إعادة إعمار مرفأ بيروت

لا أحد يمنح ملايين الدولارات.. بالمجان!

كانت نجوى في مطبخها أمام الموقد تعد الطعام، لحظة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب الماضي. قبل أن يتحطم زجاج النافذة أمامها بالكامل ويملأ محيطها، فينتشلها ابنها من وسط هذا الحطام إلى الخارج حيث كان ينتظرهما حطام آخر خلفه تهشم جميع النوافذ الزجاجية في البيت.

تقطن نجوى، التي تحدثت إلى “ذات مصر”، منذ أكثر من 45 عامًا في بيتها في شارع متفرع من شارع الحمرا الشهير في قلب العاصمة اللبنانية بيروت. هي مصرية متزوجة بلبناني وحاصلة على الجنسية اللبنانية.

رغم أن نجوى، عاشت مع الشعب اللبناني غالب حروبه وصراعاته الطائفية، منذ ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) وما بعدها؛ كان لانفجار المرفأ أثر بالغ السوء فيها.

تقول “عشت هنا ثلثي عمري، ربيت أولادي وحملت الحرب مع زوجي الذي توفي قبل عدة سنوات وواصلت المسير من بعده”. لا تعرف نجوى إن كان هذا التأثير النفسي الصعب فيها من جراء انهيار المرفأ، نتيجة تقدمها في العمر، أم أنه كان حقًّا أسوأ من الحروب التي مضت، أم أنها غير مستعدة لهذه التجربة القاسية ثانية، أم أنه يمكنها أن تستشف مستقبل لبنان من ماضٍ عاصرته وشهدته.

حادث انفجار مرفأ بيروت

تقول إن “الانفجار كان مباغتًا، وما زلت أشعر أنني مهزوزة منذ ذلك اليوم. ما زلت أنهض مفزوعة من النوم ليلاً، وأبكي طويلاً نهارًا”. بيروت أيضًا لم تعد كما كانت قبل انفجار المرفأ الذي أودى بحياة  200 شخصًا وجرح نحو 6 آلاف آخرين على الأقل وتشريد ما يقرب من 300 ألف شخص، وأضرار مالية قدرت بنحو 15 مليار دولار، بعدما انفجر نحو 3000 طن من نترات الأمونيوم، شديدة الانفجار، في المرفأ، فتدمر العديد من الأحياء وآلاف المباني السكنية والتاريخية والصحية.

هذا الانفجار الضخم الذي خلف هذه الخسائر البشرية والمادية، أدخل لبنان بعد 4 أشهر في سيناريو إعادة الإعمار، ليعيش لبنان هذه التجربة ثانية على غرار المدن والعواصم العربية التي تضررت من الحروب.

يوم الجمعة الماضي، أطلقت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة البنك الدولي، في مؤتمر صحفي عقد في بيروت، خطة “إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار” استجابة لتداعيات الانفجار وما خلفه من تدمير ووقوع أضرار جسيمة في عدة أحياء في العاصمة اللبنانية.

الملامح الأولية للخطة

حسب المعلن رسميًّا، تمتد الخطة لـ18 شهرًا، وتشمل تقديم المساعدات الإنسانية الفورية وجهود التعافي وإعادة الإعمار في المدى المتوسط بهدف وضع لبنان على مسار التنمية المستدامة كما ترتكز على المبادئ الشاملة للشفافية والمساءلة والشمولية، بتكلفة تقدر بمليارين و500 مليون دولار أمريكي، في وقت يعاني فيه لبنان أزمة اقتصادية حادة فاقمتها تداعيات تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

وحسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي، فإنه منذ الخريف الماضي، تفرض المصارف اللبنانية قيودًا مشدّدة على عمليات السحب بالدولار، بات معها المودعون عاجزين عن الحصول على أموالهم ومدّخراتهم، وانهار سعر الليرة اللبنانية وغرقت في السوق السوداء مقابل الدولار الأمريكي، وتخلّف لبنان هذا العام للمرة الأولى عن سداد ديونه الخارجية.

ورجّح البنك الدولي تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على نحو حادّ إلى 19.2% عام 2020، بعد انكماشه 6.7% عام 2019. وأدى انهيار العملة إلى “معدلات تضخم تجاوزت حد المئة بالمئة”.

ماكرون وعون
تحقيقات غير جادة وإعادة إعمار مشروطة

عن التحقيقات الجنائية التي تجريها السلطات اللبنانية والقضاء اللبناني، قالت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، ليلى نقولا، إن هذه التحقيقات لا تبدو على مقدار الآمال التي يعقدها اللبنانيون على هذا القضاء، فقد مرت أشهر على الانفجار ولم يحوَّل أحد إلى قفص الاتهام، كل ما هناك بعض الموظفين الصغار الذين حُجِزوا للاستجواب، ولكن حتى في هذه الاستجوابات يوجد نوع من الكيدية السياسية التي يمارسها القضاء اللبناني نتيجة التدخلات السياسية.

فلم يتوسع التحقيق ليشمل كل الوزراء المعنيين، حسب نقولا، ومن بينهم وزراء الأشغال والداخلية والعدل والمعنيين بهذه القضية وكذلك رؤساء الحكومات الذين كانوا يعرفون الموضوع، وجرت لملمته لسنوات عدة منذ إدخال نترات الأمونيوم إلى المرفأ اللبناني وحجزها هناك دون شروط بيئية وصحية، وتناوب عليها العديد من الحكومات والعديد من الوزراء، ومديرين للمرفأ والجمارك. فهناك الكثير من المسؤولين السياسيين الذين يجب استجوابهم لمعرفة إن كان هناك تقصير أم إهمال أم نية إجرامية من الأساس، على حد قولها، فحتى الآن لا يبدو أن سير التحقيقات مناسب لحجم وهول الجريمة التي حصلت، وإنصاف الضحايا الذين سقطوا في انفجار المرفأ.  

انفجار المرفأ
تدخلات سياسية

وعن المبادرة الفرنسية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بعد انفجار المرفأ منذ قدومه إلى لبنان، قالت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، إنه كان هناك تفاؤل لبناني بهذه المبادرة، خاصة أنها جاءت بعد أزمة طويلة من الانهيار الاقتصادي، وكارثة كبرى زاد عليها انفجار المرفأ وجائحة كورونا.

لكن المشكلة –والكلام لنقولا- أن المبادرة الفرنسية اصطدمت بالشروط الأمريكية، “فهناك شروط أمريكية سياسية لتشكيل الحكومة، وضغط اقتصادي أمريكي فرضته إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، على لبنان لاعتقاده أن هذه الضغوط القصوى هي محاولة لتأليب اللبنانيين على حزب الله، لوقف زيادة النفوذ الإيراني في البلد”.

لكن المشكلة الأخرى التي لفتت إليها أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، هي أن الاقتصاد اللبناني تأثر بهذه الضغوط القصوى بقدر كبير، أكبر من بيئة حزب الله التي يريد دونالد ترامب أن يؤثر فيها، فأي حزمة اقتصادية لمساعدة اللبنانيين ستأتي على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لأن الإصلاحات التي تطالب بها الدول المناحة ويطالب بها صندوق النقد الدولي، سوف تأتي بالخصخصة لبيع أملاك الدولة لإعادة هيكلة القطاع العام والتخلي عن الموظفين العموميين وعدم دعم الكهرباء والخدمات، وهذا سوف يؤثر في المجتمع اللبناني ويزيد من هوة الفقر أكثر مما كانت عليه في وقت سابق.

أما من الناحية السياسية، فتوضح نقولا “أعتقد أن لبنان بلد صغير وكانت توجد دائمًا تدخلات سياسية في شؤونه، ونشهد منذ زمن بعيد الصراع العربي/ العربي، والصراع الإيراني/ الخليجي، والصراع الأمريكي/ الإيراني، وكذلك الصراع العربي/ الإسرائيلي، هذه الصراعات الإقليمية جميعًا تجد متنفسًا لها وتنفجر في لبنان، مثلما نعيش اليوم، ونتوقع أن تحدث انفراجة في الأزمة اللبنانية بالتزامن مع انفراج الأزمة الأمريكية الإيرانية بعد صعود جو بايدن للحكم”.

زيارة ماكرون إلى لبنان
التجربة الثانية لإعادة الإعمار

لبنان لا يعيش تجربة إعادة الإعمار للمرة الأولى، بل كانت له تجربة إبان الحرب الأهلية، قالت عنها أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، إنها تجربة غير مشجعة في إعادة الإعمار، فعندما انتهت الحرب الأهلية في لبنان عام 1990 و1991، كانت مدينة بيروت مدمرة ولم يكن على الدولة اللبنانية دين عام، ومنذ إعلان إعادة إعمار مدينة بيروت، بدأ الرئيس اللبناني السابق رفيق الحريري يستدين بقدر كبير من أجل إعادة الإعمار.

ولفتت نقولا، إلى الشركة الخاصة التي أسسها الحريري الأب، باسم “سوليدير” واستولت على عقارات اللبنانيين بطريقة ملتوية، سيطرت على عقارات في وسط بيروت، كانت قيمتها الفعلية تساوي مليارات الدولارات مقابل إعطاء مالكيها وأصحابها سندات نقدية في الشركة تراجعت بقدر كبير بعد ذلك، أو مبالغ طفيفة جدًّا، في ما عرف حينها بـ”قوننة السطو على أملاك اللبنانيين”.

أما التجربة الثانية لإعادة الإعمار في بيروت، فتقول عنها نقولا “يبدو من خطة إعادة الإعمار التي تتحدث عنها منظمات المجتمع المدني أنها مرتبطة بأطراف خارجية، فكل دولة من الدول تعطي المنظمات التي تدور في فلكها وتحقق مصالحها، والكثير من التقارير في الداخل اللبناني يشير إلى أن هذه المنظمات لا تقل فسادًا عن الحكومة اللبنانية، وهناك الكثير من الأموال والمساعدات والإعانات التي تبخرت بأسلوب من الأساليب، ولا نعرف كيف صُرِفَت”.

المساعدات الإنسانية التي تقدمها منظمات المجتمع المدني والتي يُعلَن عنها في المؤتمرات، فرقت نقولا بينها وبين المساعدات التي تمنحها الدول، فالأخيرة تكون مساعدات مشروطة بتغيير سياسة وتوازن بين النفوذ الإيراني والأمريكي بالدرجة الأولى، وإصلاحات اقتصادية بالدرجة الثانية، وهي ما يثير قلق اللبنانيين عمومًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram