سياسةمختارات

إسلام الضواحي يحكم الحقل الديني الفرنسي

 

في عام 2005 بدا أن التيار الإخواني قد سيطر تمامًا على أحياء هامشية في باريس العاصمة، وبان ذلك في الأحداث الصدامية، التي جرت بين مجموعة من الشباب المسلم والشرطة الفرنسية، على خلفية الاعتداء على شاب مسلم، ووضح ساعتها أن داخل المجتمع الفرنسي قوى إسلاموية تختلف في أساليبها التغلغلية، وهي الإخوان والتبليغ والسلفيون والجهاديون، وكلها تشجع على الانفصال عن المجتمع الفرنسي، عبر تكريس فكرة أن الإسلام هو “الدين الحقيقي” في مواجهة العدو الغربي[1].

نحو 253 قتيلاً ومئات الجرحى.. أرقام أحصتها الصحافة الفرنسية لضحايا العمليات الإرهابية في البلاد منذ بداية 2015، آخرها جريمة قطع رأس مدرس فرنسي بعد عرضه رسومًا كاريكاتورية للنبي محمد على التلاميذ كانت صحيفة شارلي إيبدو قد نشرتها سابقًا، وربط كثير من الفرنسيين بينها وتلك الأحياء الهامشية، التي ترتفع فيها معدلات البطالة ويكثر فيها الانقطاع عن الدراسة، ويشكّل فيها الإرهابيون مجموعات منعزلة عن الثقافة الفرنسية، عبر المكتبات وقاعات الرياضة ودروس المساجد.

شبكات إسلاميي الضواحي

شعار جماعة الإخوان

ينشط عدد من الجماعات في فرنسا، إخوان وسلفيون وتبليغ وجهاديون ومنظمة “رؤية الملة”، MILLÎ GÖRÜŞ التركية.

أما جماعة التبليغ فتنشط في الضواحي الفرنسية، وهي تنقسم إلى التبليغ والدعوة، وجمعية الإيمان والممارسة، وأهم رموزهم سامي دباح، مؤسس التجمع ضد الإسلاموفوبيا، والتونسي حسن شلفومي، رئيس الجمعية الثقافية للمسلمين في مدينة درانسي، التي تدير مسجد النور[2].

التيار الأكثر وضوحًا في تلك الأحياء هو السلفي، وفق ما أدلى به الباحث عزيز أحلوي، لأن السلفيين يستفيدون من الغرب ويخطبون ضده في أحياء شعبية فقيرة في ليون وباريس ومارسيليا وستراسبورج، لكن المشكلة الحقيقية هي انتشار السلفية الجهادية في الأحياء الهامشية، عن طريق مساعدتهم الشباب المسلم في الحصول على إقامات سياحية، وسفر للحج، وعطور ومواد تجميل، وتشغيلهم في سوق المهن الحرة، أو في أنشطة تجارية كبيع السراويلات والطواقي.

عن طريق سوق اللحوم الحلال ينشط الإخوان والسلفيون، بعد أن تطور الأمر ليشمل السياحة الحلال، والبنوك الحلال، واللباس الحلال، وسلطة الرقابة التي منحوها لأنفسهم على هذه السوق الواسعة.

وفي الأحياء الهامشية ستجد أقراص الكمبيوتر بخطب كبار السلفيين في الدول العربية، والأناشيد، وبرزت مؤخرًا فعاليات سلفية على مقاهٍ فرنسية، وتنظيم حفلات لدخول الفرنسيين في الإسلام.

لقد توصل تحقيق استقصائي أعدته صحيفة “لوموند” في أبريل/نيسان 2005 إلى أن الدعاة السلفيين يحققون نجاحًا كبيرًا في الأحياء الفقيرة التي يعاني المسلمون فيها التهميش، فهذه الجماعة تنتشر في المناطق الحضرية في أحياء باريس ورون ألب وكوت دازيروإيل دو فرانس، إضافة إلى المعاقل التقليدية للمسلمين مثل فيتري سيرسان وسان دوني، كما تحقق انتشارًا في المدن المتوسطة مثل جوي لوتور ومدينة براست التي ينشط فيها أحد أشهر الدعاة، رشيد أبو حذيفة، فضلاً عن سيطرتهم على بعض المدارس الابتدائية الخاصة في مدينة روبي في الشمال ومدينة مارسيليا.

الأمن الفرنسي

ويعبر موقع “كنز”، الذي أسسه فاتح كيموش، وهو إخواني، عن انتشار المجتمع السلفي في أحياء باريس الفقيرة.

أما الشبكة الإخوانية فهي الأكبر والأضخم، ليس في فرنسا وحدها بل في عموم أوروبا، عن طريق التجنيس والهجرة ورابطات الطلاب، واتحاد المنظمات، ورابطة الطلاب في فرنسا، والخلايا الطلابية.

لقد تمكن الإخوان من اختراق المسلمين وبناء شبكات عن طريق أطفال ولدوا بفرنسا، وطلاب إخوان دارسين، ومنتمين إلى الجماعة من دول عربية وإفريقية، واستفادت الجماعة من القوانين الليبرالية، وحين تواجههم اعتراضات فإنهم يشتغلون  في ما يطلقون عليه الآن “جهاد المحاكم”، لكي تنال الشبكة حرية واسعة عن طريق الاتحاد الإسلامي لطلاب فرنسا، أو بقية المنظمات، مثل المساجد، والمدارس، التي تتوزع بين مدارس خاصة، ومدارس قرآنية، أو مدارس رياضية.

في مذكرة المخابرات الإقليمية في يوليو/تموز 2015 بعنوان “رياضة الهواة” ورد أن 30 جمعية رياضية إسلامية تمارس التبشير الديني في فرنسا.

تجمعات إسلاموية

منذ أنشئ المسجد الكبير بباريس عام 1925، سيطرت عليه الجزائر، ولما أنشئ المسجد الكبير في ليون عام 1994، دخلت جماعة الإخوان على الخط فسيطرت عليه، وأنشأت اتحاد المنظمات الإسلامية، UOIF، والغريب أن الاتحاد نجح أن يكون الممثل الرسمي للمسلمين في فرنسا.

المسجد الكبير بباريس

حاولت الدولة الفرنسية بعدها دعم المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، CFCM، وكان هو من يشرف على تسيير المساجد، والأكل الحلال، والحج، وتكوين الأئمة، وتمثيل المسلمين داخل السجون والجيش، لكن الجماعة سيطرت عليه، وللتدليل على ذلك أصبح طارق أوبرو، كبير الإخوان، هو المفتي الديني وإمام المسلمين الرسمي بفرنسا، وأصبح الأئمة الإخوان هم من يقدمون المواعظ الدينية رسميًّا للمجندين المسلمين في الجيش الفرنسي، أو داخل السجون، وفق الإخواني المنشق والباحث محمد اللويزي.

عن طريق سياسة الاحتواء، حاولت فرنسا التعامل مع الوجود الإسلامي، وفي عام  2019 حضر وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير الإفطار المنظم من طرف المجلس الإقليمي للمسلمين، الذي هو حاليًّا في أيدي الأتراك المؤيدين لأردوغان، ويقوده الإخوان المسلمون، وبعدها عقدت الجماعة بمسجد فينيو بضواحي باريس مؤتمرًا حاشدًا بمشاركة كل من: التونسي الدكتور عبدالمجيد النجار، حركة النهضة، والتونسي عبدالله بن منصور، المراقب السابق لإخوان أوروبا، والمغربي طارق أوبرو، مرشح الإمامة الكبرى في فرنسا، ومحمد بجرفيل، عضو إفتاء إخوان فرنسا، والمغربي محمد بن علي، عضو هيئة تدريس كلية إخوان باريس، والمغربي محمد الحمري، عضو اتحاد المنظمات الإسلامية، حثوا فيه على تبني سياسة جديدة في تمثيل المسلمين في فرنسا، وكانوا يهدفون إلى تمكين العناصر الإخوانية، وهذا ما أفرز أزمة خانقة في تمثيلية المسلمين.

دخلت قطر على خط السيطرة على التجمعات الإسلامية عن طريق مؤسسة “قطر للأعمال الخيرية”، التي موّلت الشباب المسلم في الضواحي الهامشية، وأيضًا المساجد، مثال مسجد السلام، نانت، التابع لجمعية غرب فرنسا الإسلامي، التي تمثل الفرع الإقليمي لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، إضافة إلى معهد تعليم الشريعة، المركز الثقافي عبد الله الدرويش، وكذلك مسجد الرحمة، الذي افتتح عام 2017 في ستراسبورج وتموله جمعية الإصلاح الاجتماعي، التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، وفق ما ورد في دراسة للباحث المغربي عزيز أحلوي[3].

ومن المساجد التي مولتها قطر جامع “داسو” في أرجنتوي في منطقة فال دواز، ويديره مغاربة من اتحاد مسلمي فرنسا، RMF، ومسجد يوتز السلفي، الواقع في منطقة موزيل، وتديره جمعية الحياة الثقافية للجالية المسلمة، AVCCM، ومسجد ريمس.

في المقابل يسيطر الإخوان على مسجد “فيلنوف داسك”، الذي هو أيضًا مركز ثقافي إسلامي تابع لاتحاد المنظمات الإسلامية، ومسجد النور في Mulhouse، الذي يتبع جمعية مسلمي الألزاس موزيل الإخوانية.

إحدى التجمعات بفرنسا ترفض دعم قطر للإرهاب

حاولت بعض الدول العربية والإسلامية الدخول على خط السيطرة على المساجد والحقل الديني الفرنسي، ومنها السعودية والمغرب والجزائر  وقطر  وتركيا، وغاب الأزهر تمامًا عن هذا المشهد، وحدثت عملية تنافسية كبيرة إلا أن الجماعة حسمت المشهد لصالحها وصالح الأتراك والقطريين.

وبرز اتحاد مساجد فرنسا، UMF، عام 2013، وجمعية الأمل للشباب الفرنسي المسلم، EMJF، وهي جمعية لتعليم القرآن في الضواحي والأحياء الهامشية، تجمع المسلمين بفرنسا، وهو تابع للمملكة المغربية، لجنة التنسيق للمسلمين الأتراك، عام 2001، ويتلقى أوامره مباشرة من أنقرة، مثال التصويت لأردوغان، اتحادية مسجد باريس، بقيادة دليل أبو بكر، الفيدرالية الفرنسية للجمعيات الإسلامية، تأسست 1998، اتحاد الشباب المسلم، قيادة طارق رمضان، المسجد الكبير بمدينة بوردو، بقيادة إمام الجمهورية الفرنسية طارق أوبرو، المعهد الإسلامي لمسجد باريس، ويعين أكثر من 200 إمام للمسلمين في فرنسا، وهو من فتح ما يسمى شهادات الذبح الحلال، ثم اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا، تأسس 1983، وهو من المقربين للإخوان، ويجمع أكثر من 250 جمعية إخوانية على الأراضي الفرنسية، ويقوده الآن سمير فلاح، وقد نجح في السيطرة على المعهد الأوروبي لعلوم الاجتماعية، بضاحية سانت دونيس، ليتخرج منه الأئمة، ومنهم عمار الأصفر[4]، كما نشأ الاتحاد الوطني للمسلمين بفرنسا، وهو لوبي مغربي، استطاع أن ينشئ التنسيقية الوطنية للأئمة المسلمين.

وأيضًا نشأ الاتحاد التركي للشؤون الإسلامية، وينشط في شمال فرنسا، ويجمع تمويلات لبناء المساجد، وهو من يكلف أئمة من أصول تركية لإمامتها، مثال مسجد مدينة ميتز.

وبينما غابت مؤسسة الأزهر تمامًا عن المشهد، دخل الإيرانيون على خط السيطرة على الحقل الديني فأنشؤوا مركز الزهراء الإسلامي، ومقره في مدينة جراند سينت، قرب الحدود البلجيكية.

الدكتور علي راشد النعيمي

وحين حسمت جماعة الإخوان السيطرة على المساجد لصالحها أنشأت الإمارات المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة  برئاسة الدكتور علي راشد النعيمي، ويعاونه الدكتور محمد البشاري، وذلك من أجل ترشيد المنظمات والجمعيات العاملة في المجتمعات المسلمة، وتجديد فكرها وتحسين أدائها.

وحاولت الدولة الفرنسية في المقابل القيام بإستراتيجية للسلطة التنفيذية في ما يتعلق بتنظيم الدين الإسلامي، فتقدم مستشار الرئيس ماكرون، السيد حكيم القروي، بمشروع مؤسسة تكلف بتنظيم الدين الإسلامي، بديلاً عن المجلس الفرنسي للديانة، الذي سيطرت عليه الجماعة الإخوانية، ثم اقتطاع جزء من المال واستثماره، وحينها يمكن للمؤسسة تدبير نفقات اللحوم الحلال، فوفق دراسة له، ينفق كل مسلم على الأرض الفرنسية مجموع 180 يورو سنويًّا على منتجات الحلال[5].

ويرى القروي أن تركيا مؤخرًا عنيت بتأطير الشتات التركي، فأرسلت الأئمة إلى أوروبا وأقامت المدارس والجمعيات واستفادت من الحاضنة الإخوانية[6].

الخلاصة، أن الإسلاموية صنعت أزمة حقيقية داخل مجتمعاتها الأوروبية، بسبب عدم اندماجها، وحياتها داخل جيتو خاص، وفي ذات الوقت سيطرت تيارات عليها وجعلها الشباب المسلم جناحًا خارجيًّا لها.

الأخطر هو عدم وجود سياسة من الدول العربية متحدة بخصوص الأمر السابق، فهناك حالة تنافسية ضخمة استُخدِمت المراكز الإسلامية والجمعيات فيها، رغم سلبيات ذلك، والتي ستتمثل في ارتداد التطرف والإرهاب من الدول الأوروبية إلى حضن الشرق.

ومن أجل حل المشكلات المتعلقة بالإسلاموية الأوروبية المحتضنة في الضواحي الهامشية، لا بد من العمل على إدماج المجتمعات المسلمة في دولها بصورة تحقق لأعضائها كمال المواطنة وتمام الانتماء إلى الدين الإسلامي.

وأولى مقدمات تحقيق هذه الغاية تحرير المسلمين من التبعية للتيارات والحركات الفكرية والفقهية والأحزاب السياسية العابرة لحدود الدولة الوطنية، التي تحول دون اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة.

المصادر

[1] اضطرابات فرنسا 2005، ويكيبيديا

[2] الجماعات الإسلامية في فرنسا، تقرير لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ الفرنسي الجزء (1)، مركز مستقبل الخليج، 19 أغسطس/آب 2020.

[3] عزيز أحلوي، الإسلام في فرنسا، مركز المسبار للبحوث، كتاب 144، صـ127.

[4] طارق زياد وهبي، الوجود الإسلامي والحركي بفرنسا، مركز المسبار، كتاب 144، صـ138.

[5] لقاء بين الكاتب ومستشار الرئيس الفرنسي حكيم القروي، صيف عام 2019.

[6] حكيم القروي، صناعة الإسلاموية، تقرير معهد مونتاني، 2018.

 

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى