إفطار على مائدة أمازيغ مصر

"أشنجوط" و"أبو مردم" والحلو "لبسيس"

قبل عدة أيام، وتحديدًا مع انتصاف شهر رمضان، حصل عدد من صبية سيوة ممن يصومون لأول مرة على مكافآتهم، طبق “أشنجوط” الذي يتكوّن من بطة محشوة بالبيض المسلوق ومغطاة بالرقاق، مصحوبة بعبارات المباركة والمديح للصبية. هكذا يحتفي أمازيغ مصر الساكنون في الواحة البعيدة بصغارهم الصائمين.

يحظى الأطفال من الصائمين الجدد في سيوة، بحفاوة وتشجيع كبيرين، فتتمّ دعوتهم يوميًّا للإفطار لدى أحد الأقارب أو الجيران ليتناولوا ما لذّ وطاب من الطعام، ولكن التزام معظم أهل سيوة بإجراءات الوقاية من فيروس كورونا هذا العام حرم الصبية من هذا الطقس المميز، وحرم الأسر السيوية من دعوات الإفطار المعتادة لدى الأقارب والجيران، كما ينقل لنا “محمد عمران جيري”، مراسل الإذاعة المصرية بسيوة وأحد أبناء الواحة.

تقع واحة سيوة بصحراء مصر الغربية، على بعد ٨٢٠ كم جنوب غرب القاهرة، بالقرب من الحدود الليبية، وتتبع محافظة مرسى مطروح إداريًّا، ويسكن بها معظم الأمازيغ المصريين، حيث تضم ١١ قبيلة جميعها أمازيغية باستثناء واحدة بدوية، لذا تتسم بثقافة فريدة يحملها سكان ودودون تميز حياتهم البساطة، ويبلغ عددهم ٣٥ ألفًا تقريبًا.

يشير “جيري”، إلى وجود بعض الأطباق الأمازيغية التراثية المرتبطة بشهر رمضان، ومنها “أشنجوط”، و”تنقطعت” ويصنع من الدقيق واللحم، و”الرقاق”، ويكون التمر السيوي الشهير حاضرًا دومًا مع انطلاق أذان المغرب وكذلك في السحور.

الحلوى الأمازيغية حاضرة أيضًا على المائدة الرمضانية بسيوة، والطبق الأشهر هو “لبسيس” بنوعيه الأسود والأبيض، ويصنع الأول من التمر المطحون مخلوطًا بزيت الزيتون، والثاني من الحمص الجاف المحلى بالسكر مخلوطًا مع الماء أو السمن، وفقًا لـ”جيري”.

المساجد التراثية ذات العمارة الفريدة، كانت قبلة أهل سيوة للصلاة في رمضان، وهو ما حرموا منه هذا العام التزامًا بالإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا، حيث أصبحت الصلوات تقام في البيوت.. حسبما يقول “جيري” لـ”ذات مصر”.

بُني المسجد العتيق بقلعة شالي عام 500 هجرية من مادة الكرشيف المصنوعة من خليط الملح والطين، والتي تميز التراث المعماري بالواحة، والمضاء بوحدات من الملح الصخري الذي تنفرد به سيوة، ومسجد تطندي الأثري الذي بُني عام 600 هجرية، ومسجد سيدي سليمان؛ جميع هذه المساجد لم ترتفع مكبرات الصوت فيها بصلوات التراويح المعتادة في كل عام.

“أكروت يا سحارة أشمي حبة نتغاره”.. هكذا كان المسحراتي يُردد نداءاته بالأمازيغية تصاحبها دقاته على الدف، والتي تعني “قوموا يا من تريدون السحور وأعطوني بعضًا من الخبز”، ولكن مع انتصاف تسعينيات القرن الماضي، فقدت الواحة دقات المسحراتي ومعه أحد المظاهر المرتبطة برمضان، يتذكر “جيري”.

مراسل الإذاعة المصرية يوضح أن الواحة البعيدة لم تكن تصلها الكهرباء أو وسائل الاتصال قديمًا، وكان أهلها يلجئون لاختيار ثلاثة أشخاص مشهود لهم بالأمانة والصدق وحدة البصر، يصعدون لأعلى جبلي شالي، والدكرور، يحملون إناء به ماء، وإذا انعكس الهلال على الماء يضربون الدفوف ليُعلموا أهل سيوة بحلول شهر رمضان.

يوميات أهل سيوة في رمضان

يوم سكان الواحة في رمضان يبدأ مع السحور الذي يتضمن تناول التمر والرائب و”الدبسيس” وهو طبق سيوي مصنوع من الحمص، بالإضافة للفول والبيض والأطباق التقليدية، كما يروي لنا “عبدالعزيز عبدالرحمن جبريل”، أحد شبان سيوة.

عبدالعزيز جبريل، أحد شباب سيوة

وينطلق أهالي الواحة لأعمالهم بعد صلاة الفجر، حيث يعمل معظمهم بالزراعة، ويعودون لمنازلهم قبل الظهر تجنبًا للحر الشديد، ويعاودون نشاطهم بعد العصر لشراء احتياجاتهم اليومية، أما الشبان الصغار فيذهبون للسباحة بالعيون الكبريتية، ثم يعود الجميع لمنازلهم قبل المغرب للإفطار.

يفطر أهل الواحة على التمر والحليب أو الرائب والعصائر ثم يصلون المغرب، وبعدها يتناولون طعام الإفطار، وفي معظم البيوت السيوية التي تسكنها عائلات يفطر الرجال في موائد منفصلة عن النساء والأطفال، ولكن الأسر الصغيرة يفطر أفرادها معًا، أما اليوم الأول من رمضان فجميع أفراد العائلة مدعوون فيه للإفطار ببيت الجد، بحسب “جبريل”.

يتذكر الشاب السيوي أنه وأصدقاءه في طفولتهم كانوا يخرجون لشوارع الواحة للعب بالفوانيس وقت الإفطار حتى ينتهي الكبار من إفطارهم، ثم يبدأ الأطفال تناول الطعام بعدهم احترامًا وتقديرًا لهم، ولكن ذلك تغير حاليًا حيث يفطر الأطفال مع أهلهم، أما النساء فلا يخرجن في العادة من منازلهن إلا للضرورة، ويحرصن على عدم الخروج في رمضان أكثر، وإن اضطررن للخروج يقمن بتغطية وجوههن بغطاء خاص.

قائمة الطعام الأمازيغية امتدت لتشمل عددًا من الأطباق الرمضانية المميزة، ومنها “المخمخ” أو السبانخ، و”إغيارين” أو العدس، و”العصيدة”، و”تاجلا إنتيني” المصنوع من البلح، و”أبو مردم” وهو الطبق السيوي الأشهر، حيث يتم تسوية الدجاج أو اللحم بعد تتبيلِه في وعاء معدني كبير وعميق مدفون في الرمل، ويوقد تحته الحطب، ثم يغطى ويردم عليه حتى تمام النضج، وهذا سبب التسمية، كما يخبرنا “جبريل”.

وجبة "أبو مردم"

يقول “جبريل” إن الزردة من المشروبات الأساسية لسكان الواحة في كل وقت بما في ذلك رمضان، وهو شاي ليبي أخضر أو أحمر، تضاف له نكهات النعناع أو اللويزة أو القرنفل، ويعد على الجمر أو نار الحطب، كما يشرب أهل سيوة القهوة بالتمر، ولكنها أقل شعبية من الزردة.

زودنا الشاب السيوي بعدد من العبارات الأمازيغية التي يشيع استخدامها في رمضان، ومنها “ظوماطا”؟، وتعني: هل أنت صائم؟، و”هيا جانفل ياظلي”، ومعناها: هيا نصلي، و”سلطين لهلال يفاغ” وتشير لظهور الهلال.

"الهوارة" أمازيغ الصعيد.. عادات رمضانية أقرب للعرب

مدير عام مركز الشعوب المصرية بالقاهرة، ومستشار منظمة الكونجرس الأمازيغي “طارق جهلان الهواري”، يقول إن الأمازيغ جزء من الحضارة المصرية القديمة، وهو ما أكده “ابن خلدون”، حيث نشأت دولتهم في اليونان، وكانت هناك علاقات بين المصريين والأمازيغ منذ الدولة القديمة والدولة الوسطى وبدايات الدولة الحديثة.

يشير “جهلان”، إلى أن قطاعًا كبيرًا من أمازيغ مصر يتحدثون باللغة المصرية القديمة أو الأمازيغية، ولها ثلاث مدارس أو لهجات وتتواجد بشرق الجزائر وغرب ليبيا وسيوة، وهؤلاء الأكثر حفاظًا على الثقافة الأمازيغية.

ويوضح مستشار الكونجرس الأمازيغي عن صعيد مصر، أن الأمازيغ في مصر يقيمون بسيوة، وهم أبناء قبيلة نفوسة ويعيشون في شرق ليبيا وسيوة وعاداتهم أقرب للمغاربة، بالإضافة لأمازيغ صعيد مصر الذين يتركزون في محافظة قنا، ممثلين في الهوارة، ومعظمهم غير ناطقين بالأمازيغية وأكثر اندماجًا وتأثرًا بالقبائل العربية.

نساء الأمازيغ يستقبلن رمضان بتجهيز بيوتهن وتزيينها باللمسات الرمضانية، وتوفير مستلزمات الأطباق الرمضانية، وكذلك صنع أو شراء ملابس جديدة للصغار الذين يصومون للمرة الأولى لتشجيعهم.

بحسب “جهلان” فإن أمازيغ الصعيد أقرب في عاداتهم وثقافتهم للعرب، وأبرز الأطعمة المرتبطة برمضان لديهم هي “الثريد” أو الخبز المخلوط باللحم، وخلافًا لأهل سيوة فأمازيغ الصعيد لا يقبلون على تناول الكسكسي وهو من الأكلات الأساسية لدى السيويين، ويوازيه في الأهمية بالصعيد طبق العصيدة.

ينهي “جهلان”، حديثه بأن الأمازيغ هم أصحاب حضارة قديمة سبقت ظهور الإسلام، لذا فعاداتهم في رمضان مرتبطة بالثقافة والحضارة الأمازيغية ذاتها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سارة جمال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search