إسلاميو المغرب وتونس بين الدعوة والسياسة

الملخص:

تعتبر جدلية العلاقة بين الديني والسياسي من أهم الإشكاليات التي تشغل بال الدارسين لتطور حركات “الإسلام السياسي” بالمنطقة العربية، نظرا لما يميز خطابات الإسلاميين من تداخل واضح بين هذين المجالين، وما يخلقه من التباسات في التعاطي مع قضايا السياسة، التي هي بطبيعتها قضايا زمنية، آنية ومتغيرة؛ بينما يرتبط المجال الديني بما هو متعال على الزمان والمكان، وما يرتبط به من قيم إنسانية، يفترض أنها مطلقة، وصالحة لكل عصر.

ويقدم هذا العمل مقارنة بين تجربتين “إسلاميتين”، بارزتين؛ يجمع بينهما قاسم مشترك، خاصة بعد أحداث ما عرف بـ “الربيع العربي”، ممثلا في المشاركة في الحكم والسلطة بكل من تونس والمغرب. وتحديدا عند حركة النهضة التونسية و التوحيد والإصلاح المغربية من خلال امتدادها السياسي ممثلا في حزب العدالة والتنمية.

مقدمة :

يجد السياسيون الإسلاميون في المنطقة المغاربية وبالأخص في المغرب وتونس – أنفسهم أمام تحديات كبيرة، وتحديدا على مستوى ترتيبهم للعلاقة بين الديني والسياسي.

وفي هذا الصدد اعتبر أستاذ علم الاجتماع المغربي محمد الطوزي أن “التحدي الكبير المطروح على قيادة حزب العدالة والتنمية [المغربي] هو التفكير في الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي” .

بيد أن المتأمل لمسارات الواقع ومجريات اللحظة الراهنة يجد مايناقض رؤية الطوزى في مسار تجربة الحزب بالمغرب أن الأمر على خلاف ما ذهب إليه ، فالتفكير في هذه المسألة قديم عند قادة تنظيم العدالة والتنمية قدم تجربتهم الحزبية ذاتها، وليس وليد اليوم حيث رمت بهم رياح “الربيع العربي” إلى مربع المشاركة في الحكم والسلطة، ولم تتمكن تداعياتها بعد من القذف بهم خارجها.

⪡ المحور الاول

1- تحديات العلاقة بين الديني والسياسي

في بداية التحاق حركة “التوحيد والإصلاح” بحزب الحركة الشعبية الدستورية الذي أسسه أحد أعضاء جيش التحرير المغربي، الدكتور عبد الكريم الخطيب، والذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى الأسرة الملكية الحاكمة بالمغرب، أسفرت عدة نقاشات داخل حركة “التوحيد والإصلاح” عن اتخاذ قرار تاريخي، تمثل في الفصل بين الدعوي والحزبي، مع الإقرار باستقلالية كل منهما عن الآخر، مع الإحتفاظ على ما تم تسميته فيما بعد بعلاقة قائمة، على أساس “الشراكة الاستراتيجية” بين الطرفين.

بيد أن هناك من كان يري في محاولات الفصل بين السياسي والدعوي التى تمت داخل التوحيد والاصلاح قد تمت في “إطار الغموض والالتباس “، على خلاف ما حدث في تونس حيث انخرط، حزب النهضة في هذا الطريق بجهود رئيسه راشد الغنوشي. في حين لا يتوفر حزب العدالة والتنمية على منظرين بمستطاعهم القيام بهذه المهمة .

العثماني

لا يمكن اغفال دور الشيخ راشد الغنوشي وتنظيراته التى ساهمت بشكل كبير في تطوير الفكرة الحركية الإسلامية، ودفعتها بشكل كبير إلى التوافق مع روح العصر. ولا جدال أيضا، في أن إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح المغربية لا يتوفرون على مفكرين من هذه النوعية والكيفية ، بل أغلب منظري هذه الحركة يتحركون من داخل المنظومة الفقهية التقليدية، خاصة من قدّموا كتابات في هذا الموضوع، أمثال الدكتور أحمد الريسوني والدكتور سعد الدين العثماني، ولاشك انه جهد لا يخلو من نفس تجديدي لا تخطئه عين قارئها، خاصة على مستوى تدبير العلاقة بين الديني والسياسي.

لكن الاشكال الحقيقي لدى الكثير من الباحثين والمحللين، يكمن في أنهم يختزلون حزب النهضة في شخص راشد الغنوشي وفكره، مما يوقعهم في أخطاء منهجية تترتب عنها بالضرورة استنتاجات وخلاصات خاطئة. إذ ليس فكر الغنوشي إلا “اجتهاد” من بين “اجتهادات” متعددة داخل حركة النهضة التونسية، ساهمت فيه ودعمته قدرته على إدارة الحوار والنقاش واستيعاب المخالفين، إلى حدود اللحظة الراهنة، وجنبتها انفجارات وانشقاقات كان من الممكن أن تتولد داخل هذه الحركة.

هكذا تبقى إشكالية العلاقة بين الدعوي والسياسي من بين أهم الإشكاليات العالقة داخل حزب النهضة، إذ لا يزال الخلط واللبس بينهما هو سيد الموقف عند إخوان الغنوشي، ولم يتمكنوا بعد من إيجاد صيغة ملائمة لترتيب العلاقة بينهما.

ولسنا في حاجة إلى القول أن إسلاميي النهضة في تونس يوجدون في وضع متأخر في الموقف من هذه المسألة بالذات، لا بالمقارنة مع نظرائهم المغاربة فقط، ولكن، بالمقارنة حتى مع نظائرهم بالمشرق العربى ، فقد أسس كل من إخوان الأردن، ومصر في مرحلة لاحقة، حزبا سياسيا يمارسون من خلاله العمل السياسي المباشر، كما هو الحال عند المغاربة حاليا.

 

صحيح أن تجربة الإخوان المسلمين في الأردن ومصر لم تعبر عن فصل حقيقي بين الدعوي والسياسي، إذ لا يعدو أن يكون الأمر مجرد التفاف على مواجهة هذه الإشكالية بالحلول الجدية المطلوبة، مادامت قبضة الجماعة بقيت ممسكة بالحزب تأسيسا وتمويلا وتوجيها، حيث كان يضطر الكثير من الفرقاء إلى مفاوضة قيادة الجماعة وتجاوز قيادة الحزب، التي يعرفون أنها لا تملك عقدا ولا حلا !

⪡ المحور الثاني

2- الاسلاميون المغاربة.. جوهر المفارقة وأسس الاختلاف

تختلف تجربة الإسلاميين المغاربة على التجربتين السابقتين، لكنه اختلاف في الدرجة وليس في الجوهر، إذ ما يزال الغموض هو سيد الموقف فيما يتعلق بالرؤية الاستراتيجة للعلاقة بين الديني والسياسي، هل هي علاقة فصل فعلا، كما تنص على ذلك أدبياتهم، أم هي علاقة وصل كما يبدو ذلك من بعض بياناتهم ومواقفهم؟

التوحيد والإصلاح

ومع ذلك، لا يمكن أن ينكر المتابع ما تحقق من تراكم عند إسلاميي “التوحيد والإصلاح” المغاربة من تراكم سيفضي لا محالة إلى وضع مسافة واضحة بين الديني والسياسي، من شأنها أن تتنهي إلى فصل تام بين الدعوي والحزبي، كنتيجة طبيعية للتطورات المختلفة التي تتفاعل داخل الحزب (العدالة والتنمية) والحركة (التوحيد والإصلاح)، ستؤثر لا محالة على مستقبل العلاقة القائمة بينهما.

بنكيران وقيادات العدالة والتنمية قديمًا

في الواقع وتحديدا فيما يتعلق بمقاربة إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، فان إسلاميي المغرب يقعون في وضع متقدم وليس إسلاميي تونس ، إذ أن إسلاميي المغرب لم يتخذوا قرار الفصل بين “الدعوي” و”السياسي” بناء على اجتهادات نظرية أو نتيجة تأملات فكرية، انما لجأوا إلى هذا القرار كحل لمعضلات عملية وواقعية، فرضت عليهم فرضا هذا الحل، الذي لم يكن اختياراً حراً بشكل مطلق، بقدر ما اضطروا إليه اضطرارا تحت ضغط الضرورة والإكراه.

والسبب في ذلك أنهم كانوا يعلمون أن الدكتور الخطيب، الذي فتح لهم أبواب حزبه، الحركة الشعبية الدستورية، المسمى لا حقا بحزب العدالة والتنمية، لم يكن ليقبل – لا هو ، ولا من معه من رفاقه القدامى، ولا من عيون السلطة التي تراقب عن كثب محاولته إدماج جناح معتبر من الإسلاميين في العملية السياسية- أي تحكم في مسار الحزب من طرف قيادة حركة التوحيد والإصلاح، التي كان يرأسها حينذاك الدكتور أحمد الريسوني.

ومما دفع بهذه الاستقلالية المؤسساتية بعيدا هو أن الكثير من مراكز الثقل داخل حركة التوحيد والإصلاح نزلت بقوة داخل مؤسسات الحزب القيادية، كـ ” عبد الإله بنكيران” و”مصطفى الرميد” و”سعد الدين العثماني” والراحل “عبد الله” بها وغيرهم من القيادات المؤثرة، التي لم تكن لتقبل بأن تسيرها قيادة الحركة من خارج هياكل الحزب.

هكذا دفعت موازين القوة، الداخلية والخارجية، الحزب والحركة إلى قبول صيغة استقلالية كل منهما عن الآخر، وهي استقلالية تنقص وتزيد حسب الظروف والمواقع، وعلى خلاف ما يجري عند إخوان المشرق، يبدو في كثير من الأحيان أن قيادة الحركة (التوحيد والإصلاح) مجرد تابعة لقيادة الحزب ومؤتمرة بأوامرها.

ولعل المفارقة الغريبة، هي أنه في الوقت الذي يعرف حزب العدالة والتنمية انفتاحا كبيرا على مختلف شرائح الشعب المغربي، ويقبل بين صفوفه المتدينين وغير المتدينين، شريطة الالتزام ببرنامجه السياسي فقط، وقواعده التنظيمية ولوائحه الحزبية فحسب، ما تزال حركة التوحيد والإصلاح تفرض على أعضائها تصريف نشاطهم السياسي من خلال واجهة حزبية واحدة ووحيدة وهي حزب العدالة والتنمية.

هذه الوضعية دفعت العديد من الناشطين داخل حركة التوحيد والإصلاح إلى العزوف عن الممارسة السياسية والحزبية، وذلك لأسباب متعددة، فكرية ونفسية وتنظيمية، حالت بينهم وبين الانخراط في تجربة العدالة والتنمية، أو لجاوا الى الانسحاب منها بعد مدة نظرا لاكتشافهم بانهم لم يعودوا يجدوا ذواتهم داخلها.

تفرض هذه الحالة المتنامية بقوة داخل حركة التوحيد والإصلاح ضرورة التكيف معها، عاجلا أم آجلا، وذلك من خلال تحولها تدريجيا من هيئة منغلقة على جهة حزبية وحيدة، إلى هيئة مدنية تتيح لأعضائها حرية التفاعل مع مختلف التجارب الحزبية الوطنية، انتخابا وتصويتا وانتماء ونشاطا.

⪡ المحور الثالث

3- التمايز بين إسلامي المغرب وتونس

إن الملاحظات النقدية التي سجلت سابقا، لا تنكر التقدم الذي حصل عند إسلاميي المشاركة بالمغرب، فيما يتعلق بموقفهم من العلاقة بين الديني والسياسي، ولا تغفل التطورات السريعة والمتلاحقة التي تجري عندهم، والتي يمكن أن تفرز نتائج مدهشة ومفاجئة.

وقد واكبتها كتابات حاولت التأصيل الشرعي والفكري للتمييز بين الديني والسياسي، كما نجد ذلك مع سعد الدين العثماني، الذي يتبنى أطروحة مفادها أن الفعل السياسي باعتباره فعلا دنيويا بشريا واجتهاديا، يصعب مزجه كليا بالفعل الديني، كما يتعذر فصله كليا عنه، مادام الفعل الإنساني عموما، ومن ضمنه الفعل السياسي، لا يمكن عزله بالمطلق عن مبادئ الدين وقيمه.

كتاب فقه الدين والسياسية – العثماني

لا يجد العثماني في كتابه ” فقه الدين والسياسة” حرجا في الدعوة إلى قراءة متفحصة ومتفهمة للتجربة السياسية المغربية تمكن الإسلاميين من إبداع نموذجهم الخاص للعلاقة بين الديني والسياسي، وهذا في اعتقاده يتطلب “إزالة القداسة عن الجوانب المتعلقة بالسياسة من الدين” ؛ وفي هذا الإطار ينبغي أن نميز في الدين بين مستويين اثنين: أحدهما يتعلق ب”المبادئ العامة” و”المقاصد الكبرى” للدين ، وهي في نظر العثماني مطلقة و”مقدسة” وثانيهما يتعلق بكل ما هو “بشري دنيوي”، وهي أمور خاضعة للاجتهاد البشري وقابلية للنظر والمراجعة.

تنتمي مسألة الحكم والسلطة للمستوى الثاني، أي أنها قضية دنيوية خالصة، ترك الدين شأنها للاجتهاد الانساني والاختيار المجتمعي، وحجة العثماني في مذهبه هذا هي أن “الرسول(ص) نفسه توفي ولم يعين أو يوص لأحد بعده بالحكم” .

وإذا كان عدد من رواد الفكر الحركي الإسلامي يعبر في كل مناسبة عن تطلعه إلى إحياء نموذج “الخلافة على منهاج النبوة”، كما هو حال عبد السلام ياسين في المغرب وغيره من الإسلاميين في المشرق، فإن العثماني، بالرغم من تقديره للمكانة التي يحتلها نموذج “الخلافة الراشدة” في تاريخ المسلمين وفي نفوسهم، فإنه يقول بتاريخية هذا النموذج ومحدوديته في الزمان والمكان، وعدم قابليته للتكرار في أزمنة وأمكنة لاحقة، فإذا اعتقدنا، مع العثماني، بنسبية “الممارسة السياسية النبوية نفسها، فمن باب أولى أن تكون التجربة الراشدية كذلك نسبية” .

p style=”text-align: justify; direction: rtl; margin-bottom: 25px;”>وبذلك يكون من الخطأ اعتبار تجربة الخلفاء الراشدين، التي هي وليدة سياقات تاريخية مغايرة لظروفنا المعاصرة، جزءا من الدين يجب على المسلمين في كل عصر اتباعه . بل يتعين على مسلمي اليوم بناء دولتهم “المدنية” انطلاقا من الانفتاح على ما راكمته التجربة الإنسانية المعاصرة من آليات ونظم في تدبير شؤون الحكم والسلطة وترتيب للعلاقة بين الديني والسياسي. وبذلك يكون المسلمون قادرين على “تمثيل النموذج الديمقراطي في أعلى صوره، بل وإغنائه بمبادئ وقيم تعطيه السمو الإيماني والعمق الاجتماعي والبعد الإنساني الواسع” .

وإذا كان سعد الدين لم يبين الكيفية التي يمكن بها للمسلمين “تمثيل النموذج الديمقراطي في أعلى صوره”، بل بقي كلامه مجرد قول خطابي وإنشائي، يلهب عواطف جمهور الإسلاميين ويداعب أحلامهم الإيديولوجية، فإنه يشبه في موقفه هذا كل من راشد الغنوشي ومحمد سليم العوا ومحمد عمارة وعبدالوهاب المسيري، في التأرجح والتذبذب في الخروج بقول حاسم حول علاقة الديني بالسياسي.

هكذا اهتدى العثماني إلى مقولة التمييز بين الشأن الديني والشأن السياسي، من دون القول بالفصل التام بينهما، وهي محاولة لبقة ومرنة لتكييف الفقه السياسي الإسلامي المعاصر مع واحدة من متطلبات الحداثة السياسية وهي العلمانية. ذلك أن النقطة التي تشكل قاسما مشتركا بين المقاربات العلمانية المختلفة للمسألة الدينية هي هذه التي يقوم العثماني باستنباطها، بطريقة سلسلة ومقبولة في التربة الفقهية الإسلامية، وهي ضرورة التمييز بين الديني والسياسي، وهو بذلك يكون قد خطى خطوة حذرة على أرض الملاءمة بين الإسلام والعلمانية، لكنها خطوة من شدة حذرها، ربما بسبب الرواسب (السلفية-الإخوانية) الضاغطة على العقل السياسي الإسلامي المعاصر، والتى لا تقدم إطارا نظريا واضحا لعلاقة الديني والسياسي.

⪡ المحور الرابع

4- إسلاميو تونس والتداخل بين الدعوي والسياسي

 

وبالعودة إلى مقارنة تجربة إسلاميي المغرب بإخوانهم في تونس، نجد الأولين قد قطعوا فعلا شوطا مهما، على طريق الفصل بين الديني والحزبي، في حين لا يزال الوضع أكثر تداخلا وتشابكا عند حزب النهضة في تونس، إذ لم يتم اتخاذ أي موقف من هذه القضية، بما هي جديرة به من عناية وأهمية.

وهو ما يبرهن عليه الغنوشي بقوله أن علاقة الديني بالسياسي ، تعتبر من أهم الإشكاليات التي تواجه الإسلاميين في تونس، خاصة وهم في مرحلة بناء دستور ونظام جديدين والذى يفترض ان يكون نظاما ديمقراطيا يحترم حقوق الإنسان” .

ويتضح من ذلك اشكالية الأمر والذي بلوره الغنوشي في التساؤل التالي: هل علاقة الإسلام بالعلمانية هي “علاقة تضارب وتخارج أم هي علاقة تداخل؟” . فموضوع هذه العلاقة ليس بينا وواضحا كما يعتقد العديدون، بل هو، في نظره، حديث يكتنفه الغموض والالتباس، يؤدي إلى تعدد في الفهم والتأويل، بقدر تعدد صور فهم الإسلام والعلمانية .

يعتقد الغنوشي أنه من الخطأ النظر إلى العلمانية كثمرة لمجهودات فلسفية مناقضة للتصورات الدينية، لأنها تبلورت كحل إجرائي لمشكل العلاقة بين الديني والسياسي في السياق التاريخي الأوربي، فقد كانت ترتيبا عقلانيا ل”استعادة الإجماع الذي مزقته الصراعات الدينية” .

راشد الغنوشي

و يطرح الغنوشي سؤالا أخرآ :إذا كانت العلمانية ترتيبا لعلاقة الدين والدولة في الغرب الأوربي، هل عرب ما بعد ثورات الربيع في حاجة إلى هذا الترتيب؟ يمهد الغنوشي لإجابته عن هذا السؤال بتحديد مضمون هذه الإجراءات التي تمثلت في حيادية الدولة “إزاء الديانات” وعدم تدخلها في “ضمائر الناس”، فهي، أي “الدولة مجالها “العام” بينما الدين مجاله “الخاص”” .

منتهيا إلى صياغة أكثر دقة ووضوحا لسؤاله السابق: هل الإسلام في حاجة إلى حيادية الدولة إزاء الديانات المختلفة؟ .

ينطلق الغنوشي من المسلمة الشهيرة عند أغلب الفاعلين في المجال الحركي الإسلامي، وهي القول بأن الإسلام دين ودولة، وأن الرسول (ص) هو “مؤسس الدين ومؤسس الدولة في نفس الوقت” . وعلى هذا الأساس بويع بيعتان، أولهما دينية وثانيهما دنيوية، فتبوأ بذلك إمامة الدين والدولة معا . وقد كانت الدولة الإسلامية تقوم على مجموعة من المواثيق والعهود التي تنظم العلاقات بين مكوناتها المختلفة، وقد كانت “الصحيفة” في مقدمتها، التي تضمنت تمييزا واضحا بين الديني والسياسي في الإسلام، مما دفع الغنوشي إلى تبني أطروحة التمييز، كما فعل كل من محمد سليم العوا ومحمد عمارة وسعد الدين العثماني، وتفضيلها على أطروحة الفصل بين الدين والدولة كما تبلورت في السياق الغربي .

يفهم الغنوشي فصل الدين عن السياسة بمعنى إقصاء للدين من كل مناحي الحياة الدنيوية ، الأمر الذي لا يتردد في رفضه وإنكاره طالما أن فقهاء الإسلام وعلماءه الكبار، ميزوا بشكل لا لبس فيه بين الديني والسياسي، معتبرين المقصد الأسمى “لنزول الرسالات هو تحقيق العدل ومصالح الناس” . وذلك هو الهدف من الترتيبات العلمانية في السياق الأوربي، فهي لم تكن مقصودة لذاتها وإنما كانت انتصارا للعدل بالدرجة الأولى.

هكذا يعتقد الغنوشي أن السياق التاريخي الإسلامي، والسني خصوصا، ليس في حاجة إلى فصل للديني عن السياسي، طالما التمييز بينهما كان واضحا في نظر الفقهاء والعلماء، وهم متعددون في اجتهاداتهم وأفكارهم الأمر الذي “يفرض قدرا كبيرا من التسامح”، واللجوء إلى الآلية الديمقراطية لتجسيد “قيمة الشورى في الإسلام بحيث لا يكون الاجتهاد حينئذ فرديا بل جماعيا من قبل ممثلي الشعب” . أما العلمانية فليست في نظر الغنوشي، شيئا آخر غير مجموعة من الترتيبات والإجراءات لضمان حرية المعتقد والفكر، وهي حرية ما فتئ ينتصر لها في كل كتاباته باعتبارها مصونة الاجتهاد الإسلامي المعاصر .

راشد الغنوشي يتحدث عن حقيقة الفصل بين السياسي و الدعوي

يمكننا أن نسجل قدرا من اللبس والغموض في مقاربة الغنوشي من المسألة العلمانية فهو يحاول احتواءها تارة من خلال النظر إليها باعتبارها آلية لضمان حرية الرأي والاعتقاد وحيادية الدولة إزاء الأديان، وهو المضمون الذي لا يعبر الغنوشي عن أي موقف رافض له، بل على العكس من ذلك تماما يعتبر أن جوهر الإسلام هو الحرية، وفي مقدمتها حرية الإعتقاد، لكنه، في الوقت ذاته، لا يرى حاجة إلى العلمانية في السياق الإسلامي، الذي عرف تمييزا واضحا بين الديني والسياسي جعل المسلمين في غنى عن كل دعوة علمانية أي الفصل بين الديني والسياسي.

يعكس هذا الموقف حيرة الفاعل الإسلامي المعاصر حينما يجد نفسه ممزقا بين قناعاته الإيديولوجية القديمة وما يفرضه عليه واقعه الفعلي من مواقف وحلول عملية لا تقبل التأجيل ولا ينفع منطق المناورة والتسويف معها في شيء.

هذا الموقف البرزخي، الذي لا يرفض العلمانية على المستوى العملي لكنه لا يجرأ على مغامرة تبنيها كواحدة من مقولاته الفكرية المعلنة والصريحة، نجده عند عدد من مفكري الإسلام الحركي المعاصر، وتحديدا إسلاميي حكومات الربيع العربي . فيما تكمن أهمية كتاب “آراء جديدة في العلمانية والدين والديمقراطية” ،في كونه مثل كشّافا لتك الأفكار التي توضح رؤية الشيخ راشد الغنوشي لثنائية الدين والدولة وجدليتهما .

⪡ المحور الخامس

5- “الإسلام والديمقراطية” و”الإسلام والعلمانية”
و ثنائية الوصل والفصل

يذكر القيادى بحركة النهضة رفيق عبد السلام أن طرح قضية العلاقة بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية لا “يدخل في دائرة الترف الفكري، أو إنه مجرد نزوة “تأملية” تتطلب قليل الاهتمام من قبل بعض المثقفين والمفكرين فعلى العكس من ذلك باتت هذه القضية تفرض نفسها على الجميع .

رفيق عبدالسلام

اذ ينطلق الكاتب في مقاربته للاسلام والعلمانية من المسلمة التي انطلق منها شيخه راشد الغنوشي وهي أن الإسلام ليس “حالة نمطية منغلقة على نفسها، ولا العلمانية حالة مكتملة وموحدة، ولا العلاقة بينهما على ضرب واحد وصورة واحدة” .

هكذا نجده يقدم ترتيبا في العلاقة بين مفاهيم “الدين” و”العلمانية” و”الديمقراطية”، قوامه فصل ما جرت العادة على وصله، ووصل ما درج التقليد على فصله. ذلك أنه إذا كان الفصل بين الدين والديمقراطية في السياق العلماني من الأمور المشهورة، كما أن الوصل بين الديمقراطية والعلمانية من المسائل المعروفة عند الجميع، فإن القيادي بالنهضة لم يدخر جهدا قصد القيام بالعكس، وهو القول بالوصل بين الدين والديمقراطية والفصل بين الديمقراطية والعلمانية.

فليست كل نزعة علمانية ديمقراطية كما أن كل نزعة دينية ليست بالضرورة مناقضة للقواعد الديمقراطية. فالديني هو ما يعطي للفعل السياسي روحه وقلبه، ويضفي عليه طابعه الأخلاقي والقيمي، ويحد من نزوعه إلى تحويل السياسة إلى مجرد لعبة للاستئثار بالسلطة والاستحواذ على الثروة.

ينظر رفيق إلى السياسة باعتبارها حقلا للقيم الروحية والأخلاقية، وتمرينا لخفض الجناح وحب الآخر والتواضع والاستقامة ونظافة اليد، وتلك هي المكارم التي ختم بها الدين رسالته السماوية، فلا عجب أن يرفض وفق هذه النظرة كل افتعال للخصام بين الإسلام والديمقراطية، مما يسر له الطريق لرفض كل ترابط ضروري بين العلمانية والديمقراطية، اعتمادا على تجارب مجتمعات متعددة.

ويشدد رفيق على ان “العلمانية لم تكن نتاج مطارحات فكرية هادئة، بقدر ما كانت عبارة عن حل عملي فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت عموم القارة الأوربية في القرنين السادس والسابع عشر” . لكنه لا يعمل على استثمارها بالقدر الكافي في نقاشه لها ، وفي ذات الوقت لم يقدم المبررات العلمية والنظرية التي خلقت العزوف عن هذا الاستثمار أم هى الحاجة إلى أجواء سياسية واقعية تدفع نحو تفكير مغاير في المسألة .

ولعل من أهم المفارقات التي يقع فيها رفيق عبد السلام هو رفضه للقراءة الفيبرية – التي تعتبر الحداثة والدين ضدان لا يلتقيان وفي ذات الوقت يسلم معه أن الدين والعلمانية لا يلتقيان، فبالنسبة لرفيق “ليس من المسلم به أن الحداثة والدين ضدان لا يلتقيان، فخلافا لما ذهب إليه فيبر، فإن واقع الخبرة التاريخية الحية يبين إلى أي حد هي مركبة ومعقدة تجربة الحداثة ” .

هكذا نجد رفيق يميز بين صور مختلفة للحداثة فيقبل بعضها ويرفض بعضها الآخر، ونفس الشيء يفعله مع العقلانية فهي عقلانيات متنوعة، لا يرفضها كلها، وحتى إذا سلمنا بأن هنالك عقل كوني ومشترك فهو، في نظر رفيق، نتاج الفاعلية التواصلية بين الحضارات والثقافات، ولا يوجد كوني متشكل بصورة قبلية . وإذا كانت العلمانية أيضا علمانيات فإنه لا يفاضل بينها، كما لاحظنا ذلك في تعامله مع “الحداثة” و”العقلانية” بل ينبذها جميعا وراء ظهره من دون تبرير ذلك تبريرات كافية

وما يثير التعجب والاستغراب في طرح رفيق عبدالسلام الفكرى هو رفضه لأطروحة عدد من المفكرين الغربيين، ومن تبعهم من المفكرين العرب، والقائمة على فكرة “التأكيد الدائم على انعدام قابلية التعايش بين الإسلام والعلمانية، ومن ثم بين الإسلام والحداثة” .
فضلا عن عدم قبوله للقراءات الغربية التي تعتبر أشكال الممانعة التي يبديها المسلمون إزاء العلمانية والحداثة ليست إلا طفرة احتجاجية عابرة، وأن “حركات الإسلام السياسي ليست إلا جسرا موصلا للعلمنة والتحديث الخفيين، مثلما كانت الإصلاحية البروتستانتية جسرا عابرا نحو الرأسمالية و”الأزمنة الحديثة”” .
و يعلل رفيق رفضه لهذا الاتجاه بكونه وليد القراءة الغربية وتحديدا “الفيبرية ” التي تنظر إلى دور الدين في العلمنة والتحديث مثل دور “ذكر النحل الذي يقوم بتلقيح أنثاه ثم لا يلبت أن يموت بمجرد أداء وظيفته البيولوجية فدور الدين لا يتجاوز القيام بالدفع الأولي لحركة العالم الحديث الذي ينفصل بعد وفق معقوليته الخاصة غير خاضع للعقائد ولا عابئ بالأديان” .
وإذا كان الباحث الأمريكي جون ديوي يعطي الأولوية للجانب السياسي للعلمانية على بقية جوانبها الأخرى، ويعتبر أن بذورها موجودة في التجربة التاريخية العربية الإسلامية، نظرا لما عرفته من تمايز بين مؤسسة الحكام ومؤسسة العلماء، الأمر الذي يشجع على إمكانية قيام أنظمة سياسية علمانية في العالم العربي المعاصر، غير متخاصمة مع الشأن الديني .

كتاب آراء جديدة

فإن السيد رفيق لم ينظر لقراءته هذه بعين الرضا، فهي شأنها شأن القراءات السابقة، “على اختلاف مضامينها وتنوع القائلين بها، أنها لا تقرأ الإسلام من خلال مفاهيمه الأساسية ومقولاته الداخلية، بل غالبا ما تخضعه ل”نماذج” نظرية جاهزة، ومفاهيم نمطية ضاربة الجذور وممتدة العروق في الموروث المسيحي والاستشراقي” .
ينطلق رفيق من نفي وجود صورة واحدة موحدة للاسلام، ف”لا يوجد إسلام نمطي وموحد، اللهم إلا في مخيلة بعض الجماعات الطهورية مثل الخوارج، وبعض الأجنحة الشيعية الباطنية قديما، وبعض جماعات التشدد الإسلامي حديثا، ثم في رؤوس بعض المستشرقين المهووسين بتحديد صورة ثابتة وجوهرية للاسلام والمسلمين متعالية عن التاريخ وأحوال الاجتماع” .
لكنه يستدرك فيما بعد قائلا بأن غياب صورة موحدة للإسلام لا يعني أنه فاقد لأي مرتكز دلالي أو هوية مشتركة . تتمثل في الارتباط بالنص القرآني باعتباره وحيا إلهيا، والالتقاء عند مجمل أصول الإسلام وأركانه كالصوم والصلاة والحج. والشعور الروحي بالانتساب إلى أمة واحدة جامعة .
يتميز الإسلام عن باقي الديانات بخصوصية نظرته لعلاقة الديني بالدنيوي، وصلة الروحي بالزمني . لذلك لا ينبغي معالجة علاقة هذا الدين بالعلمانية انطلاقا من النماذج النظرية التي صاغها كل من فيبر ودروركايم وغيرها من النماذج الغربية التي “تغذت وما زالت تتغذى من المخزون التأويلي المسيحي الروماني” .
و جوهر الاختلاف بين الإسلام والعلمانية لا يعود إلى ارتباطه بالمطلقات الغيبية مقابل ارتباط العلمانية بعالم الدنيا النسبية بقدر ما يتعلق بنوعية الرؤية إلى هذه الدنيا وصلتها بالآخرة .
وبقدر ما أبدى رفيق فهما للقراءة الفيبرية للديني وعلاقته بالدنيوي بقدر ما بقي أسيرا لها وإن تم ذلك بالمخالفة فحال ذلك بينه وبين استثماره لتحليلاته السابقة القائلة بأن الإسلام متعدد والعلمانية متعددة الصور، ومن بين صورها أنها أداة إجرائية لترتيب الشؤون السياسية بعيدا عن أنماط الاستقطاب الطائفي والديني. وبذلك ضيع الكاتب فرصة الذهاب بعيدا في الاستفادة من هذا التأويل الأخير مدعيا أنه وليد نظرة غربية تعتبر الدين محركا أوليا سرعان ما يلحقه الهلاك والموت، دون أن ينتبه لقيمة الملاحظة التي نبه هو نفسه إليها وهي الحضور القوي للديني في مختلف مناحي الحياة الأمريكية المعاصرة، بالرغم من أن الديانة المسيحية في تأوليها البروتستانتي لا تتوفر على نفس التصورات الإسلامية القوية الربط بين المادي والروحي.
ومن هذه الجهة يمكن القول أن رفيق لم يقدم نظرة مغايرة لعلاقة الإسلام بالعلمانية بل اكتفى بترديد الموقف الحركي الإسلامي التقليدي الرافض بشكل مسبق للعلمانية، هذا على الرغم من أن منطق تحليلاته يقود إلى عكس ذلك تماما.

الجابري

لا بد من الإشارة إلى أن رفيق ليس هو أول من دعا إلى استبعاد العلمانية كتسمية، بل سبقه إلى ذلك المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي اعتبر أن هذه الكلمة مدعاة للبس وسوء التفاهم ، وذلك لأسباب يجملها الجابري فيما يلي:
1- هذه الكلمة تحيل إلى مضمون لا يشكل جزءا من الموروث العربي الإسلامي، بحيث يستحيل وضع مقابل عربي للفظ الذي يعبر عن ذلك المضمون في موطنه .
2- مضمون هذا المفهوم مرتبط بظاهرة دينية لا وجود لها في التجربة الحضارية الإسلامية، وهي ظاهرة الكنيسة وما تمثله من وساطة بين العباد والإله، وهي ظاهرة يرفضها الدين الإسلامي ويشجبها شجبا .
3- ارتباط رفع شعار العلمانية في العالم العربي بظروف لم تعد قائمة اليوم: وهي التحرر من السلطة العثمانية . هذا من جهة ومن جهة ثانية عكس تبني هذا الشعار من طرف مفكرين عرب مسيحيين خوفهم من الهيمنة الطائفية، ورغبتهم في بناء الدولة على أساس ديمقراطي عقلاني، وليس على أساس الهيمنة الدينية .
انطلاقا مما سبق يستنتج الجابري أن عبارة فصل الدين عن الدولة غير مستساغة في المجتمع الإسلامي ل”أنه لا معنى في الإسلام لإقامة التعارض بين الدين والدولة. إن هذا التعارض لا يكون له معنى إلا حيث يتولى أمور الدين هيئة منظمة تدعي لنفسها الحق في ممارسة سلطة روحية على الناس، في مقابل سلطة زمنية تمارسها الهيئة السياسية: الدولة” .
ومن أجل ذلك دعا الجابري، منذ الثمانينيات من القرن الماضي بضرورة استبعاد شعار “العلمانية” من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري “الديمقراطية” و”العقلانية”، فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية والدينية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج” .

جورج طرابيشي

وهو الموقف الذي تهكم منه جورج طرابشي، مستغربا كيف أن يطالب ممثل “العقلانية النقدية العربية” البارز “بسحب الكلمة الرجيمة ” العلمانية” من قاموس الفكر العربي المعاصر” .بل إن طرابيشي ينتقد كل المفكرين العرب القائلين بأن العلمانية “إشكالية مستوردة” ، ويستنكر ربطهم للعلمانية بالأقليات المسيحية في حين يرى أنها ليست حلا للتعددية الدينية فقط بل تصلح، وربما بالدرجة الأولى في العالم العربي، للتعددية الطائفية، نظرا لما يعرفه من تنوع طائفي إسلامي “ومن منظور هذه التعددية الطائفية الإسلامية، فإن قضية العلمانية في العالم العربي ليست فقط قضية مسيحية – إسلامية، كما يطيب لخصوم العلمانية تصويرها، بل هي أيضا، وربما أساسا، قضية إسلامية – إسلامية” .
وإذا عدنا إلى أطروحة رفيق عبد السلام، فإننا لا نجدها تشفي الغليل بهذا الصدد، حيث يفضل الهروب إلى الأمام حينما يقول: “وهكذا يمكن أن تشتغل كثير من الآليات السياسية التي تدعي العلمانيات تمثيلها واحتكارها ضمن أرضية اخلاقية دينية، ربما بشكل أفضل من تأسيسها على أرضية علمانية دهرية، بما في ذلك قضايا مثل التسامح الديني والديمقراطية وما شابه ذلك “.
إنها الحيرة نفسها التي تتملك الفاعل الإسلامي وتجعله يتكيف بشكل براغماتي مع بعض الشعارات العلمانية من دون أن يمتلك شجاعة الإعلان عنها وهو الأمر الذي يعيه رفيق جيدا حينما أنهى تحليله لنموذج العلمنة في العالم الإسلامي قائلا: “ولكن ما هو مؤكد هو أن تركيز الإسلاميين على الدولة والمشغل السياسي، فضلا عن الضغوط الهائلة التي يفرضها نظام دولي بالغ التعقيد والشراسة، كلها تدفع دفعا باتجاه تغليب المصالح الظرفية على الاعتبارات الاستراتيجية، وربما تدفع نحو ضرب من العلمنة الخفية وغير الواعية التي تتخلق تحت غطاء الشعارات الإسلامية” .

⪡ الخاتمة

خلاصات واستنتاجات

التوجه نحو نبذ سرديات الإسلام السياسي

تعكس المواقف الفكرية السابقة، لكل من راشد الغنوشي ورفيق عبد السلام، ما تعيشه حركة النهضة التونسية من مخاض فكري وسياسي عسير، “دفع قادتها ومجمل الفاعلين فيها إلى تحسس واقعهم الجديد وتأمل مواطن القصور والخلل في مسيرتهم الفكرية والسياسية” . ولا شك أن من أهم جوانب النقص في تجربة النهضة هو التداخل في تجربتهم بين الديني والحزبي.
ينتبه رفيق عبد السلام إلى أن التخلي على سرديات الإسلام السياسي الكبرى يفرض على إسلاميي العصر ضرورة التفاعل مع مكتسبات العلمنة السياسية. لكنه، ورغم هذا الاعتراف، يتهرب من مواجهة هذه الحقيقة، العلمية والنظرية، بما تفرضه اللحظة التاريخية من شجاعة معرفية وأدبية على من يملك زمام القيادة من مثقفي الحركات الإسلامية، الذين ليس دورهم مجاراة قواعدهم الحزبية ، كما يفعل القادة التنظيميون، ولكن توجيههم وترشيدهم.
يعترف الدكتور رفيق أن “تجارب الأسلمة أوالعلمنة الشمولية في منطقتنا قَد وصلت إلى طريق مسدود ولم تعد ملهمة أو قادرة على حل المشكلات الراهنة، أي أن السرديات الكبرى للهوية سواء كانت متمحورة حول إيديولوجيا العلمنة أو الأسلمة لن تمثل جاذبية للأجيال الراهنة والقادمة، فضلا عن كونها ما عادت تثير تلك المساجلات والمجادلات الكبرى التي أثارتها في القرنين الماضيين” .
لا شك أن الدكتور رفيق في الوقت الذي استعمل فيها مصطلح “الأسلمة” لم يكتف باستعمال مفهوم “العلمنة” فقط، بل أضاف إليه وصف “الشمولية” ليقول ب”العلمنة الشاملة”، حتى يترك لنفسه فسحة القول بضرورة “العلمنة الجزئية” للحركات الإسلامية، سيرا على نهج شيخ القول في هذا الأمر، الراحل عبد الوهاب المسيري.
لقد أصبح الأخد بكسب الحداثة، حسب السيد رفيق، من المسلمات الراسخة، لدى كل النخب التونسية، وبالتالي، لم يعد هناك، في نظره، ما يوجب “اصطناع معارك وهمية باسم الإسلام أو العلمانية”. لكن إلى أي حد يمكننا القول أن مختلف أجنحة حركة النهضة التونسية تقر بهذه المسلمة، أم أن الأمر على خلاف ما يريده السيد رفيق، حيث ما يزال تيار “الأسلمة” قويا وفاعلا ومؤثرا داخل حركة النهضة ذاتها؟
إن تأخر إسلاميي النهضة في تونس في المبادرة إلى ترسيم حدود العلاقة بين الدعوي والحزبي، ووضع مسافة واضحة بين الديني والسياسي، على المستوى المؤسساتي، يعد دليلا كافيا على أن سردية “الأسلمة” التي يعتبر رفيق أن الزمن قد تجاوزها ما تزال فاعلة ومؤثرة بشكل يحول دون قطيعة النهضويين التونسيين معها.
والغريب في الأمر هو أن سؤال العلاقة بين الدعوي والسياسي غير وارد عند السيد رفيق، بل نجده يطرح أسئلة كبرى، لا يمكن الجواب عنها إلا بعد وضع جواب واضح وصريح لهذا السؤال المركزي والجوهري، كما فعل إخوانه المغاربة من قبل. إذ كيف يمكن الإجابة على أسئلة من قبيل ما يطرحه الدكتور: هل نحن مستعدون فعلا لقطع الخطوات المطلوبة، باتجاه حزب وطني مفتوح على كل التونسيين والتونسيات؟ هل نمتلك ما يكفي من مضاء العزم وقوة الإرادة لفتح الأبواب والنوافذ لكل القوى الخيرة، وكل من يرغب في خدمة مشروع نهوض تونس ورفعتها، بغض النظر عن موقعه وحتى درجة تدينه؟ وهل بمقدور حركة النهضة آن تتجاوز الطابع الانتقائي في الانتساب إليها وان تكون مرآة عاكسة للمجتمع التونسي بكل تعدده وتنوع أنماط حياته؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة الكبيرة فعلا، كما وصفها رفيق عبد السلام، يرتبط بالإجابة على السؤال الأكبر، الإجابة التي تفصل بشكل نهائي، ولا رجعة فيه، بين الدعوي والحزبي، واستقلالية كل منهما عن الآخر، والفصل التنظيمي والمؤسساتي بينهما، عوض هذا التداخل والالتباس في العلاقة بينهما عند حزب النهضة التونسي.
إن هذا الوعي بضرورة التخفيف إلى أقصى حد من السرديات الكبرى للإسلام السياسي نجده قد ظهر منذ تسعينيات القرن الماضي عند إسلاميي المغرب، حيث توقفنا أعلاه عند عدد من النصوص والوثائق، التي تبين تنامي هذا الوعي بين نخبهم.

الريسوني

فكتابات الريسوني والعثماني “التأصيلية” تخلو من تبني شعار دولة الخلافة، وترتبط بالدولة الوطنية في غالب الأحيان، وإن تناولت موضوع المسلمين عامة فتوظف مفهوم الأمة الذي يجمع مختلف المسلمين من مختلف الدول والأقطار.
وسواء تعلق الأمر بالريسوني أو بالعثماني فإن نموذج الخلافة ارتبط بمرحلة تاريخية قد ولت وانتهت، وليس مطلوبا من المسلمين اليوم إحياءه من جديد، وعليهم التكيف مع نظم الحكم والسلطة التي تتلاءم مع عصرهم الحالي.
وفي هذا الإطار نجد عند العثماني خاصة دعوة إلى التمييز بين الديني والسياسي، حتى لا يقع الديني فريسة للاستغلال السياسي والحزبي؛ وقد ظهرت بوادر هذا التمييز عمليا من خلال الفصل الشامل بين العمل الدعوي والعمل الحزبي عند إسلاميي المشاركة السياسية بالمغرب، لكنه مع الأسف فصل لم يكتمل مادامت حركة التوحيد والإصلاح المغربية تفرض على أعضائها ممارسة العمل السياسي من خلال حزب العدالة والتنمية فقط، ولا تأذن لهم بالانتماء السياسي إلى أحزاب أخرى غير هذا الحزب.

1- يمكن العودة لحوار محمد الطوزي مع صحيفة “المغرب 24” الإلكترونية:  https://www.alyaoum24.com/304849.html

 

2- تأسست حركة التوحيد والإصلاح في عام  1996م، عقب اندماج بين “حركة الإصلاح والتجديد” و “رابطة المستقبل الإسلامي”. وتعود هذه المكونات إلى بدايات الحركة الإسلامية المغربية منذ سبعينيات القرن الفائت، إذ اتخذت أشكالا تنظيمية متعددة، وقادت مراجعات فكرية وتنظيمية كثيرة، إلى أن وصلت على شكلها واسمها الحاليين.

وتقدم الحركة نفسها على كونها حركة اسلامية دعوية تربوية إصلاحية تهدف الى إقامةَ الدين وإصلاحَ المجتمع. من خلال ماتطلق عليه  بـ”المشروع الإسلامي: “دعوي تربوي، وإصلاحي معتدل، وشوري ديموقراطي”.

وتعاقب على رئاسة حركة التوحيد والإصلاح ثلاث قيادات إسلامية: اولهما :الدكتور أحمد الريسوني وثانيهما :المهندس محمد الحمداوي والرئيس الحالى :عبد الرحيم شيخي، وللمزيد يمكن الإطلاع على الرابط التالي:

الرؤية والرسالة

 

3 – يمكن العودة لحوار محمد الطوزي مع صحيفة “المغرب 24” الإلكترونية:  https://www.alyaoum24.com/304849.html

4- سعد الدين العثماني، في فقه الدين والسياسة، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2011.

5 – نفسه، ص152.

6-ن، م وص.

7- نفسه، ص154.

8- نفسه، ص155.

9- ن، م وص.

10- راشد الغنوشي، “الدين والدولة في الأصول الإسلامية والاجتهاد المعاصر”، المستقبل العربي، ع406، 12/2012، ص15.

11- ن م، وص.

12- نفسه.

13- نفسه، ص16

14-نفسه.

15-نفسه، ص17.

16-نفسه، ص17.

17-نفسه.

18-نفسه.

19-نفسه، ص18.

20-نفسه، ص19.

21-نفسه، ص20.

22-نفسه، ص22.

23- رفيق عبد السلام، آراء جديدة في العلمانية والدين والديمقراطية، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2011. سياسي تونسي وعضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة،  شغل منصب ووزير الخارجية في حكومة حمادي الجبالي.2011

24- نفسه، ص8.

25- نفسه، ص13.

26- نفسه، ص29.

27- نسبة الى ماكس فيبر :أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث ، ولد في المانيا عام 1864 م وتوفي في يونيو 1920م

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B3_%D9%81%D9%8A%D8%A8%D8%B1

28- نفسه، ص104.

29- نفسه، ص106.

30- نفسه، ص111.

31- نفسه، ص112.

32- نفسه، ص113.

33- نفسه، ص114.

34- نفسه، ص114.

35- نفسه، ص117.

36- نفسه، 123.

37- نفسه، ص123 و124.

38- نفسه، ص129.

39- ن، م وص.

40- نفسه، ص141.

41- الجابري، محمد عابد، في نقد الحاجة إلى الإصلاح، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص83.

41-الجابري

42- الجابري

43- الجابري، 84.

44- الجابري، 85

45- الجابري، 86

46- الجابري، 86.

47- جورج طرابيشي، هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، بيروت، دار الساقي، 2006، ص19.

48- جورج طرابيشي، هرطقات 2 عن العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية، بيروت، دار دار الساقي، 2008، ص 9 وما بعدها.

49- هرطقات2، ص11.

50- نفسه، ص168.

51- نفسه، ص163.

52- https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2016/5/

53- المصدر السابق.

بمشاركة

مونتاج

طه حسين

دراسة

د.عبد النبي الحري

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search