إسلام البحيري متطرفا..

محمد السيد الطناوي

Mohamed.altanawy1@gmail.com

انتقى لي “فيس بوك” مقطع فيديو لبرنامج إسلام البحيري “البوصلة” من بين مقاطع كثيرة تختارها خوارزمياته لتظهر أمام كل منا، المقطع جاء تحت عنوان: ماذا حدث مع وكيع بن الجراح محدث العراق؟ وفورًا تذكرت بيت الشافعي الشهير عن شيخه: شكوت إلى وكيع سوء حفظي*** فأرشدني إلى ترك المعاصي.. لكن وكيع عند البحيري ليس مرشدًا بل مضللاً استحق القتل!

حكى الأستاذ البحيري قصة عن وكيع لدى ذهابه إلى مكة بغرض الحج فطلب أهلها منه أن يحدثهم، وكان من بين روايات حدثهم بها رواية عن الرسول تقول إنه مات ولم يدفن حتى “ربا بطنه وانثنت خنصراه”، وعلق البحيري بأن أهل مكة كانوا “صاحيين.. أحفاد الصحابة بجد” فحبسوا وكيعًا واستدعوا الوالي وأخبروه بما وقع، وكان الوالي “لسة حي، قبل ما تقتلهم مدرسة العنعنة”! فأمر بقتل بن الجراح قصاصًا بوصفه منافقًا.

استكمل إسلام أن هارون الرشيد الخليفة وقتها كان حاضرًا بمكة للحج أيضًا فاستشار العلماء في الأمر، فقال سفيان بن عيينة، وهو على لسان البحيري “واحد برضه من بتوع علم الحديث الجامدين قوي.. زميله يعني”: لا قتل عليه، رجل سمع حديثًا فرواه، ليستنكر إسلام تبرئة بن عيينة لوكيع!

خلّى الوالي سبيل بن الجراح فانطلق إلى المدينة، عندها أرسل أهل مكة إلى أهل المدينة يعلموهم برواية المحدث الكوفي، فعزم أهل المدينة “وكان الظاهر أحياء”! على قتل وكيع لأن “اللي اتقال ده كارثة.. واحد بيشتم الرسول”، وفي موضع آخر  “قاموا عايزين يقتلوه وكانوا على حق”.

 من وجهة نظر إسلام أن رغبة أهل مكة والمدينة في قتل وكيع راجعة إلى أن “مدرسة العنعنة” لم تكن قد تمكنت من نفوس الناس فكانوا “أصحاب فطرة سليمة”! وفي رأيه أنه بعد هذه الواقعة تنبه أهل الحديث إلى ضرورة القضاء على تلك الفطرة التي تعترض سبيل ذيوع أحاديثهم، ولم ينس البحيري البخاري فعرج عليه سريعًا في معرض استدعائه لحديث آخر حمل إساءة للرسول، متسائلاً كيف طاوعت البخاري نفسه في وضع أمثال هذا الأحاديث.

بصرف النظر عن أن أهل الحديث اعتبروا رواية وكيع منقطعة ومنكرة، ومنهم الذهبي الذي أخذ البحيري عنه الرواية فوصفها المحدث بأنها “سقطة” لابن الجراح، تلك تفصيلة غير مهمة إذا قارناها بحكم البحيري على وكيع بأنه استحق القتل، فهل فعل الطالب الشيشاني غير إنفاذ حكم إسلام على المدرس الفرنسي؟!

يزعم البحيري أنه يواجه الإسلاميين مع ذلك لم يغادر، هو وغيره من المتصدرين الساحة الإعلامية والداعين بدعوته، دائرتهم، فاستغراقه في التراث تنتفي معه أي دعوة لتجاوزه، وهو في ذات الوقت استدعاء للطرف الآخر رغم انحسار مده. 

يروج إسلام كذلك لأنه ينتصر للروح العملية في هجومه ونقده المستمر لنماذج من أمثال البخارى، رغم أن الرجل المتوفى منذ قرابة 13 قرنًا أكثر علمية من البحيري، في إلزام نفسه بمنهج دفعه إلى ضم أحاديث رآها الباحث الشاب تسيء للرسول (ولعلها كذلك بالفعل) ما دامت توافرت فيها اشتراطات منهجه، وهي صرامة لا نجدها عند البحيري.  

قد يتبادر إلى ذهن البعض أن ملاحظاتي -رغم زعمي موضوعيتها- غرضها الانتقاص من إسلام البحيري، لكن اجتماعيات المعرفة نبهتنا إلى أن الأفكار لا تقع مسؤوليتها على صاحبها، وبقدر غرابة الادعاء بقدر ما يوجهنا إلى فكرة بالغة الأهمية.   

يصور هذا التخصص المعرفي الأفكار منفصلة عن الأفراد، فهي لا تتعلق بما يدور في أذهانهم أو بمبتغاهم بل بالبيئة الاجتماعية التي خرجت منها الفكرة، بمعنى أن مسؤوليتها في صورة من الصور تقع على عاتق المجتمع لا الفرد الذي يدعو إليها.

هذا التوجه يدعمه الفكر الجدلي، إذ ينبه إلى أن الأفكار ليس منبعها عقل فرد بعينه فالمرحلة التاريخية هي من تملي على الناس أفكارهم، الفكرة بتعبير آخر نتاج الوعي التاريخي وبعيدة عن أن تكون تمثلاً نفسيًّا لشخص ما، والمعنى ذاته قصد إليه مارتن هيدجر في عبارته “نحن لا ندرك الأفكار أبدًا، بل هي التي تدركنا” لهذا دعا الفيلسوف الألماني إلى الانفتاح على ماهية الفكر بما هو فكر دون إحالته للفرد.

تقودنا هذه الرؤية إلى إدراك أن النزعة الوثوقية التي حرضت إسلام على إجازة القتل بسبب حديث رُوي، ودفعت غيره ممن يتصدرون المجال العام ويدعون بدعوة التنوير في مواجهة التيار الإسلامي إلى التطرف وغياب الموضوعية، إنما تعبر عن المرحلة التاريخية الحالية، أي أن تلك النزعة لا تقتصر على أصحاب الفكر الديني، هي بنية متخطية الأيديولوجيات والتيارات الفكرية، تفضحها أحادية الرأي واحتكار الحقيقة وقمع الآخر الذي يصل إلى حد “عايزين يقتلوه وكانوا على حق”.

لا يلتفت أصحاب النزعة الوثوقية إلى قاعدة ثبتها كارل بوبر، أن المعرفة غير مختصة باليقين فإدراكه في مجالاتها المختلفة مستحيل، وأبعد ما يمكن بلوغه هو “الاقتراب من الحقيقة” لتروج تلك القاعدة للتسامح، على أساس أن مساحة الخطأ حاضرة دومًا، وعدم إدراك هذه الفكرة يسد كل منفذ قد يتسلل منه الشك، فلا يبقى غير اليقين المحرض على العنف سواء أكان لفظيًّا أم ماديًّا، فالشك حركة وانفتاح وتعدد وتسامح، واليقين ركود وانغلاق وواحدية وتعصب.  

تنتفي كذلك أي دعوة لإعمال العقل، فهو توازن واعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط، والعاقل لغة من أمسك نفسه وردها عن هواها، ومثلما تتراجع فاعلية العقل تنزع الوثوقية أيضًا إلى تعطيل المنهجية، فبحسب رولان بارت ما هو بديهي أو يقيني يبقى دائمًا من دون منهج. 

المسألة لا تتعلق بإسلام البحيري ولا غيره ممن ينتشرون في الفضاء العام ويدعون بدعوة التنوير في مواجهة الإسلاميين، فما يصدر عن الجانبين من آراء وأفكار ليس رهين عقولهم ولا ما تحرض عليه أهواؤهم، لكنه الوعي المرتبط بالمرحلة التاريخية، أو بتعبير هيدجر “ماهية الفكر” السائد بمجتمعنا، وفي هذا إشارة إلى نقطة بالغة الأهمية، هي أننا بهذه الوثوقية المبثوثة في أجوائنا الفكرية والثقافية والاجتماعية التي لا تخطئها عين، لم نراوح ما أسماه التنويرون عصور الانحطاط، وحداثتنا ليست أبعد مما وصفه جاستون باشلار بـ”حداثة المشهد”، إشارة إلى عدم خوض درب الحداثة الطويل والاكتفاء بالوقوف عند عتبة منتجها سواء أكان المادي أم الفكري، لذلك تتبدى صورتها في مجتمعنا بهذه الهشاشة. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram