينا

وسيظل تنظيم داعش يشكل تهديدًا أمنيًّا عاليًا في ظل تكيف الجهاديين مع الإجراءات التي تتخذها الحكومات، وابتكارهم أساليب وتكتيكات جديدة للعمل الإرهابي، وبالتالي فإن معدلات الهجمات الإرهابية قد تشهد قفزات نسبية في معدلات الهجمات على مراحل مختلفة.

ويشكل التهديد الداعشي، تحديًا حقيقيًّا لأجهزة ووكالات الأمن والاستخبارات في الغرب والشرق على حد سواء، خاصةً مع وجود آلاف المتعاطفين فكريًّا والمرتبطين تنظيميًّا بداعش في مختلف الدول، وسيظل هذا التهديد قائمًا حتى لو هُزم التنظيم في سوريا والعراق.

 

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى