فنمختاراتملفات خاصة

إسكندرية كمان وكمان: تحفة خفيّة على Netflix

على الرغم من أن عملية اختيار اﻷفلام على...

 

على الرغم من أن عملية اختيار اﻷفلام على منصة “نتفليكس” غير محفوفة بالمخاطرات مثل سائر عالم اﻷفلام، يوجد عمل فني عالمي متميز يختبئ هناك على مرأى من الجميع، وهو عمل يوسع مفهوم صناعة السينما الذاتية في صميمها ضمن أشياء أخرى. فيلم “إسكندرية كمان وكمان” الصادر في العام 1989 للمخرج المصري يوسف شاهين هو مزيج جريء من صُنوف عدة: فهو ميلودراما رومانسية، وكوميديا صاخبة، ودراما سياسية، واستدعاء للذاكرة، وعمل من أعمال المرجعية الذاتية يدور في عالم صناعة السينما المصرية، ويسيطر على هذا كله شغف بشكسبير. اﻷكثر من ذلك أنه يضم المخرج الستيني نفسه (الذي توفي في العام 2008 عن عمر ناهز 82 عامًا) في دور رئيس يُزهر بالحيوية ويتمتع بحميمية لا مواربة فيها.

يوسف شاهين

تنطق التترات الافتتاحية للفيلم بمُخيلة خلاقة: يصحب النصَّ على الشاشة أداء صوتي غنائي باللغة العربية لمونولوج “تكون أو لا تكون” من مسرحية “هاملت”، مع حس مسرحي يتراوح بين اﻷوبرا والدراما، يصنع منذ اللحظة اﻷولى حالة من التناغم التعبيري بين الجدية العالية والجرأة الفنية سرعان ما تتنامى من خلال اﻷداء.

لقاء عصيب في القاهرة!

يشترك صانع أفلام في منتصف العمر يدعى يحيى (شاهين) في لقاء عصيب في شقته في مدينة القاهرة مع ممثل أصغر سنًّا يدعى عمرو (عمرو عبد الجليل)، وهو هاملت في مشروع يحيى السينمائي المُقتبس من المسرحية. يغادر عمرو الشقة غاضبًا، معلنًا خروجه من المشروع ﻷنه لا يستطيع تحمل “الشائعات” التي تتضح طبيعتها حين تهدد چيچي زوجة يحيى (منحة البطراوي) بالمغادرة إذا هرع المُخرج وراء عمرو.

على مدار 10 سنوات، تعاوَن عمرو ويحيى وكان النتاجُ مُثمرًا لكنه ضاغط، الممثل يُعد بمثابة مصدر إلهام للمخرج، وكذلك بديل له، فقد جسد شخصيته في فيلم صنعاه معًا منذ عقد كامل. الرابطة بينهما فائقة الحميمية رغم بقاء مدى البُعد الجنسي فيها غير واضح. افتتان يحيى بعمرو لا خجل فيه، وشاهين يستحضر قوة علاقتهما في وثبة فاتنة من الذاكرة السينمائية. يهجر يحيى منزل أسرته في القاهرة بعد مغادرة عمرو إلى غرفة فندقية في مسقط رأسه في اﻹسكندرية، حيث يعتكف لإنجاز نص سينمائي جديد، وهناك في جلسته الوحيدة، يستمع للموسيقى عبر الووكمان وإلى نات كينج كول مغنيًا أغنية “ووكين ماي بيبي باك هوم”، ما تبزغ عنه استعادة ﻷحداث جرت منذ عقد مضى، حين فاز بجائزة كبرى في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم من بطولة عمرو. يحتفل الرجلان بفوزهما وعلاقتهما على حد سواء، ويؤديان ببراعة رقصة نقرية حيوية على نفس اﻷغنية في شارع برليني (أعيد بناؤه كاملاً بشكل عابث داخل ستوديو مع ثلج يستخدم سينمائيًّا).

فيلم إسكندرية كمان وكمان

لقاء عصيب في القاهرة!

رقعة الفيلم ومنظوره هائلان، حيث يشتمل على مشاهد مجاميع، ولقاءات سياسية، وتتابعات فانتازية ضخمة، وفيلم داخل الفيلم، يفككه المخرج مع ارتكاز ذاتي دقيق يجعل الحراك الجمعي لا ينفصل عن الرؤية الفنية الفردية.

في مُولد مزدحم على قارعة الطريق، ويحيى اﻵن في صحبة ممثلة تُدعى نادية (يسرا) يأمل أن تحل طموحاتها الشكسبيرية محل عمرو في مشروعه، نراه يرقص ثانية أمام جمهور مُشجع بأسلوب جَسور تكمن فيه لمحات إيروتيكية مثلية.

تتفجر حياة شاهين السينمائية ومخيلته على الشاشة بجرأة جامحة، مثلما في المشاهد الباذخة لفيلم يحيى عن سيرة اﻹسكندر اﻷكبر، والذي يؤدي فيه بنفسه استعراضًا هزليًّا ساحرًا على ضفة الساحل، ويتضمن ثلاثيًّا غريبًا يرتدي القلنسوات الجامعية، وملك يمضغ علكة ذات فقاقيع، وحارس مُسلح يرتدي زي باتمان، ويرتبط تأليه الملك في كل هذا بعذابات وخيبات أمل يحيى الرومانسية (وهناك مشهد آخر يستعير فيه ذلك الفيلم الموجود داخل الفيلم من المجازات الفكاهية في اﻷفلام الكوميدية الصامتة ليتصاعد الهزل إلى مستويات صارخة من الغرابة).

من بين الروافد السارية في “إسكندرية كمان وكمان” يأتي الفساد في صناعة السينما المصرية، والذي يسميه يحيى “البترودولار”، وهو التمويل الموجه ﻹنتاج المسلسلات التليفزيونية التي يقدمها الفيلم بكونها مغرية المكسب ومثيرة للشفقة لتواضع مستواها (على سبيل المثال، يعرض شاهين في سخرية لاذعة نسخة بديلة تخص يحيى من “هاملت” من بطولة ممثل تليفزيوني شاب ووسيم وغير كفء في التعبير لدرجة تسبب الدوار) .

من فيلم إسكندرية كمان وكمان

الموضوع ليس محض صدفة، فواحد من خطوط القصة الرئيسية للفيلم يرتبط باشتراك شاهين في إضراب عن الطعام نظمه صناع اﻷفلام والممثلين المحتلين لمكاتب نقابات الفنانين، مُطالبين بتغيير في السياسات الحكومية، وتضمنَ حراكهم الجريء مواجهات مع الشرطة وكبار المسؤولين أحدث صدى واسعًا في المجتمع المصري. (واﻷكثر من ذلك أن انخراط شاهين السياسي يطلق فورة انفعالية لذكرياته، ويسهم في بزوغ واحدة من أبرز علاقات التعاون الفني في مسيرته).

وقائع من سيرة يوسف شاهين

يستند فيلم “إسكندرية كمان وكمان” إلى وقائع في حياة ومسيرة شاهين الخاصة (من ضمنها جائزته في مهرجان برلين في العام 1979 عن فيلم “إسكندرية.. ليه؟”، وأداؤه المحتفى به في فيلمه “باب الحديد” الصادر في عام 1958). إن وقائع الاعتصام واﻹضراب عن الطعام في مكاتب نقابات الفنانين في أغسطس/ آب 1987 حدثت بالفعل، وشاهين كان من أبرز المشاركين فيها، وقد يبدو موضوعها شأنًا ثانويًّا: قانون يُسقط القيود عن مدد تولي مناصب القيادات النقابية، لكن الهدف الواضح للقانون هو بسط نفوذ الحكومة على الفنون.

في تترات النهاية، يُهدي شاهين الفيلم “تحية لنضال الفنان المصري من أجل الديمقراطية”. “إسكندرية كمان وكمان” واحد من أعظم اﻷفلام السياسية، خاصة لتشديده على كُلية النضال السياسي، وعدم انفصاله عن الحرية الجنسية، والمُخيلة الفنية، والكوزموبوليتانية المنفتحة، والدفاع بلا قيود عن الحقوق، والمسائلة القاسية للذات، والطاقة المُبهجة.

*نُشرت هذه المقالة في مجلة “ذا نيويوركر” في أغسطس/ آب 2020 بعد طرح عدد من أفلام المخرج الراحل يوسف شاهين عبر منصة نتفليكس العالمية.

محمود راضي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى