إسلامُ المجاذيب.. “الرادود الشيعي والمدّاحون السّنة”

الملخص:

أصبح موضوع القصائد الشعرية والمراثي والمديح لدى بعض المذاهب والطرق الإسلامية من الأهمية بمكان جعلته من الشعائر والطقوس التي صارت جزءا أصيلا من حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم  بغض النظر عما يثار حولها من اختلافات فقهية وعقائدية، خاصة بعد أن أصبح لها مريدوها ومؤيدوها وأتباعها ومن يمتهنها لكسب المال والترزق.

ولعل ذلك يتمثل بالرواديد أو الرادود الحسيني لدى الشيعة والمدّاح أو المدّاحين لدى الطرق الصوفية، ولكل منهما طريقته في إلقاء قصائده وأشعاره الفصيحة والشعبية مثلما لكل مناسبة طريقتها في الإلقاء وعلى الرغم من اختلاف المناسبة لدى الطرفين بيد أنهما يلتقيان بتركيز كقصائدهما حول آل بيت النبوة عليهم السلام، فيما اكتسب العديد من الرواديد شهرة كبيرة وأموال طائلة نتيجة عملهم هذا لا سيما في ظل مواكبتهم للتطور الحاصل في مجال تكنولوجيا المرئيات والسمعيات ووسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، وكذلك الحال بالنسبة للمداحين وإن بشكل أقل من الرواديد.

ولعل إشكالية هذا الموضوع تكمن في محاولته تفسير دور الرواديد والمداحون في الشعائر والطقوس الدينية وفهم هذه الأدوار والتحولات التي شهدتها مع مرور الوقت وكيفية استفادتهم من مظاهر العولمة والثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم، وكيف أضحى المداحون بمديحهم حول آل البيت وغيرها من التواشيح والمقطوعات الدينية في الحالة المذهبية السنية أعلى كعبا من نظائرهم من الرواديد ومنتوجهم الغنائى الدينى “التثويري” في أغلبه في الحالة المذهبية الشيعية وهو ما سنعرضة بالتفصيل في هذه المقالة التحليلية.

مقدمة :

لكل من الديانات ومذاهبها المختلفة السماوية وغيرها العديد من الطقوس والشعائر منها ما هو ثابت ويعتمد على أصول وأسس هذه الديانات ومنها ما هو مستحدث فيها ويتطور عبر مراحلها المختلفة، الحال الذي لا يختلف كثيرا عن المسلمين، سنّة وشيعة.

والمذهب الشيعي، الإمامي الاثناعشري تحديدا، يزخر بالكثير من الطقوس والشعائر المرتبطة بعقيدتهم من جهة وبرموز آل البيت من جهة أخرى. وهذه الطقوس والشعائر قد يرتبط بعضها ببعض أو قد تكون مختلفة عن غيرها من الطقوس، ولكن في العموم فإنّ الطقوس الشيعية تكاد أن تكون جميعها وثيقة الصلة بآل البيت وأئمة المذهب الاثني عشري.

 والمداحون الشيعة أو المنشدون، أو ما يطلق عليهم شيعيا بــ”الرادود” الشيعي، هم وقود تلك الطقوس، فهم الذين يحيون ذكرى الحسين والأئمة، وهم الذين يقودون قوافل التشيع في كل مناسبة، ومن ثمّ تحرص كلّ التيارات الشيعية والمرجعيات أن تتبنى رادودا يعمل في كل مناسبة على إشباع الناس روحيا ومذهبيا، يغازل أوتار الوجدان، ومفاتيح العشق. لذا سنحاول هنا أن نبين وظائف الرادود داخل الجماعة الشيعية، وطرائق النفع التي تعود عليهم من وراء تلك الوظيفة السامقة عند عموم الشيعة، ثم سنحاول الوقوف عند التحولات أو التطورات التي مرّوا بها جراء الحداثة والتحديث.

وفيما يخصّ المذهب السني فإنّ مركزية الأناشيد/ الابتهالات فيه أقل من نظيره الشيعي، لأسباب سنحاول الوقوف عليها في تلك الورقة، ومكانة المداحين السنة ليست في نفس درجة المداحين الشيعة، لأسباب متعلقة بطبيعة المذهبين، والضروريات المعتمدة عند كلّ فرقة منهما. وسنسعى هنا للإجابة على عدد من الأسئلة المتعلقة بأدوار ووظائف المدّاحين السنّة، وكيف باتوا من ركائز التصوف، وأعمدة تعزيزه هوياتيا قبال المناهضين حركيا وفقهيا، وكيف ساهموا في التحولات المجتمعية الجارية، وكيف استطاعوا أن يوجدوا لأنفسهم موضع قدم في زمن الحداثة والتحديث.

 

⪡ المحور الاول

أولا: الشعائر الحسينية والردود

 الشعائر الحسينية هي شعائر وطقوس دينية يمارسها المسلمون الشيعة استذكارا لمعركة كربلاء واستشهاد الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام)، وتنشط ممارسة هذهِ الشعائر في شهري محرم وصفر حسب التقويم الهجري من كل عام وبخاصة يوم عاشوراء 10 محرم ويوم الاربعين 20 صفر، إذ يمثل اليوم الأول ذكرى استشهاد الحسين، أما اليوم الثاني فهو مرور 40 يوم على استشهاده. وهذه الشعائر هي مجموعة من الأعمال تتمثل بإقامة مجالس العزاء وإنشاد الأشعار والمراثي([1])، وتسيير مواكب العزاء واللطم.

وتتباين هذهِ الشعائر بين ما هو ذات طبيعة معنوية وأخرى تغلب عليها الصفة المادة الحسية، فالأول يتجلى بإقامة مجالس العزاء وإكثار البكاء على الحسين وأهل بيته والتجمع في الحسينيات لسماع الأشعار المبكية والمراثي التي اعتاد الشعراء الشيعة على نظمها قديما وحديثا، مثلما تشهد تلك المجالس التي تتم بشكل جماعي ممارسة عملية اللطم والنواح وإقامة ما يسمى بالـ”التشابيه” وهي مسرحيات تمثل ما وقع للحسين في كربلاء، وأخرى تتجلى بالمواكب الحسينية التي تسير فيها مجاميع من الزوار يتوجهون لزيارة مراقد الأئمة بحسب المعتقد الشيعي. وهنالك الشعائر ذات الصفة المادية والحسية التي يظهر فيها الجانب العنيف  والدموي، في بعض الأحيان، وتتجلى بشعيرة أو طقس التطبير المتمثل بعملية إدماء مقدمة الرأس باستعمال السيوف والسكاكين، وكذلك مواكب “الزنجيل” المتمثلة بالمسيرات الحاشدة التي يستخدم فيها الشيعة أداة ذات مقبض خشبي موصولة بمجموعة من السلاسل يضربون بها ظهورهم، وهنالك من يمشي على الجمر وهو طقس لإحياء ذكرى إحراق مجموعة من خيام معسكر الحسين في كربلاء([2]).

 وفي شهري محرم وصفر والمناسبات الدينية الأخرى ذات الصلة بآل البيت يمتنع الرجال عن الحلاقة ويرتدي أغلبية الرجال والنساء وحتى الأطفال اللون الأسود للدلالة على الحزن، وتبدأ مواكب العزاء في الخروج من يوم السابع من شهر محرم باتجاه مدينة كربلاء في العراق، وتبلغ الطقوس والشعائر ذروتها في عاشوراء وتقام المآدب الكبرى ويوزع الطعام مجانا على المنازل والزوار في الشوارع في مختلف المدن الشيعية، ويتم ترديد ما يسمى بـــــ”القرايات” وهي جلسات عزاء تتناول سيرة الإمام الحسين وتقام في الحسينيات والقاعات وحتى البيوت ويلقيها قارئ المقتل أو ما يسمى بـــ”الملا” للرجال ومن تقوم “بالقرايات” للنساء تسمى “الملاية” ويكون سردهما القصصي على شكل تراتيل حزينة([3]).

لطمية شيعية

يتم استحضار الذكرى الأليمة لمقتل الحسين من خلال نصوص مكتوبة، أُدخل عليها الكثير من المواقف “البطولية” وصل بعضها إلى حد الأساطير، ويحتوي هذا الاستحضار على “شعيرة الندب” التي تمثل أهم شعائر وطقوس عاشوراء والمناسبات المماثلة لها عند الشيعة، وتسمى القصيدة الملقاة بـ”الندبية” ويسمى الجو المصاحب لها بـ”اللطمية” والشخص الذي ينشد قصائد الرثاء هو “الرادود”، وبعد أن كانت شعيرة الندب فقرة ختامية في مجالس العزاء تطورت بشكل لافت حتى صارت منافسة لنص العزاء نفسه، وصارت لها أنماط وأساليب مختلفة وأجواء خاصة([4]).

   هذه الطقوس والشعائر صارت جزءا من منظومة متكاملة تدور حول شخصية “الحسين” التي أصبحت محورية تدور حولها الطقوس والشعائر والفلسفات الدينية لدى الشيعة، فثمة دور عبادة تسمى “الحسينية”، وأناشيد وقصائد تسمى “اللطميات الحسينية”، ومن يؤديها يسمى “الرادود الحسيني”، وغيرها من الأمور التي تتسمى بالحسين([5]).

 

⪡ المحور الثاني

ثانيًا: الرادود أدواره ووظائفه

الرادود الحسيني هو في العرف الشيعي المنشد الديني الذي يقرأ القصائد والأشعار في رثاء آل البيت وبشكل خاص الحسين بن علي، في الغالب يكون في الحسينيات ومجالس العزاء، فيقرأ الأشعار التي تندب الأئمة في المعتقد الشيعي، وتكون على صورة اللطم أو النعي وهو الرثاء بصوت ولحن حزين([6]).

 

ويقوم الرادود بإلقاء الشعر بشقيه الفصيح والشعبي بشكل ملحن وفقا للأصول المتعارف عليها من أهل هذا الفن من الشعر، ويكون الإلقاء بطريقة تثير التفجع والحزن، ولكل منطقة جغرافية أو مجتمع ما طريقة خاصة في تلحين وأداء القصائد الرثائية الملقاة بحيث تمتلك طورا خاصا بها، فالشعر الشعبي الملقى في المجالس والمواكب الحسينية في العراق يكتب بلهجة أهل الفرات الأوسط، بينما في البحرين هنالك الطور البحراني حيث الشعر الخاص بهم والأداء الذي يكون بحسب طريقتهم الخاصة، كذلك الحال بالنسبة لأهل الشرقية في السعودية، والشيعة في لبنان. ومثلما هنالك رادود لمجالس عزاء الرجال فهنالك مجالس عزاء للنساء تتصدرها ما تسمى بــــ”الملاية” التي تنشد قصائد الرثاء وتبكي النساء في مجالس عزاء ومواكب خاصة بهن([7]).

ويجب أن يمتلك الرادود معلومات ومقومات تؤهله لأداء ما يقوم به من طقوس مثل المعرفة الجيدة بفنون الغناء والمقامات الموسيقية، وإن يمتلك صوتا شجيا لأن قراءة التعزية تحتاج من يجيد تنغيم الصوت البشري فقط مع غياب الآلات الموسيقية. مثلما إن هنالك ألقابا أخرى تطلق على الرادود مثل “الملا” أو “المقرئ” أو “المنشد”، فضلا عن أن الرادود لا يشترط فيه أن يكتب القصائد التي يرددها على الرغم من وجود شعراء –رواديد- وبعضهم شاعرا يكتب الشعر بالمحكية وغيرهم يكتبه بالفصحى والمحكية([8]).

ويقوم الرادود بعدد من المهام أو الأدوار والوظائف لعل أهمها:

–   قراءة التعزية الحسينية، وهي جزء مهم من طقوس العزاء الحسيني لدى المجتمعات الشيعية وتتم في أماكن تجمعهم، وتقرأ التعزية عادة بلغات أو لهجات مجتمعاتها، ويتم هذا الطقس في أيام وليالي المناسبات الدينية المختلفة لدى الشيعة وأهمها عاشوراء، إذ يتجمع الناس في مكان محدد لإجراء قراءة التعزية مع وجود الرادود الذي يردد عليهم قصيدة رثاء حزينة يذّكر فيها الحضور بالمصائب التي جرت على آل بيت النبوة، ويستخدم فيها القصائد الفصحى والشعبية بمختلف الأوزان الشعرية الستة عشر المعروفة أو مبتكرة من ناظميها ويطلق عليها القصائد الحسينية أو الأدب العزائي، ويتم تداولها بأسماء شعبية مثل اللطمية في العراق والكويت أو العزاء والشيلة في البحرين والسعودية([9]).

مسيرات الشيعة في عاشوراء إلى كربلاء

–   دور الرادود في المواكب، وهي مسيرات راجلة تتجه في عاشوراء إلى مدينة كربلاء ولا سيما في زيارة الأربعين يوم 20 صفر من كل عام هجري، وتكون هذهِ المواكب عبارة عن جماعات تمثل مناطق أو مدن معينة، يرفعون عادة الأعلام السوداء والخضراء أمام هذه المواكب وهي تسير لاطمة على الصدر تردد أهازيج وقصائد وعبارات تسمى بالردات (من الترداد أو التكرار) مكتوبة من قبل الرادود، ويلطم أصحاب الموكب على إيقاع إلقاء الرادود ولحنه([10]). ويعد الرادود محور حركة الموكب الحسيني والقطب الرئيس في تشكيل عواطف الجمهور بطريقة الحزن والبكاء([11]). وغالبا ما يتوسط الرادود الموكب النائح وينشد قصيدته بحزن،  وتتقدم كل مجموعة أو موكب فرقة موسيقية أو شعبية تتكون من قارعي الطبول والنقارات والصنجات، ويضرب المشاركون على ظهورهم بالترتيب وطبقا لإيقاع الرادود وقصيدته أو دوي قرع الطبول، ويجري هذا العمل بأساليب وايقاعات مختلفة: بضربة واحدة، أو ضربتين، أو ثلاث فما فوق، ويحددها ترتيب عزف الألحان التي يلقيها الرادود إلى جانب صوت الطبول والصنجات والأبواق([12]) .

–   يؤدي الرادود دورا محوريا في إلقاء قصائد “اللطميات” التي تمثل أدبا عاشوريا خاصا بالشيعة، وهي عبارة عن نص شعري محدد برثاء الحسين وغيره من أئمة الشيعة، يلقيها الرادود بلحن خاص، وتحت منبره يصطف العديد من الأشخاص لاطمين على صدورهم، وتُبرز قصائد اللطميات البعد المأساوي في مقتل الحسين([13]).

–   يرى العديد من الشيعة بأن الرادود يؤدي وظيفة إعلامية من خلال أدائه وقصيدته، فالقصيدة العزائية هي رسالة فنية إعلامية بحسب رأيهم، والوظيفة هي إيصال الرسالة المطلوبة عبر قالب فني، من ناحية الكلمة واللحن والأداء والصوت وما شابه([14]).

–   النعي، يقوم الرادود بقراءة وإنشاد أو تلحين القصائد والأدبيات الشعرية حول استشهاد الحسين وأصحابه، وهو أمر شائع في الأدوار التاريخية للشيعة، ومن خلال قصائد النعي هذهِ يتم توصيف أحداث عاشوراء مقترنةً بالحزن والأسى([15]).

 أبرز الرادودة الشيعة من الشباب

 

الشهرة والأجور 

صارت الشهرة طريقا للعديد من الرواديد الذين استطاعوا استمالة الجمهور الشيعي بأصواتهم ومكانتهم، وصار عدد غير قليل منهم يتلقى الدعوات للسفر إلى بلدان مختلفة لإلقاء أشعارهم واللطميات مقابل أجور عالية، وفي المناسبات الدينية الأساسية تكون لديهم جداول لإقامة هذه الشعائر، ويتنقلون من بلد إلى آخر، أما الأقل شهرة أو مكانة فتكون دعواتهم من قبل الحسينيات في مجتمعاتهم وبأجور متواضعة([16])، ولم تعُد قصائد ولطميات الرواديد تقتصر على طقوس عاشوراء والمناسبات ذات الصلة، إنما تجاوزتها إلى العديد من الأماكن والمناسبات، وصارت أُمسيات الرادود الحسيني تأخذ حيزا واسعا من بث الفضائيات الشيعية ولا سيما قناة الأنوار الفضائية، وتحولت مواويل الرواديد إلى مقدمة للمحاضرات والدروس لاستقطاب الجمهور([17])، وصارت الناس تتنافس في جلب أفضل الرواديد وأكثرهم شهرةً، فشيعة الكويت يبدون رغبتهم في دعوة الرادود باسم الكربلائي صاحب الشهرة الأكبر من بين رواديد العراق والدول الأخرى، وشيعة البحرين يفضلون الرادود جعفر الدرازي، الذي لا تخلو مسيرة لشيعة البحرين من صوته في كل عام. ويتنافس الرواديد لكسب الدعوات في المجتمعات الأكثر ثراءً مثل الكويت ومن بعدها التجمعات الشيعية في أوروبا([18]).

 

وبرزت أسماء عدة من الرواديد منهم في العراق باسم الكربلائي، وياسين الرميثي، وحمزة الصغير، وجليل الكربلائي وغيرهم، وفي البحرين منهم علوي أبو غايب، وباذر الحلواجي، وجعفر الدرازي، وحسين الأكرف وغيرهم، وفي إيران منهم سليم مؤذن زادة أردنيان، ومحمد صادق أهنجران، ومحمد راضي ومحمد كريمي وغيرهم، ومن الكويت محمد الحجيرات، ومن باكستان نديم سرور، ومن السعودية صالح المؤمن، وهناك العديد من الرواديد غيرهم([19]).

     وبالنسبة لأجور الرادود جرّاء ما يقيمه من طقوس، فقد أباح عدد من المراجع لهم بتلقي الأجر عن أعمالهم، وعدّت عمل من يستقدم الرواديد المشهورين في مجالس العزاء الحسينية بأنه من الأمور والأعمال الأرجح شرعيا([20])، ويقول الشيخ صالح الكرباسي : “إن كل من عمل عملا محترما استحق عليه أجرا، وإلقاء المحاضرات من قبل الخطيب أو إلقاء الأناشيد من قبل الرادود عمل محترم عند الشيعة يُستحق عليه الأجر”، وأضاف: “أن أخذ الأجر لا يتنافى مع محبة الإمام الحسين عليه السلام[21])).

 وفي ظل الاستعداد المبكر لأصحاب المواكب قبل شهر محرم لضمان الحصول على خدمات الخطباء والرواديد يتم الاتفاق على تحديد وقت الرادود وأجره ويكون ذلك بحسب أهمية الرادود وشهرته ومكانته، وقد تصل أجور بعضهم إلى عشرات آلاف الدولارات، وينتقل هؤلاء الرواديد من مكان إلى آخر وحتى من دولة إلى أخرى، وتتوقف أجرة الرادود على شهرته ومكانة الموكب وإمكانية المؤسسين له([22]).

ومن الرواديد من أثار جدلا في الأوساط الاجتماعية والدينية مثل الرادود المعروف “باسم الكربلائي” الذي تصل أجرة مجلسه إلى 40 ألف دولار، وأطلق عطرا خاصا به بماركة (BK) – إذ يشير الحرف B إلى الحرف الأول من اسمه ويشير الحرف K إلى الحرف الأول من لقبه- تجاوزت قيمته 100 دولار في العراق، ما أثار أيضا جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي([23]).

 

الرادود باسم الكربلائي

تأثيرات الحداثة

تأثر أداء الرواديد بالتطور التكنولوجي الذي دخل في مختلف المجالات، وهذا التأثر والتأثير أثار جدلا في الاوساط الشيعية بين الرفض والقبول لما صار عليه أداء الرواديد وتحوله إلى أشكال جديدة وإدخال الآلات الموسيقية والمؤثرات الصوتية عليه وغيرها مما سمي بـــــ “الأمور المستحدثة”([24]). فقد صار الرادود يسجل قصائده في الإستوديوهات الصوتية وتُمنتج بشكل جيد وتطرح في الأسواق كلطميات شبيهة بتلك التي تلقى في المسيرات العزائية وفي المآتم، ودخلت المؤثرات الصوتية والإيقاعات والتقنيات الموسيقية الحديثة في عمل الرادود وصار الرادود يهتم بالمقامات الصوتية والطبقات المناسبة لكل قصيدة حتى يواكب منافسة غيره من الرواديد([25]) .

وساهم البث الفضائي وبروز الفيديو كليب في نشر اللطمية إلى مساحات أوسع وتقديم المنتج الفني بالشكل الذي يحصل على رضا وجذب الجمهور إلى حد بعيد، الأمر الذي أفرز أنماطا متعددة تصنف جميعها تحت خانة الإنشاد الديني وصارت الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية ساحة يتزاحم فيها الرواديد في اتساع مشهد العزاء الذي لم يكن يتسع لهكذا أعداد من الرواديد في السابق، وصار هنالك ترويج لعدد من الشعائر غير المتفق عليها مثل التطبير والترويج الطائفي في متن القصيدة الغنائية كإجراء دعوي ترويجي([26]) .

ختاما، يمكن القول إن الرادود أصبح له دور لا يمكن تجاهله في الطقوس والشعائر الشيعية، وهذا الدور أخذ بالتطور عبر المراحل التاريخية ويتميز بتكيفه مع الأحداث والتطورات، وفي الوقت الذي يعد عمل الرادود جزءا من شعيرة دينية، إلا إنه أصبح في الوقت نفسه وسيلة للشهرة وللوصول إلى الثراء، فضلا عن تحول أداء الرواديد من الطرق التقليدية السابقة إلى الاستفادة من مظاهر العولمة في الانتشار والتسويق لأعمالهم.

 

⪡ المحور الثالث

ثالثًا: المّداحون السنّة.. الأدوار والمهام

 

يُنظر البعض الى  المدّاحين السنّة على كونهم من رجال الشريعة بوجهٍ من الوجوه، ذلك لإنهم يعملون على تعزيز نمط من أنماط القراءة البشرية للدين، عبر مئات الألوف ممن يسمعونهم. وفي الآونة الأخيرة بدا أن كثيرا من المشايخ سيما الرسميين منهم، قد انغمسوا في السماع، وعُمل على إحياء قصائد ابن عربي وابن الفارض والحلاج وغيرهم من أعلام التصوف الفلسفي والسني، على حدّ سواء، ودفعوا بها إلى الواجهة الدينية، وتمّت شرعنتها، وإباحتها، فيما يبدو كتصالح بين الفقه والتصوف.

ليس الأمر عابرا عند أولئك المشايخ، بل بات هياما، وجذوبية، حتى إن بعض المشايخ يطلقون على تلامذتهم: “المجذوب فلان”، وتلك علامة على هيامه وعشقه الصوفِيّ.

وازداد السماع وتضخّم، حتى لوحظ أن بعض المشايخ يصحبون معهم في دروسهم منشدين، وبعد انتهاء الدرس في الجامع الأزهر -أو مضيفة الشيخ إسماعيل العدوي، أو مضيفة الشيخ علي جمعة، أو غيرها من أماكن-، يُنْشَدُ بعضٌ من الأناشيد الدينية-على سبيل المثال -، ما بين تواشيح، وابتهالات.

جديرٌ باللحظِ هنا أنّ المشايخ الأزهريين، أو كثيرا منهم يلجأ إلى السماع، رغم أنّ المعتمد في المذاهب الأربعة حرمته، لكنّ للتصوّف والمتصوفة أحكاما أخرى، تنبني على الذائقة، كما يذهب أبو حامد الغزالي رحمه الله .

وخلافهم هنا مع جمهرة الفقهاء ليس بدعة ابتدعوها، فقد نقلَ خلافَ الصوفية في عدد من المسائل والأحكام الشرعية سيما تلك المتعلقة بجماعتهم، وبمركزياتهم الفقهية، عددٌ لا بأس به من العلماء[27].

وتُعتبر الأنشودة الدينية سواء أكانت توشيحا أو ابتهالا أو حتى أغنية كما استقرّت في صورتها الأخيرة عند بعض المتصدرين للإنشاد، إحدى عوامل الجذب والدعوة، وهي وإن بدأت وتمركزت صوفيا إلا أنها امتدت لتشمل كافة التيارات والفرق، حتى إن السلفيين المعاصريين المحرّمين لكافة أنواع الأناشيد والموسيقى، اضطروا إلى اعتماد بعض الأناشيد التي بدون موسيقى، وتولوا صناعتها ونشرها إعلاميا. بل اتسع الأمر ليتأثر بها الجهاديون، والحركيات العنيفة، فنجدهم يدخلونها في مرئياتهم التي يبثونها.

صوفية يتمايلون مع المدح

وهذا التأثير والاتساع الملفت للأناشيد الدينية، يرجع إلى تأثيرها الكبير في المستمعين، واستمالة القلوب، ومحاولة جذب الأطراف الوجدانية والعاطفية في الإنسان بغية إقناعه، والتأثير عليه.

كذلك فإنّ تلك المدائح تمثل متسعا لتفريغ شحنة الروحانيات التي ينشدها المتصوفة، بالترديد والتراقص، والتمايل، والطرب، ذلك أن مرحلة الاستغراق التي تكلم عنها رجالات المتصوفة الأوائل، تتمثل في استغراق القلب بالكلية بذكر الله، للوصول إلى مرحلة الفناء في الله[28]، لا تتم عند الصوفية إلا عبر هذه السبل، فالسماع هو مُحرّكها الرئيس.

هنا بُعد آخر ينبغي الالتفات إليه في عمل المداحين، وهو أنّ الأنشودة الدينية باتت تؤدي دورا هوياتيا خاصا بالتصوف، فالمتصوفة الذين يخوضون اشتباكا مع الحركيات الإسلامية بمختلف توجهاتها وصراعا حول النموذج يسعون إلى ترسيخ هويتهم في المجتمع من خلال هذا النوع من الفنون، ومن ثمّ تنازل كثيرٌ من الفقهاء أو الجناح العلمي للتصوف عن بعض ما يُعدّ انتهاكا لسمت الفقه الموروث سنّيا، فتم غض الطرف عن بعض المآخذ بالعين الفقهية مقابل تعزيز الهوية الصوفية قبال الحركات والتيارات الإسلامية الراديكالية.

وهذا السعي إلى تعزيز الهوياتية أدى إلى انتفاء الأجنحة الإصلاحية من داخل التصوف نفسه، فالطقوس الشيعية على ما فيها من تطييف وكثير من المخالفات إلا أن ثمة أجنحة إصلاحية من الداخل تستهجن، وتحاول الترشيد والتقويم.

ويمكن القول إنّ التصوف ممزوج بالسماع ولا يمكن الفكاك بينهما، فلا تصوف دون سماع، هكذا يُمكن تلخيص مركزية السماع عند المتصوفة، ويبدو أنّ الإمام أبا حامد الغزالي نفسه أدرك مركزية السماع في ترتيب الوجدان والنفس، وتهذيب الروح، فأباحه رغم أنّه محسوب على الشافعية -وليس محله هنا أن ننازع في مسألة انتسابه إلى الشافعي كمجتهدٍ من مجتهدي المذهب لأنه أكد مرارا وتكرارا أنه مجتهد مطلق، لا يقيد نفسه بتقليد أحد، ولكننا سنساير المشهور-، ومع ذلك فقد أباح السماع.

ونظنّ أن الحجة الغزالي هو أول من دَيّن سماع الصوفية، بمعنى الشرعنة، والإباحة الفقهية، بعد نزاع طويل بين الفقهاء والمتصوفة، وصار الغزاليّ حجّة لمن جاء بعده مشرعنا السماع.

وبات السماع اليوم ضروبا وألوانا، وصار من ضروريات التصوف لا من حاجياته أو تحسينياته فحسب، فالعلماء الكبار من المتصوفة يختمون مجالسهم بحلقات ذكر وسماع، ويتمايل الحاضرون طربا، ويرون في ذلك أداة لتهذيب النفوس، وتذكيرها بالله.

وينافحون عادة عن تلك المجالس بحُسن مقاصدها، وسموّ غاياتها، وهي السعي إلى التقرب من السماء، وتجاوز محن الخطايا والعوارض الدنيوية.

ومن مفارقات السماع أنّه يجتمع عليه الفقير والغنيّ، فالفقير يريد هروبا من واقعه فيفرّ من الأرض إلى السماء، والغنيّ يريد قربا من آل البيت، وترديد ترانيم السماء، تخلصا من عقدة الذنب.

رحلة المديح من النقشبندي إلى ياسين التهامي

يُعد الشيخ النقشبندي رحمه الله من أشهر منشدى الذكر الصوفي في العصر الحديث، خاصة في العالم السني على الأقل، وأُطلق عليه لقب “أستاذ المداحين”، ومن أشهر تواشيحه: “مولاي إني ببابك قد بسطت يدي”، و “ماشي بنور الله”، و “الله الله لا إله إلا الله”.

ويعد الشيخ نصر الدين طوبار من أشهر المبتهلين أيضا والذي أنشد: “جل المنادي”، و”مجيب السائلين”، و”السيدة فاطمة الزهراء”، وضف إليهم الشيخ الشيخ طه الفشني، ومحمد الطوخي، وكامل يوسف البهتيمي ومحمد عمران[29] وغيرهم.

وكان لهؤلاء عبارات علقت في ألسنة المصريين وذاكرتهم، فمن عبارات النقشبندي: “تحلو مرارة عيش في رضاك. من لي سواك ومن سواك يرى قلبي ويسمعه”.

ومن عبارات طوبار الباقية على السن العامة والخاصة على حد سواء: “رباه، ها أنا ذا خلصت من الهوى، واستقبل القلبُ الخَليُّ هواكَ، وتركت أنسي بالحياة ولهوها، ولقيت كلّ الأنس في نجواك، ونسيت حبي واعتزلتُ أحبتي، ونسيت نفسي، خوف أن أنساك”.

ومن عبارات عمران الملهمة: “إلهي إن يكن ذنبي عظيما فعفوك يا إله الكون أعظم”.

كانت تلك الجمل والعبارات لصيقة بالمصريين سيما أهل الريف في السبعينات والثمانينات والتسعينات وقبل الطفرة التكنولوجية، فكان الفلاحون يرجعون من حقولهم مع ابتهالات طوبار عند قرآن المغرب، وقرآن المغرب هو القرآن الذي كان يعمّ أرجاء القرية من مذياع المساجد قبل موعد كل صلاة بنصف ساعة. وفي منتصف الليل بالضبط تأتي ابتهالات عمران لتزيد الأجواء خشوعا واستكانة. وفي الظهر والعصر يأتي دور آخرين، فتارة الطوخي وتارة الفشني، وهكذا.

ويلاحظ على هذه الفترة أن أناشيدها وابتهالاتها توجهت نحو الله ونحو السماء، ولم تكن هوياتية أو طائفية، أو مذهبية، لكنها في نفس الوقت كانت صوفية خالصة أيضا.

لكن المديح الصوفي اليوم تحول إلى الداخل، بمعنى أنه صار أكثر خصوصية تجاه الداخل الصوفي، جاءت تلك الخصوصية على يد ياسين التهامي، الذي يلتقي كثيرا من حيث الآداء والمهام واستخدام المسارح والموالد والخروج من طور المساجد، بالرادود الشيعي، وإن اختلف عنه في التوجهات والمخرجات، والأهداف.

عمل التهامي أيضا على استنطاق الحلاج وابن عربي وابن الفارض، في محاولات تعزيز الهوياتية الصوفية، مما جعله موضع إشكال من المخالفين فقهيا وأصوليا، في حين أن الجيل الأول كطوبار والفشني وعمران كان مديحهم جامعا ومحلّ قبول من كافة الأطياف إلى حدّ بعيد.

يُمكن القول إذن إنّ مديح جيل طوبار وعمران والنقشبندي والفشني، كان نخبويا إلى حد كبير، في حين أن التهامي ورفاقه اليوم وإن كانت لهم مواضع قدم نخبوية إلا أنهم متغلغلون جدا في القرى والصعيد، وتمركزات التصوف الشعبي، ربما بسبب ما جرى من تحولات عميقة في بنية الجماعة المصرية، وربما بسبب تخلي الدولة عن دورها في تبني وتقريب هؤلاء رسميا -وإن تبنتهم شعبويا-، في حفلات رسمية كان يشرف عليها القصر الملكي بنفسه في الماضى القريب.

هذه التحولات في بنية المديح والمداحين، مرتبطة بتحولات في السمت العام للمجتمع المصري خصوصا، وللأمة العربية والإسلامية عموما، فثمة تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، بالإضافة إلى العولمة والعلمنة جراء الطفرة التكنولوجية في العقدين الأخيرين، كل هذا أدى إلى تغيير الإيقاع، والأداء، والأغنية، ونوعية الجمهور، ونحو ذلك.

ياسين التهامي

هنا لمحة أخيرة، فالجيل الأول من المداحين، كانوا أداة من أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية يوما ما، ولا يزالوا إلى اليوم يمثلون بُعْدا كبيرا في الذاكرة التراكمية والعقل الجمعي عند جموع المسلمين، فإذا ذُكرت مصر في أيّ مكان ذُكر هؤلاء، في حين أنّ الجيل التالي مثل التهامي وغيره، لا يعدون أدوات من أدوات القوة المصرية الناعمة، ربما لشعبويتهم المحلية، ولكلّ دولة شعبويتها، ومجالات اهتمام لجمهورها لا شكّ، وربما لاكتفاء كلّ دولة بمجموعة من المداحين تعبر عن ثقافتها وهويتها الدينية والمذهبية، وربما لضعفٍ عام يعتري القوة الناعمة المصرية.  ولكنه في كل الأحوال يبقى فنّا أصيلا، ومحلا للتتبع والدراسة، وملاحظة آثاره السياسية والاجتماعية، والتطورات التي مرّ بها، وأخرى من المفترض أن يمرّ بها.

 

⪡ المحور الرابع

رابعًا: المداحون السنّة في زمن العولمة

لم يندثر المداحون في زمن الحداثة، وظلّت المدائح والابتهالات والأنشودة الدينية تجد موطئ قدم في كافة المناسبات الدينية، ورغم ما مرّ به المجتمع المصري من عمليات تحديث وعلمنة منذ نشوء الدولة المصرية الحديثة بداية عهد محمد عليّ باشا (ت: 1849م) وحتى اليوم، لكن صبّ هذا التطور في ميزان المديح الديني بخلاف المتوقع، ولم يعد الأمر محصورا في التصوف الطرقي، بقدر ما بات شائعا وعامّا في عموم الناس، حيث يجدون الاطمئنان النفسي والسكينة القلبية، وتجلية القلب من الصدأ، في تلك الأناشيد والتواشيح والابتهالات، وفق رؤية الكثير منهم.

المُنشد محمود ياسين التهامي- قناة تن الفضائية

وقد استطاع المنشدون في زمن الحداثة أن يُمركزوا النشيد الديني، ويستفيدوا من مقتضيات العصر، فيسعون إلى تأسيس نقابة للإنشاد الديني، وولجوا عالم الفضائيات، وبات لهم وجود واضح وقويّ على مواقع الانترنت والسوشال ميديا، وحفلات في مختلف المناسبات، وكافة المحافظات المصرية، واستطاعوا التأثير في جيل الشباب والنساء أيضا، ولم يعد الأمر محصورا في كبار السنّ، أو الطرقيين.

فالشباب في عصر الحداثة والتحديث لا يزال يتمسك بالسماع إلى هذا النوع من “الأغنية”، بل ربما زاد الإقبال عليها بعد الطفرة التكنولوجية بحكم سهولة الوصول إليها، وسهولة الانتشار، والاختيار والتحكيم بين كبار المنشدين.

ولم يقتصر السماع إلى مثل هذه النوعية من الفنون -كما هو في السابق- على طبقات الشعبوية أو الحرافيش ومجاذيب التصوف، ممن أشار إليهم المؤرخ المصري القديم عبدالرحمن الجبرتيّ كثيرا في تاريخه، بل صار أساتذة جامعيون، ومثقفون كبار، من مشجعي هذا الفنّ، ومحبيه، وأصبح المنشدون الكبار اليوم يُطلبون لإحياء ليال دينية من علية القوم، والطبقة البرجوازية.

وبلمحة بسيطة على مواقع مثل اليوتيوب أو الساوند كلاود، نجد أنّ نسبة السماع إلى أمثال النقشبندي وطوبار وعمران، والفشني، ثمّ اليوم إلى ياسين التهاميّ، وغيرهم، نجدها بعشرات الملايين.

هذا كله له دلالات ومؤشرات على ديمومة واستمرار هذا النوع من الفنّ، وأنه من المستبعد أن يكمن مستقبلا، كما يتوقع البعض، بل إن المعادلة على ما يبدو أنّه كلما ازداد الإنسانُ حداثة كلما احتاجت نفسه إلى تلك الفنون، ليُشبع بها روحانياته، ويروى بها ظمأه، ويهرب من الواقع المادّي المتأزم، سيما في خلوّ الساحة من البدائل الحقيقية التي تمارس نزعة دينية وسيطة ومعتدلة، دون تطرف ينبذه عامة المصريين.

 

بيد أنّ هناك محددات لا يمكن تغافلها في هذا السياق، وأهمها المحدد السياسيّ، فإنّ السياسة قادرة على إعلاء فنّ دون آخر، أو توجيه الجماهير نحو نوع بعينه من الفنون، وفي فترة من فترات عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك تولى التلفاز المصريّ الرسمي إذاعة مباشرة لصلاة التراويح الرمضانية للقارئ صلاح الجمل، ثمّ للشيخ محمد جبريل، فكان الشارع المصريّ بأكمله يُردد هذا النوع من القراءة والأدعية وأسبغت المصريين بأجواء دينية ورمضانية خالصة.

فتستطيع الدولة إذن عبر إعلامها ومنافذها التأثير على الجماهير من خلال التركيز والتوجيه، ولا يخلو بعض المشايخ من روّاد النشيد الديني اليوم من ترميز وتصعيد، كبعض المنشدين ممن برز نجمهم في مدة وجيزة على صغر سنّهم، وحداثة عهدهم. ويمكن توظيف هذا النوع من الفنون في تخفيف حدة الجريمة في المجتمع، وتعزيز السلم الأهلي، وكبح جماح التطرف والحركيات العنيفة، وربما يكون المداحون بديلا لما انتشر من أغاني شعبية حازت اهتمام المصريين، وأبعدتهم عن هذا النوع من الفنون، لكن هذا يحتاج إلى استراتيجية –من قبل المؤسسات- تضبط هذا الإيقاع.

وهنا مفارقة أخيرة ومهمة في هذا الصدد، وهي ما شهدناه من الانصهار الفقهي الصوفي، فالفقهاء يُحضِرون المنشدين في مجالسهم العلمية، ويختتمون بالمديح المجالسَ، وفي هذا إنهاءٌ –أو تخفيف للحدة- لحالة صراع استمرت بين الفقهاء والمتصوفة طيلة العصور الماضية بسبب مسألة السماع تحديدا، وقديما رصد الفقيه الشافعى المعروف “تاج الدين السبكي” في عصره ذلك الإشكال بقوله: “وفرقة متنسكة من الفقهاء تجري على ظواهر الشرع، إلا أنها تهزأ بالفقراء وأهل التصوف، ويعيبون عليهم السماع، وأمورا كثيرة. والسماعُ قد عُرف اختلاف الناس فيه. وتلك أمورٌ قلّ أن يفهمها من يعيبها”[30].

مريدو الطريقة الجازولية في المولد

وعبارة التاج تؤول بنا إلى ملمح أخير حول مالية المداحين، فالفقراء كانوا هم الصوفية في ذلك الزمن، والصوفية هم الفقراء، لكن حدثت تحولات في عصرنا، أدّت إلى تصوّف عدد كبير من الأغنياء، علاوة على تحول كثير من المداحين إلى فئة الميسورين وأصحاب أموال وتجارات، وتلك تحولات ينبغي أن يُلتفت إليها كثيرا، إذ لا تختلف كثيرا عن امتهان الدين والإفادة منه كما هو عند التيارات الاسلامية السياسية والحركية أيضا. فالمديح وإن عبّر عن العشق الإلهي، والحضور الوجداني، والهيام، والذوبان إلا أنّ تلك السرديات للعامّة لا للمدّاحين، فالمداحون يعدّون المدح وظيفة، والتي لا شكّ ربما تكون طريقا مُعبّدا للثراء.

 

 

⪡ النتائج والخلاصة

بين المداحين السنّة والشيعة: ربما ينفرد المديح السني بأنه عابر للمذاهب، وفوق الطائفية إلى حدّ كبير، بل إنّ إنه يعزز المشتركات عبر تلك الابتهالات التي تمدح في آل البيت وتثني عليهم، وتذكّر بفضائلهم، وقد شاع المديح السني حتى عند غير المسلمين، ومارسه بعض الأقباط، وبعض المجتمعات ذات الثقافة المغايرة تمام المغايرة للثقافة الشرقية والإٍسلامية، وقد نشأت في مصر على سبيل المثال فرق قبطية تمارس الإنشاد الصوفي.

بيد أنّ المداحين أو الرادوديين الشيعة متقوقعون في حدود جغرافيا الجماعة الشيعية حتى اليوم، لأسباب كثيرة، أهمها ما يتعلق بالطائفة والتطييف، حيث لا يخلو نشيد إلا وأفاض في إهانة من استلب الخلافة من عليّ عليه السلام، ومن أهان فاطمة رضي الله عنها، ونحو ذلك، من سرديات معروفة في الذاكرة الشيعية، ومعروف من المقصود بها تحديدا من رموز أهل السنّة، بغية تأجيج المشاعر وإلهاب الحاضرين.

لكن إذا استطاع المداحون الشيعة تجاوز هذه المعضلة الطائفية التي تسببها الذاكرة الموتورة، فإن الرادود الشيعي مؤهل بخبرته، وإمكاناته، وجمهوره أن يصل للعالمية، ويصير مركزيا لدى جمهرة المسلمين، سيما وأن ثمة مشتركات يمكن الالتقاء عندها كحبّ آل البيت، والالتفاف حول ذكر الله وفيوضاته ورحمته، وعبق النبوة، وعظيم الرسالة النبوية، ونحو ذلك.

 

وإمكان الرادود الشيعي أن يساهم في تخفيف التوتر الطائفي، وتعزيز السلم الأهلي بين الشيعة والسنة، ويخفف من حدة الخطاب العنيف، ومن ثم ينسحب إلى الآخر السني أيضا لتهدئة التوتر بين الفرقتين التاريخيتين.

لكن تجاوز المسألة الطائفية ليس بتلك السهولة، إذ إن الرادود يعتمد ابتداء على تلك المسألة فهي محورية ومركزية في المدائح، كذلك فإنه معرّض لفقدان جزء كبير من جماهيريته وشرعيته المذهبية إن فعل هذا، وتلك مشكلة قديمة رصدها مرتضى مطهري، وعبدالكريم سروش، وغيرهما من فلاسفة الشيعة المعاصرين، وهي تبعية الفقهاء أو أجنحة عريضة منهم للعامّة، لأنهم مصدر الارتزاق، ومنبع الخمس، فكذلك الأمر بالنسبة للرادود، وزيادة، باعتبار مادته ليست فقهية ولا علمية صرفة، بل هي للعامة أقرب، وللناس ألصق.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

طه حسين

دراسة

د. مثنى العبيدي

د. محمد الصياد

[1] – شعائر حسينية، وكيبيديا، متاح على الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B1_%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9

[2] – محمد يسرى، الشعائر الحسينية وطقوس استعادة ذكرى كربلاء، رصيف 22، 19/9/2018، متاح على الرابط:

https://raseef22.com/article/163165-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%82%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%83

[3] – عاشوراء … بين احتفاء بنجاة موسى واحياء لاستشهاد الحسين، موسوعة الجزيرة، 11/10/2016، متاح على الرابط:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2016/10/11/%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%89-%D9%88%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86

[4] – بادية فحص، الرواديد الحسينيون يتحولون إلى ملوك على رؤوسهم التيجان، هاف بوست عراقي، 12/9/2019، متاح على الرابط:

http://iraqhuffpost.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83-%D8%B9/

[5] – سليمان الضحيان، عاشوراء والمثيولوجيا الدينية، الاسلام اليوم، 28/12/2010، متاح على الرابط:

http://www.islamtoday.net/salman/artshow-42-143847.htm

[6] – الرادود الحسيني، ويكي شيعة، متاح على الرابط:

http://ar.wikishia.net/view/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A

[7] – غانم جواد، نشأة الطقوس العاشورائية وتطورها، مؤسسة الأبرار الإسلامية، 12 أكتوبر 2017، متاح على الرابط:

http://abraronline.net/arabic/?p=62429

[8] – صادق الطائي، عاشوراء انثروبولوجيا، مؤسسة الحوار الإنساني، 1/11/2018، متاح على الرابط :

https://hdf-iq.org/%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%86%D8%AB%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/

[9] – المصدر نفسه .

[10] – موسى الحسيني، من تراث المقاومة الشعبي عند الشيعة العرب في العراق، موقع الشرق الأوسط، 13/8/2005، متاح على الرابط:

https://middle-east-online.com/%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

[11] – أحمد رضي، الموكب الحسيني.. تاريخه وأهدافه، مجلة النبأ، العدد 66، محرم 1423، متاح على الرابط:

https://annabaa.org/nba66/mukeb.htm

[12] – الضرب بالسلاسل، ويكي شيعة، مصدر سبق ذكره .

[13] – حسين شمس الدين، الشعائر والسياسة في تجربة حزب الله، موقع الشرق الاوسط، 11/10/2019، متاح على الرابط:

https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

[14] – ابو مقداد، همسة لموجة الجلوات الاخيرة، مدونة ارتقاء، 3 أبريل 2015، متاح على الرابط:

http://ertiqabh.blogspot.com/2015/04/blog-post_3.html

[15] – العزاء الحسيني، ويكي شيعة، مصدر سبق ذكره .

[16] – اللطميات: “طقس شيعي تسللت منه إيران لأهدافها”، الخليج أونلاين، 12/1/2020، متاح على الرابط:

http://khaleej.online/jJMK8D

[17] – بوزيدي يحيى، الرادود الحسيني والخطاب العقائدي الشعبوي، موقع الراصد 13/2/2013، متاح على الرابط:

http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6061

[18] – عاشوراء … وصناعة الكراهية وتجديد الأحقاد .. إلى متى؟، متاح على الرابط:

https://www.saaid.net/mktarat/mohram/42.htm

[19] – للمزيد ينظر: الرادود الحسيني، ويكي شيعة، متاح على الرابط:

http://ar.wikishia.net/view/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A

[20] – إقامة مجلس العزاء، الموقع الرسمي المكتب سماحة اية الله العظمى السيد محمود الهاشمي، متاح على الرابط:

https://www.hashemishahroudi.org/ar/question/print/12166

[21] – هل أخذ المعمم والرادود للأموال مقابل ان يبكي أو يغني يعتبر متاجرة بذكرى الحسين؟، مركز الإشعاع الإسلامي،

متاح على الرابط:

https://www.islam4u.com/ar/shobahat/%D9%87%D9%84-%D8%A3%D8%AE%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D8%A3%D9%86-%D9%8A%D8%A8%D9%83%D9%8A-%D8%A3%D9%88-%D9%8A%D8%BA%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%83%D9%85-%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%B1%D9%87-%D9%85%D8%AA%D8%A7%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%9F

[22] – طقوس العزاء الحسيني .. “ارتباط روحي” تعكره السياسة والفوضى، الترا عراق، 12/9/2019، متاح على الرابط:

https://ultrairaq.ultrasawt.com/%D8%B7%D9%82%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D9%83%D8%B1%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%89/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9

[23] – الرادود الشيعي باسم الكربلائي مثير للجدل في العراق، إرم نيوز، متاح على الرابط:

https://www.eremnews.com/entertainment/society/1565007

[24] – رامي أحمد كاظم الغالبي، الرثاء الحسيني بين الأصيل والدخيل، منتدى الكفيل، 8/10/2014، متاح على الرابط:

https://forums.alkafeel.net/node/80807

[25] – أبو مقداد، مصدر سبق ذكره.

[26] – زاهر موسى، البكاء المموسق .. ورقة الحزن العراقية الخضراء أبدا، السفير العربي، 9/6/2017، متاح على الرابط:

http://assafirarabi.com/ar/17006/2017/06/09/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%82-%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

[27] – على سبيل المثال، راجع: جلال الدين السيوطي، مقامات الجلال السيوطي، ط/ الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2/ 699. وراجع: زين الدين أبو الفضل العراقيّ، وولده ولي الدين أبو زرعة العراقي: طرح التثريب في شرح التقريب، ط1/ دار الكتب العلمية بيروت2000م، 8/ 146.

[28] – انظر: الحجة الغزالي، المنقذ من الضلال، ط/ المنهاج جدة 2015م، ص106.

[29] – اليوم السابع، الابتهالات والتواشيح الدينية.. تاريخ من الفن المصرى الأصيل، 18 يونيو2016م.

https://www.youm7.com/story/2016/6/18/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84/2767025

[30] – التاج السبكي، معيد النعم ومبيد النقم، ط4/ الخانجي، ص88.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram