إفريقيّات طلّقن الحرب..

وتزوّجن بحلم الجامعة!

“كانت سني 16.. لم نكن نملك إلا أرواحنا التي نجونا بها من الموت.. تركنا خلفنا أبًا معتقلاً في بلادنا.. ورغم المعاناة الشديدة، لم أنس حلمي أبدًا، لم أنس أنني تركت مدرستي قهرًا، لكن الله عوّضني بالدراسة في جامعة القاهرة”..

هكذا حكت جاكومينا خميس، القادمة من جنوب السودان فارّة من الحرب وويلاتها: “هناك، حيث الدمار.. اختلط صوت جرس مدرستها بطلقات النيران.. تلطخت دفاترها بدماء الضحايا الذين سقطوا حولها.. تعالت الصرخات واشتعلت الأزمات في أنحاد البلاد.. أغلقت المدرسة أبوابها لكن أحلامي لم تمُت.. هربت برفقة والدتي وأشقائي إلى مصر عام 2003 بحثًا عن حياة هادئة ومدرسة تحتضن طموحي الدراسي”.

كانت “جاكومينا” تتشوق لرؤية قبة جامعة القاهرة.. مرت سنوات طويلة وهي تنتظر أملها في اللحاق بركب الدراسة الجامعية.. حدث ذلك بالفعل عام 2014، حين التحقت بكلية الآداب، حيث درست في قسم “علم الاجتماع”.

جاكومينا وزوجها وأولادها في حفل تخرجها في كلية الآداب جامعة القاهرة

كانت الرحلة مليئة بالعثرات.. لا أموال.. لا أمان.. لذا سعت والدتها لتسجيل أسماء أفراد الأسرة الهاربة في كشوف اللاجئين، آملةً أن تتكفل منظمة الأمم المتحدة بتعليم ابنتها وتوفر لهم دخلاً بسيطًا للعيش.

تزوجت “جاكومينا” وأنجبت 3 أطفال.. تخرجت وأبناؤها من حولها يراقبون كفاح أمّهم عبر السنين بمشاركة زوج لم يمل من الدعم والمساندة: “زوجى كان دائم التشجيع لي، لولا وقوفه بجانبي هذه السنوات لما وصلت إلى ما كنت أحلم به”، مؤكدة أن التعليم في بلدها تأثر بسبب الأزمات والحروب والنزاعات التي لم تهدأ حتى اليوم: “النزاعات بتخلي فيه هواجس عند البنت أنها ممكن ماتقدرش تكمل تعليمها، والبنت الجنوبية بالتحديد بتحب التعليم جدًّا، لكن الظروف اللي بتمر بيها البلاد حرمتها من حقها”.

“جاكومينا”، تلك الفتاة المدللة، فجأة انقلبت حياتها الهادئة إلى ما يشبه المعركة الحربية، ودعت مدرستها التي كانت أول مدرسة ثانوية للفتيات بالنظام الداخلي في بلادها: “لم أكن أريد أن آتي إلى مصر كلاجئة.. ليست لدي أموال للتعلم لأن الوافدين هنا يدفعون مصاريف الدراسة بالدولار، وعلى أيامي كان الدفع بالإسترليني.. كانت أمّي تحاول توفير حياة كريمة لنا، لكن مصاريف التعليم فاقت قدراتنا، فكنت أجلس أبكي بالساعات يوميًّا على حالنا”.

لم تتلق الأسرة أي مساعدات من المنظمة الدولية وظلت لسنوات رهن عملية كفاح لا تتوقف: “حتى المنح الموجودة هنا للوافدين كانت قليلة ولم أحظ بواحدة منها، وكي أتعلم كنت باشتغل وباقوم بمهام بيتي، وبحاول أذاكر مع نفسي، وزوجي كان بيساعدني طول الوقت، والأصعب إنه ماكانش لينا دخل ثابت نعيش منه وأعلّم بيه ولادي”.

تُوِّج مجهود المكافحين بشهادة جامعية لـ”جاكومينا” عام 2018: “الجاية من منطقة حرب بتكون قوية حتى لو ماعندهاش مصدر واحد للأمل.. كنت مُصرة أتفوق عشان في يوم أرجع بلدي وأعمّرها تاني”.

جاكومينا خميس

تقول الفتاة الثلاثينية إن مصر فتحت لها أبواب الخير واحتضنت حلمها حتى رأته حقيقة، ولم تعانِ في الحصول على المصادر العلمية: “استفدت كثيرًا من التدريب الميداني وفرص العمل التي أتيحت لي هنا.. مصر فتحت لنا مجال واسع نتعلم كفتيات هاربة من دولة تعاني أزمات سياسية”.

بعد إبرام معاهدة سلام بين السودان وجنوب السودان، عاد شمل الأسرة مرة أخرى، وخرج الأب ليعيش وسط أبنائه وشهدت الأم حفل تخرج فتاتها بعد سنوات من الانتظار: “كنت باقول لنفسي يومًا ما هاكمل تعليمى، وده حال أغلب الجنوبيات اللي بيمروا بنفس الأزمة، عايزة أقول كمان إنه مش السن ولا الظروف ولا الماديات اللي ممكن توقف شخص عن حلمه، بإصرارك تقدر تنجح”.

قرار تعليم الفتاة بيد الزوج

مدينة بارو، من مالي، تحكي: “قعدت سنة في البيت وحملت وأنجبت طفلي، وبعدها قررت أن أسجل اسمي في المدرسة وأكمل دراستي، ودخلت امتحان القبول ونجحت”..

جاءت “بارو” إلى مصر عام 2010 كامرأة متزوجة وليست طالبة علم.. كانت تحمل الشهادة الإعدادية كبقية قريناتها اللاتي يتوقفن عند تلك المرحلة التعليمية من أجل الزواج، لافتة إلى أن قرار استكمال التعليم لا بد من أن يكون بموافقة الزوج بحسب تقاليد بلادها: “كان عندي رغبة أستكمل تعليمي حتى الجامعة، ووجدت في مصر فرصة لتحقيق حلمي، فاستأنفت الدراسة حتى حصلت على شهادة جامعية في الإعلام، وبدأت حاليًّا مرحلة الدراسات العليا”.

مدينة بارو

راود حلم الدراسة “بارو” منذ 2013 حين مرّ الشمال المالي بأزمة أمنية نتيجة سيطرة المجموعات الإسلامية المتطرّفة، المتحالفة مع المتمرّدين الطوارق، على المدن الرئيسة، حتى تدخلت قوات فرنسية مدعومة بقوات من الجيش المالي وقوات أخرى من دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا لاستعادة السيطرة على هذه المنطقة في عملية سُميت “الهرّ الوحشي”.

كانت “بارو” تتابع المشاهد الدموية في بلادها عن بعد عبر الشاشات: “كنت أرى ما يقوله الإعلاميون بعيدًا تمامًا عن الحقيقة، فقررت أن أدخل كلية الإعلام حتى أكون همزة الوصل بين الإعلام الأجنبي وبين بلادي، وأحكي حقيقة ما يجري لأن الصحفيين في مالي من دارسي الفرنسية غالبًا لا يتحدثون العربية”.

تقول “بارو” إن الفتيات لم يكن لديهن فرصة كبيرة في التعليم، يدرسن غالبًا حتى المرحلة الإعدادية ثم يتزوجن، لكن الآن تطور الأمر نوعًا ما، على الأقل صارت الفتاة تأخذ الشهادة الثانوية قبل الزواج: “لكن في حالة رفض الزوج استكمالها التعليم لا تستطع البنت تحقيق حلمها”.

تضيف: “التعلم باللغة العربية في وطني أمر صعب، يوجد عدد قليل من المدارس العربية، وتشبه المدارس الخاصة هنا، وبالتالي ينفق الشخص أموالا كثيرة لتلقي التعليم بها، فضلاً عن قلة فرص الفتيات في التعليم مقارنة بالشباب الذين يحصلون على الفرصة كاملة”، لافتة إلى أن هذه الظاهرة لا تفرق بين ريف وحضر، فالفتيات غالبًا يتزوجن في سن مبكرة ويتركن التعليم من أجل تربية الأبناء والانشغال بمهام البيت الجديد وطلبات الزوج”.

10 سنوات لم تكن سهلة في حياة ابنة مالي، هوّن عليها مرارة الغربة بعض أبناء وطنها ومصريات آُخريات تعرفت عليهن، وصرن بعد فترة وجيزة عائلتها البديلة: “دراستي في القاهرة أكبر إنجاز في حياتي.. لو لم آتِ إلى مصر لوجدت صعوبة في تحقيق حلمي.. هنا لا توجد تفرقة بين الجنسين.. هنا تكافؤ فرص.. بل أحيانًا البنات لهن النصيب الأكبر من فرص التعليم والتدريب والعمل”.

ضربة حظ لابنة السنغال

في السنغال كان الوضع مختلفًا.. يسيطر الخوف على الفتيات، ما يدفع الأهالي لمنعهن من الخروج، فتنعدم فرصهن في التعليم لأسباب عدة أهمها تفضيل الذكور على الإناث في بعض القبائل، لكن “أسماء باه” كانت سعيدة الحظ حين وافق والدها على إرسالها إلى مصر لتتلقى التعليم اللازم منذ الابتدائية حتى الثانوية.

أسماء باه

تحكي “أسماء”، 17 عامًا، أنها جاءت إلى مصر للحصول على فرصة أفضل في التعليم، بدلاً من أن تكون فريسة للزواج المبكر وتفضيل الذكور على الإناث: “حلم التعلم والوصول للمرحلة الجامعية كان أملي منذ الطفولة، وقد ساعدني وجود عمّي هنا وعدد من أفراد عائلتي، ما سهّل موافقة والدي على قرار الاغتراب”.

واجهت “أسماء” صعوبة في تحدث العربية حين أتت وظلت لفترة تتعلمها حتى صار لسانها طلِقًا في الفصحى وفهم العامية المصرية أيضًا: “نظام الدراسة في مصر مختلف تمامًا عن السنغال، يكفي أن للبنت هنا حقًّا في التعلم حتى تصل إلى الجامعة، أما في بلدي فحين تبلغ الفتاة 14 و15 عامًا تتزوج دون أن تحظى بأي فرصة تعليم”.

6 آلاف فتاة إفريقية تدرس في مصر

يقول جبريل عبد الله، رئيس الاتحاد العام للطلبة الأفارقة بمصر، إن الاتحاد يضم كل الاتحادات الفرعية والروابط الإفريقية هنا، وبالتالي لديه إحصاءات بكل الطلاب الذين يأتون للدراسة في الجامعات والمعاهد المصرية، ويقدر عددهم بنحو 20 ألف طالب، بينهم 6 آلاف فتاة من جميع دول القارة السمراء، لافتًا إلى أن عددهن في 2016 كان 3 آلاف و500، وتضاعف على مدار السنوات الأربع الماضية.

يضيف “جبريل” لـ”ذات مصر” أن الجامعات المصرية تُقدم منحا للدول الإفريقية، خاصة لتعليم الفتيات، وذلك لتشجعهن على طلب العلم، مؤكدًا أن مصر أكثر دولة عربية إفريقية تحتضن فتيات من كل الدول: “لا توجد دولة إفريقية لم ترسل فتياتها للتعلم في مصر، وهذه المنح لا تقتصر فقط على المجالات الأدبية بل تشمل العلمية أيضًا”، وذلك رغبة من الأهل لتعليم الفتيات العلوم الشرعية وكذلك علوم الطب والقانون والهندسة والزراعة واللغات، التي لم توجد في معظم الدول: “هذا العام توجد فتيات في كليات الهندسة والطب بأنواعه.. صارت الفتاة الإفريقية الآن طبيبة ومهندسة وسياسية بفضل الجامعات المصرية، لأن التخصصات تكاد تكون غير موجودة في دول القارة”.

حفل تخرج دفعة 2020 للطلبة الأفارقة في وزارة الشباب

وتابع: “خريجات الجامعات المصرية يعامَلن معاملة خريحات الجامعات الأوروبية، نظرًا إلى مكانة مصر في القارة، وتفوقها في مجالات التعليم، فضلاً عن توافر عنصر الأمن للفتيات اللاتي يجئن عن طريق المنح الدراسية والتكفل بالمصروفات”، مؤكدًا أن هناك دولاً حتى الآن لا تفضل تعليم الإناث وتكتفي بإتاحة الفرصة للذكور، بل وترفض خروج البنت من البيت مثل عدد كبير من القبائل الإفريقية.

واستطرد أن الفتيات اللاتي يأتين كل عام غالبًا ما يكون أحد أفراد عائلتهن يدرس هنا في الأزهر أو في أي جامعة مصرية، وبالتالي تطمئن الأسرة إلى ترك ابنتها حتى تنهي دراستها: “هنا فتيات في سن 14 عامًا وأصغر يأتين للدراسة من المرحلة الابتدائية، لعدم توافر فرصة تعليم في بلادهن”، لافتًا إلى تشكيل الاتحاد لجنة خاصة مسؤولة عن شؤون الفتيات والنساء الإفريقيات المغتربات لمساعدتهن على مدار العام، وتنظيم دورات تدريبة وورش تعليمية لهن، حتى يعدن إلى بلادهن وينشرن ثقافة تعليم النساء.

يتواصل “جبريل” باستمرار مع كل سفارات الدول الإفريقية الموجودة على أرض مصر، ووزارات التعليم في بعض البلدان الإفريقية، لحل المشكلات التي قد تواجه الطالبات، وتيسير رحلتهن التعليمية: “اتفقنا مع الاتحادات الفرعية لكل الدول على تبليغ الاتحاد العام بالصعوبات للتواصل مع الجامعات أو الوزراء في الداخل والخارج، ووجدنا تعاونًا كبيرًا من الجهات المصرية التي سهلت علينا الكثير من مهمتنا”.

إبراهيم جوري
التعليم في مالي إجباري حتى المرحلة الإعدادية فقط

يقول إبراهيم جوري، المتحدث الإعلامي باسم الجالية المالية في مصر، إن التعليم الأساسي فقط هو الإجباري في بلاده حتى المرحلة الإعدادية، لكن المرحلة الثانوية والجامعة متروكة لرغبة الطالب والأهل، وبالتالي يتوقف كثيرون عند مستوى الإعدادي، خاصة الفتيات اللاتي يتزوجن مبكرًا، فضلاً عن أن المنهج الرسمي للدولة المالية يكون باللغة الفرنسية، وهي دولة علمانية رغم أن 95% من سكانها مسلمون: “من يرغب في تعليم ابنته أو ابنه علوم الدين يرسله أو يرسلها إلى مصر أو يلحقه بمدارس خاصة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سحر حسن

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram