وجهات نظر

إسرائيل “عضو مراقب” بالاتحاد الإفريقي، هل نشعر بحجم الخطر ؟

محمد سالم

في منتصف الخمسينيات عقد مؤتمر القمة الأفرو آسيوي في مدينة ” باندونج” الأندونيسية، وخرجت قرارات المؤتمر داعمة للحق الفلسطيني في التسوية بناءًا على قرارات الأمم المتحدة بإجماع الحضور، لم تكن إسرائيل تملك وقتها أي نفوذ لأي دولة إفريقية مستقلة مطلقًا، بل لم يكن هناك اعتراف إفريقي بها تضامنًا مع الموقف العربي، ورُفض الطلب الإسرائيلي بحضور القمة كبلد آسيوي حديث الاستقلال.

أما اليوم فقد يبدو خبر انضمام إسرائيل للاتحاد الإفريقي-كعضو مراقب- ليس بالغريب، فهو تتويج لمسار طويل من الاختراق وبناء النفوذ الإسرائيلي داخل القارة الأفريقية، وغزوها بالمال والسلاح والدعم التقني، وفقًا لشعار رفعه بن جوريون في الخمسينيات “السلام يمر عبر أفريقيا واسيا” حتى خرجت إسرائيل من عزلتها الأفريقية، ووصلت إلى علاقات كاملة مع أغلب دول القارة، يمكن أدل التعبيرات عن ذلك الصورة التي جمعت رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نتنياهو  بزعماء 7 من دول “حوض النيل” ليعلن ما أسماه “عودة أفريقيا لإسرائيل وعودة إسرائيل لأفريقيا” في 2017.

بدأت التحركات الإسرائيلية في إفريقيا منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات حتى تُمكِن من بناء علاقات مع دول أفريقية عديدة، فمن سفارة إسرائيلية وحيدة بغانا سنة 1957، وصولاً إلى 32 بعثة دبلوماسية إسرائيلية بأفريقيا عام 1972، تلك العلاقات الرسمية تجمدت بسبب حرب أكتوبر لكن سرعان ما عادت وبقوة مع إقرار معاهدة كامب ديفيد التي أعلنت إمكانية بناء علاقات دبلوماسية مباشرة بين الأفارقة وإسرائيل دون حرج.

اقرأ أيضًا: العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية: نظرة على العامل الأمني والعسكري

ومنذ معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل، تصاعد النفوذ الإسرائيلي بشكل كبير داخل القارة الأفريقية، وانطلقت إسرائيل باستراتيجية عسكرية وأمنية واقتصادية متوازية تهدف لبسط النفوذ، وجذب الأطراف والفاعلين الرئيسيين لصالح المشروع الإسرائيلي، ولبناء دائرة صداقات قوية في القارة صاحبة الموارد الطبيعية الهائلة، وثاني أكبر عدد من الأصوات في الأمم المتحدة.

نجحت إسرائيل في تهجير يهود الفلاشا من أثيوبيا بطرق ملتوية عبر السودان في عهد النميري، وضغطت على الزعيم الأثيوبي الموالي للاتحاد السوفييتي منجستو حتى وافق على السفر المباشر بين أثيوبيا وإسرائيل، وتهريب عشرات الآلاف من اليهود مقابل المال والسلاح.

كما قامت إسرائيل بالتخطيط وإدارة انقلاب ديكتاتور أوغندا ” عيدي أمين” على الرئيس أوبوتي، وعندما انقلب أمين لاحقا على “تل أبيب” أطاحت به عبر توريطه فس حرب مع حليفها التنزاني، ونصبت خلفه يوسف لولي أحد القيادات الأوغندية المصنوعة على عيون وأيدي الموساد.

طوال الوقت كانت إسرائيل تسعى لخلق موطئ قدم مباشر لها على البحر الأحمر، والذي كان في حرب أكتوبر منطقة نفوذ عربي خالصة نتيجة وجود اليمن والسعودية والسودان على النقاط البحرية المؤثرة في الحركة الملاحية، وأيضا لامتلاك العرب المقدرة على إغلاق مضيق باب المندب وتعطيل الملاحة البحرية وهو ما أثر بالفعل في مجريات حرب السادس من أكتوبر، وجاء الحل الإسرائيلي عن طريق مد صلات بين تل أبيب وبين الإثيوبيين والإرتريين لينجح الإسرائيليين في خلق إطلالة مباشرة لهم على البحر الأحمر.

وحينما تصاعدت شوكة حركات التحرر والانفصال الإريتيرية ضد الحليف الأثيوبي، دعَّمت إسرائيل حركة تحررر إريتيرية “مسيحية” لها موقف محايد من العرب بقيادة ” أفورقي” على حساب حركة تحرر إريترية لها انتماء عروبي وإسلامي، وكان أول سفير أجنبي لاريتيريا قبل إعلان الاستقلال هو السفير الإسرائيلي لحث الأمريكيين على الاعتراف بالقيادة الإريتيرية.

وبخلاف أفورقي وعيدي أمين، عملت إسرائيل على صنع الكثير من القيادات السياسية الأفريقية من زعماء دول وأشخاص مؤثرين، إما بالتبني المبكر عبر صداقات من عملاء للموساد في برامج ومنح التبادل الطلابي، والتي أسست وحدة ” ماشاف” بالخارجية الإسرائيلية لهذا الغرض تحديدًا، ولتأهيل الشباب الواعدين  وتقديم المنح الدراسية لهم. أو بالمساعدة والدعم المخابراتي لزعماء وقيادات حركات وعرقيات منظمة بالفعل، وترتيب المصالح معهم قبل الوصول للسلطة وتمهيد الاعتراف الأمريكي والدولي لهم عن طريق بوابة الموساد الإسرائيلي. وقد استفاد من هذه المسارات قائمة طويلة من قيادات سياسية أفريقية مثل ميليس زيناوي الزعيم الاثيوبي، وموبوتو سيسوكو زعيم الكونغو، وجون جارانج في جنوب السودان، ويوري موسيفيني في أوغندا، وبول كاجامي في رواندا، وغيرهم.

أجادت إسرائيل اللعب على كافة الاختلافات العرقية والاثنية، حيث دعمت ولا زالت جميع الأطراف المتناحرة سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، وصدرت لنفسها صورة الدولة الضعيفة التي تعرضت للظلم والقمع والإرهاب، ومع ذلك نجحت في بناء قدراتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، وحولت جيرانها الأعداء إلى أصدقاء !

حدث ولا حرج عن تعاون اقتصادي وتبادل تجاري بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، تقدم منه إسرائيل برامج وشركات لتطوير الزراعة في أفريقيا، واستخدام وسائل الري الحديثة للصحاري القاحلة، وبناء مصانع ومزارع، وتقديم خبرات من المراكز البحثية والعلمية الإسرائيلية، وخلق فرص لالاف الشركات الاسرائيلية الناشئة المدعومة من الحكومة الاسرائيلية بغطاء تأميني كبير ضد مخاطر الاستثمار والتجارة الخارجية في مجالات الزراعة والطب والإنشاءات والمياه وتصدير الكهرباء. فضلاً عن أن هذه الشركات حملت غطاءًا كبيرًا لعُملاء الموساد ولنشاط المخابرات الإسرائيلية بدول أفريقيا.

القائمة تطول لذكر برامج التعاون المخابراتي والعسكري الإسرائلي في القارة الأفريقية، بدءًا من تدريبات لضباط النُخبة الأفارقة في إسرائيل، وإرسال خبراء عسكريين إسرائيليين للجيوش والوحدات والميليشيات العسكرية الأفريقية، فضلاً عن اتفاقيات تبادل المعلومات المخابراتية، والتعاون العسكري المشترك، وبرامج مكافحة الإرهاب والحركات المتطرفة، وشركات تأمين إسرائيلية لمطارات أفريقية.

نجحت إسرائيل كذلك في تصدير السلاح الإسرائيلي إلى أفريقيا، حيث تكثر الحروب الأهلية والانشقاقات المسلحة، ويكثر معها السلاح الإسرائيلي الذي حقق مبيعات ب 170 مليون دولار عام 2018 مع زيادة سنوية تقدر ب 2.5%. يساعد على ذلك أيضًا عمليات التربح والرشاوي المالية وعمولات صفقات السلاح التي يتهافت عليها رؤساء الدول وزعماء الميليشيات، فالعديد من الدول لا تملك مؤسسات عسكرية نظامية، ولا دول مستقرة سياسيًا، وهو وضع مثالي لإسرائيل والميليشيات، فالساحة مفتوحة تمامًا.

إجمالاً نجحت إسرائيل كثيرًا في سياسة شد الأطراف، وخلقت لنفسها دائرة نفوذ كبيرة، وأصبح ذلك واضحًا في تصويتات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فاستطاعت إسرائيل تأمين رئاسة لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في التسعينيات بـ 109 صوت معظمهم من الأفارقة كدلالة على نجاح الاستراتيجية الإسرائيلية. ويروج البعض سرًا وعلنًا عن دور معلن وتأثير ملموس لإسرائيل سيظهر في صراع الموارد المائية في سد النهضة، بدءًا من تأثيرات سابقة في الكواليس والغرف المغلقة، وصولًا لمناداة البعض باقتراح إسرائيل كوسيط بين دول حوض النيل لحل أزمة السد ! وهو ما قد يتكرر بعد انضمام إسرائيل للاتحاد الأفريقي.

كل هذه التحركات تمت عبر عقود من خلال سياسة نفس طويلة الأمد لإسرائيل، ساعدها في ذلك التراجع في النفوذ والتأثير المصري في إفريقيا – على الرغم من امتلاك مصر لفترات طويلة ميزات نسبية أكبر نتيجة الإرث الناصري ووجود قاعدة صناعية متطورة عن جيراننا الأفارقة – ووصلنا لحالة كاملة من الجفاء في عهد مبارك، للحد الذي تشجعت فيه جميع دول حوض النيل بإطلاق اتفاقية ” عنتيبي” فيما بينهم لإدارة موارد مياه النيل بدون التواصل مع مصر والسودان، واتضح للمصريين بعد ثورة يناير فداحة الخسائر التي تكبدناها من الابتعاد المصري عن التأثير والتعاون الناجع مع الأفارقة، مقابل التمدد والتأثير الإسرائيلي الكبير.

تحاول مصر في السنوات الأخيرة الإفاقة والعودة للقارة عبر تعاون اقتصادي مشترك، وتشجيع للشركات المصرية على الاستثمار والتواجد داخل أسواق القارة، ومحاولات تقديم دعم وتعاون في مجالات مختلفة، وجعل مصر مركزًا للصادرات إلى أفريقيا.

كذلك تحاول مصر تقديم منح تعليمية ومنها ما هو متعلق بالقيادة مثل البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب الأفارقة، لكن الطريق طويل للغاية، وخلق تشابك مصالح يحتاج الكثير من الجهود لاستعادة التوازن، وتشجيع الشركات المصرية على الاستثمار في أفريقيا يحتاج مجهودات أكبر لدعم شركات القطاع الخاص وتأمينها ضد مخاطر الاستثمار وتحفيزها على ذلك بقوة.

لكن أن تستطيع مصر استعادة تأثير واضح لها، يوازي أو يقابل التأثير والتواجد الإسرائيلي المتجذر هو أمر بالغ الصعوبة ويحتاج الكثير من الجهود المضنية والفوائد التي نغازل بها أشقائنا الأفارقة لاستعادتهم في عمقنا الاستراتيجي مرة أخرى كأحد أهم دوائر الأمن القومي المصري.

إذًا عزيزي لا تتفاجئ من حصول إسرائيل على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، لكن عليك أن تسأل لماذا غبنا كمصريين وعرب كل تلك السنوات ؟ وكيف سنتعامل مع هذا الواقع الخطير؟!

محمد سالم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى