سياسةمختارات

إقالة مهندس “الوطن الأزرق”.. جيش تركيا منقسم أيديولوجيًّا؟

 

في الربيع الماضي، تصدّر الأدميرال التركي الغامض جهاد يايجي عناوين الصحف الدولية، بعد رحيله المفاجئ عن البحرية التركية. فعلى الرغم من انتشار شائعات عن رحيله قبل أشهر سابقة، اختلف الصحفيون الأتراك والأجانب في تقدير أهميتها. وحتى شهر مايو/أيار، احتفت الصحافة بالأدميرال يايجي، وأشاد به الرئيس رجب طيب أردوغان على اعتباره “المهندس” الذي تفاوض على ترسيم الحدود البحرية المشتركة مع الحكومة الليبية الكائنة في طرابلس.

إن ارتباط اسم الأدميرال يايجي بصياغة الموقف البحري الأكثر حزمًا لتركيا، والذي أطلق عليه اسم مبادرة “الوطن الأزرق”، جعله يمثل وجه طموحات البلد الأكبر في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وجرى النظر إلى استقالة يايجي كدليل على صبر أردوغان المحدود على صعود نجم كبار الضباط من ذوي النفوذ السياسي. وقد أعرب مراقبون، من أصحاب التوجهات القومية خاصة، عن خوفهم من أن تؤدي استقالته إلى التخلي عن مفهوم “الوطن الأزرق” تمامًا.

ومنذ ذلك الحين، أدلى يايجي بأحاديث مطولة مع وسائل الإعلام التركية عن تجاربه وآرائه. وعلى الرغم من أنه لم يتجنب الخوض في مناقشة ملابسات استقالته، فإن الجزء الأكبر من مقابلاته ركز على القضايا الأقرب إلى قلبه، وتحديدًا السياسات والإستراتيجيات البحرية التركية.

وعلى مدار عدة ساعات من المناقشات المسجلة التي أجراها على مدى الأشهر القليلة الماضية، قدم يايجي للجمهور نماذج كثيرة إلى حد ما من آرائه بشأن مجموعة واسعة من الموضوعات. وتقدم تصريحاته في المجمل استقصاءً عامًّا لتطور تفكيره.

وعند النظر إليها في السياق الأوسع للتاريخ التركي والقضايا المعاصرة، تقدم تصريحات يايجي رؤى محتملة بشأن الإجماع السياسي الذي يحرك عناصر النهج التركي الأكثر عسكرة في السياسة الخارجية. كما يقدم منطقه أدلة على كيفية مساعدة الأيديولوجية التأسيسية للبلاد، الكمالية، في تشكيل أرضية مشتركة بين النخب السياسية المتنازعة في أنقرة.

الأيديولوجيا.. الحزب.. الجيش

في المشهد التركي اليوم، لا نعدم ظهور الكثير من الجنرالات والأدميرالات السابقين على شاشات التلفزيون. قد تبرر الأحداث الجارية ذلك إلى حد ما. وسط أنباء عن نشاط عسكري تركي في سوريا وليبيا وأذربيجان وشرق البحر المتوسط​​، باتت القوات المسلحة التركية في طليعة أجندة السياسة الخارجية للبلاد على نحو متزايد.

ومع ذلك، وعلى خلفية التاريخ التركي المعاصر، فإن ظهور هذا العدد الكبير من الضباط المتقاعدين على شاشات التلفزيون يشوبه قدر ما من السخرية. فمنذ تأسيس البلاد في العام 1923، كثيرًا ما نظر الباحثون والمحللون إلى الضباط المحترفين بوصفهم طبقة منعزلة.

الأدميرال التركي جهاد يايجي

وبصفته “الحارس” التاريخي للمبادئ التأسيسية للجمهورية (خاصة تلك التي تعود إلى أول رئيس لتركيا: مصطفى كمال أتاتورك) شكّل الجيش لفترة طويلة النخبة البريتورية (قوة سياسية مستقلة) وهي النخبة المعروفة بميلها نحو التآمر والتدخل السياسي.

ومنذ وصولها إلى السلطة، بذلت حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان جهودًا كثيرة لكبح سلطة واستقلالية الجيش. فبالإضافة إلى إحداث الإصلاحات الإدارية والتطهير الجماعي للضباط، حصل أردوغان على دعم أوسع بين الضباط الساخطين منذ محاولة الانقلاب في عام 2016.

وكان الاشمئزاز المشترك من أتباع فتح الله جولن -الذي يُلقى عليه باللوم على نطاق واسع في تدبير الانقلاب بالإضافة إلى مؤامرات أخرى- أمرًا حاسمًا في استعادة قدر معين من الثقة بين كلٍ من السلطات العسكرية والمدنية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التطورات، يواصل المراقبون التساؤل عن وجهة النظر الحقيقية لكبار الضباط في ما يتعلق بسياسات البلاد وأولوياتها الإستراتيجية. وحتى هذه اللحظة، ثمة عدد قليل نسبيًا من دراسات ما بعد الحرب الباردة التي تعالج الميول المؤسسية أو الأيديولوجية للجيش.

وبينما يتصدر عدد من الضباط السابقين شاشات التلفزيون، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يعكس هؤلاء التفكير الحالي السائد داخل الدوائر المدنية والعسكرية.

لم تمنع حالة عدم الوضوح هذه ظهور عدد كبير من التكهنات بشأن الانقسامات الأيديولوجية والحزبية والشخصية التي تشكل التفكير الإستراتيجي لأنقرة.

ينعقد الإجماع الآن على أن الضباط العسكريين يميلون على نحو خاص إلى الانتماء إلى معسكر واحد من بين عدة معسكرات. ومن المعروف أن أقدم وأكبر كتلة داخل الجيش تضم من يُطلق عليهم اسم “الأطلسيين”. وهذه الكتلة، كما يؤكد المراقبون، تشمل الضباط الذين يؤيدون نهجًا أكثر تعاونا مع أمريكا أو يركز على أوروبا في ما يتعلق بأجندة السياسة الخارجية (وهو التوجه الذي غالبًا ما يرتبط بتفضيلات أتاتورك).

وفي وجهة النظر المقابلة، يقف من يطلق عليهم “الأوراسيين”، وهو توجه يرتبط إلى حد كبير بحزب الوطن اليميني الهامشي. على الرغم من أنها تضم ضباطًا يصفون أنفسهم بالتحمس للكمالية، تبدي هذه الشريحة من الضباط نفورًا كبيرًا من “النظام الإمبريالي” الذي تروج له الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

ومن خلال رفض المصالح الجماعية لحلف الناتو، يُنظَر إلى “الأوراسيين” على أنهم يفضلون توثيق العلاقات مع روسيا وغيرها من القوى الأخرى في آسيا الكبرى. وقد وجدت هذه الكتلة، كما يقول بعض المراقبين، حالة من الانسجام مع حزب العدالة والتنمية وكذلك مع المزيد من الضباط المحافظين دينيًّا.

وعلى الرغم من اختلافهم حول قضايا من قبيل العلمانية والهوية، فإن كلاً من الأوراسيين والمحافظين الدينيين يفضلون تركيا الأكثر قوة واستقلالية، تركيا القادرة والمستعدة لممارسة قدر أكبر من النفوذ في المحيط الإقليمي القريب وعلى المسرح العالمي. ويُجادَلُ بأن هذا التوافق هو الذي يكمن في صميم ما أطلق عليه اثنان من الباحثين اسم التحالف الأخضر الإسلامي – الكمالي (خصوصًا الأوراسي).

يبدو أن كتابات ومقابلات يايجي العديدة تؤكد هذه الانطباعات، ولكن تزيدها تعقيدًا أيضًا. بوصفه ضابطًا مخضرمًا نجا من عمليات تطهير متعددة خلال مسيرته المهنية، فهو من بين الضباط الأحدث والأعلى رتبة الذين تصدروا المشهد العام.

فعلى الرغم من استقالته المفاجئة، لا يقدم يايجي نفسه بوصفه منشقًا أو مؤيدًا للحزب الحاكم. بدلاً من ذلك، تؤكد صياغة وجهات نظره على عناصر التوافق التي رُصَدت بين الكتل المفترضة التي تتألف منها المؤسسة العسكرية التركية. وفي هذا الإطار، تقدم وجهة نظر يايجي مؤشرات للمخاوف والرغبات التي تدفع المبادرة الأكثر هيمنة في السياسة الخارجية الحالية لأنقرة: “الوطن الأزرق” التركي.

تحليل أفكار الأدميرال

تعبّر الحياة المهنية للأدميرال يايجي عن شخصيته كباحث عسكري. ولد يايجي في مقاطعة إيلازيغ الشرقية، والتحق بنظام التعليم العسكري التركي في المراحل التعليمية الوسطى. وفي أعقاب تخرجه في الأكاديمية البحرية عام 1988، انخرط في مسيرة مهنية ناجحة كضابط. وتُوِّجت خدمته على متن سفن حربية متعددة (بما في ذلك قبطان فرقاطة حربية) بقيادته لأسطول داخل القيادة الشمالية للبحرية.

تخللت حياته المهنية البحرية الكثير من الجولات الوظيفية، ما سمح له بالتركيز على الإستراتيجيات والعلاقات الخارجية. فقد شغل منصب ملحق دفاع في سفارة تركيا في موسكو على سبيل المثال.

وخلال مسيرته، حصل على درجة الدكتوراه في الشؤون الدولية، ودرجة الماجستير في الهندسة الفيزيائية والإلكترونية. كما عُرف بوصفه كاتبًا غزير الإنتاج ومفكرًا لامعًا. فبالإضافة إلى العديد من الكتب عن مطالب تركيا البحرية في البحر الأبيض المتوسط​​، يرجع إليه الفضل في إنشاء خوارزمية قادرة على تحديد عدد العناصر أو اكتشاف أعضاء جماعة “جولن” في القوات المسلحة (أداة تسمى “مقياس جولن”).

كما يتفق صعوده إلى الصدارة كخبير إستراتيجي، من نَواحٍ كثيرة، مع النمط الذي وضعه للمرة الأولى معلمه الأدميرال المتقاعد جيم جوردينيز. وبوصفه الرجل الأكثر أهمية في صياغة فكرة “الوطن الأزرق” لتركيا والترويج لها، يعترف جوردينيز بتأثيره في صعود نجم ياجي، كما أشاد به على اعتباره “أحد أهم الأكاديميين في التاريخ البحري التركي”.

في العديد من المقابلات التي أجراها، شدد يايجي بلا تردد على أنه رجل مؤمن بالقيم الأساسية لمؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك. وبصفته نجل رجل بيروقراطي إقليمي، فقد نشأ يايجي في كنف والدين “أتاتوركِيَّيْن” و”دولتِيَّيْن”.

كما عززت سنواته الأولى كطالب في نظام التعليم العسكري التركي إخلاصه الفريد للدولة. فعندما سئل عما إذا كان ناقمًا على استقالته القسرية، أجاب يايجي بأن سنوات التعليم والخدمة التي قضاها جعلت هذا الأمر مستحيلاً.

القوات المسلحة التركية

وأكد: “أنا ابن دولتي، ولست ابنًا لأبويّ، دولتي هي التي علمتني وأطعمتني وعالجتني وكستني وربتني منذ أن كانت سني 13 عامًا”. من الناحية البلاغية، تنسجم هذه المشاعر مع التعليم والتلقين الذي تلقاه عندما كان طالبًا يافعًا. فقد حضر كطالب، مثل معظم الأطفال في تركيا اليوم، دورات متعددة لكورس إلزامي بعنوان “التاريخ الثوري والأتاتوركية”.

يؤكد هذا الكورس، الذي يُدرَّس في المدارس المتوسطة والثانوية والجامعات في جميع أنحاء البلاد، على مركزية الدولة كمبدأ أساسي للمواطنة والهوية التركية. ويقع إعلاء الدولة فوق كل شيء، بما في ذلك الأسرة، في صميم الأرثوذكسية الكمالية. وهو ما يجعل مشاعر يايجي متناقضة عند تطبيقها. فمن أجل استرضاء النزعة الكمالية، يتجاهل يايجي باستمرار الدعوة لانتقاد أردوغان أو حزبه السياسي. هذه القدرة على التلويح بمؤهلاته الكمالية، مع الإشارة إلى عدم اكتراثه أو دعمه لأردوغان، هي سمة رئيسة لأحاديثه العامة.

يايجي رجل دولة

مرةً أخرى، تُقدم ردوده على مجموعة متنوعة من القضايا الأخرى التي أثارها الصحفيون دليلاً إضافيًّا على براعة يايجي. فقد رفض، على سبيل المثال، انتقاد قرار أردوغان المثير للجدل بفتح “آيا صوفيا” كمسجد مرة أخرى.

فعلى الرغم من أن أتاتورك نفسه هو الذي أمر بتحويله إلى متحف (وهي إشارة رمزية إلى التزام الكمالية بالعلمانية)، التزم يايجي مرة أخرى بالمبادئ الأساسية للدولتية، وهاجم المنتقدين الأجانب. وقال إنه “لا يمكن لأحد أن ينتقد الجمهورية التركية لاستخدامها حقوقها السيادية”.

وأوضح كذلك أنه، بصفته ضابطًا، تعلم قبول أوامر قادته بعيدًا عن آرائه. “افتُتِح آيا صوفيا، ومن الآن فصاعدًا هذا قرار الدولة”. وفي المقابلة ذاتها، سأله المضيف عن رأيه في معاهدة لوزان، اتفاقية 1923، التي حددت، مع أمور أخرى، رسميًّا الحدود الإقليمية لتركيا مع اليونان.

فقد تعرضت المعاهدة في السنوات الأخيرة لانتقادات كثيرة من النقاد المحافظين. وفي العام 2016، انتقد أردوغان الاتفاقية والمدافعين المعاصرين عنها، مدعيًا أحقية تركيا في جزر بحر إيجه المتنازل عنها لليونان بموجب الاتفاقية. وعندما ضغط عليه المضيف، قال يايجي إن المعاهدة كانت انتصارًا لتركيا، ويرجع الفضل فيه بالكامل إلى قيادة أتاتورك. لا تكمن المشكلة، كما كرر في مقابلة أخرى، في الاتفاقية، بل في سلوك اليونان:

“يوجد تأكيد في معاهدة لوزان على عدم جواز تغيير وضعية الجزر المتاخمة لثلاثة أميال [من آسيا الصغرى] وخارجها. لكن اليونان حاولت ضمها جميعًا. اليونان هي التي تسلح الجزر، وتريد زيادة حجم مياهها الإقليمية، وتريد فرض حمايتها على الجزر الصغيرة التي لم تتغير سيادتها، وتوسع مجالها الجوي إلى ما وراء ذلك”.

يشكل إلقاء اللوم على اليونان جوهر تفكير يايجي السياسي والإستراتيجي. ويشكل السلوك اليوناني في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط، في تقديره، تحديًا خطيرًا لأمن تركيا وطموحاتها. وقد وصف اليونان بأنها دولة تسعى بثبات للاستيلاء على الأراضي التي تنتمي بحق إلى تركيا (مثل جزر إيميا أو كارداك في بحر إيجه).

وعن طريق نشر قواتها في جزر قبالة سواحل الأناضول، لا تنتهك اليونان معاهدة لوزان فحسب، بل تشكل، في تقدير يايجي، تهديدًا عسكريًّا مباشرًا لتركيا. وخلُص إلى أن شبح أثينا الذي يخيم على بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط يشكل تهديدًا لصعود تركيا كقوة عظمى.

فمن أجل أن تكون الدولة “دولة جادة” (أي دولة بها، ضمن أمور أخرى، أحزاب سياسية وانتخابات وسكان وطنيون) تحتاج الدولة القوية إلى منفذ مستقل إلى البحر ومصادر الطاقة. تحقق تركيا بحسب تقديره الشطر الأول من المعادلة. وتمنع اليونان، بدعم غربي، تركيا من تحقيق الشطر الثاني.

في العديد من لوائح الاتهام التي وجهها للسياسة اليونانية، يتردد صدى تعليم يايجي كمواطن وضابط تركي. ولا يمكن فصل قراءته للعلاقات التركية- اليونانية، في الماضي والحاضر، عن دروس التعليم الأساسية التي تفرضها الدولة. تعد دولة اليونان (بالإضافة إلى الأرمن الأصليين والمسيحيين الأرثوذكس) في كلٍ من الواجبات الدراسية والتصريحات الرسمية، بمثابة نقطة تحول حاسمة في قصة تطور تركيا.

تشير عطلات تركية عدة، مثل يوم الطفل، ويوم الرياضة، ويوم الشباب، ويوم النصر، إلى أحداث وقعت خلال “حرب الاستقلال” التركية ضد اليونان بين عامي 1919 و 1923. بالنسبة إلى يايجي، تعد مطالبات أثينا بالمياه الإقليمية في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط بمثابة شهادة على التوترات المستمرة الناجمة عن هذا الصراع المستمر منذ قرن.

ومن أجل مقاومة ما وصفه بالإصرار اليوناني، ذهب يايجي إلى حد التخلي عن استخدام مصطلح الإيجي (Ege باللغة التركية، و Aigaio باليونانية) مستبدلاً به عبارة تركية: بحر الجزر (Adalar Denizi). وبالنسبة إلى الأذن المدربة، يشير تغيير الاسم المقترح بوضوح إلى جهود أتاتورك من أجل “تتريك” أسماء الأماكن اليونانية أو الأرمينية أو الأجنبية عمومًا.

وأوضح قائلاً إن “تسمية الأشياء بأسماء تركية أمر مهم، ولكنه أيضًا [ضمن] سلطتنا التقديرية”. ويتردد صدى هذه القراءة للماضي وأهميته المعاصرة في خطاب الأوراسيين وأنصار حزب العدالة والتنمية.

أردوغان رئيس تركيا

بصفته رجلاً مطلعًا على التاريخ في سنوات دراسته، استدعى أردوغان ذكرى حرب تركيا مع اليونان في الإشارة إلى الأحداث الجارية. كما أعلن جوردينيز، المدافع الرئيس عن مفهوم “الوطن الأزرق” أن حرب استقلال ثانية ضد اليونان تجري الآن في البحر الأبيض المتوسط.

يتشارك كلٌ من جوردينيز وأردوغان مع فكرة ياجي عن “الدماء والتراب الوطني” للتاريخ التركي والهوية. وغالبًا ما تحتفي الدعاية الصادرة عن حزب العدالة والتنمية بالماضي التركي للبلاد (خاصة المحاربين العظام والفاتحين من العهدين السلجوقي والعثماني). فقد تمتعت أراضي المتوسط​​، على حد قول أردوغان، بـ”أكثر فترات الاستقرار” بعد أن غزاها الأتراك.

كما يربط كل من جوردينيز ويايجي بين حقبة التفوق البحري للإمبراطورية العثمانية، وبين السياسة الأكثر قوة التي يجب أن تنتهجها تركيا في البحر الأبيض المتوسط.

في أحد كتبه الأخيرة “النضال من أجل المشاركة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وتركيا” يؤيد يايجي على نحو إيجابي قولاً يقتبسه عن “بربروسا” القرصان العثماني الشهير، الذي يقول إن “من يسيطرون على البحر، يقودون العالم”.

تحالف مع مصر.. حصار لليونان

من أجل أن نكون منصفين، سيكون من غير الدقيق أن نقول إن نظرة يايجي إلى العالم ترجع إلى نشأته الكمالية فحسب. ففي العديد من كتبه التي يدافع فيها عن حقوق تركيا في إنشاء منطقة اقتصادية حصرية كبيرة في البحر المتوسط​، يدعو مباشرة إلى ما يعتقد أنه امتيازات قانونية لأنقرة.

وقد صرح مرارًا بأن القانون الدولي يمنح تركيا القدرة على تجاهل العديد من جزر اليونان، للمطالبة بمساحات كبيرة من قاع البحر الأبيض المتوسط. كما أن آراءه تتسم بالتفكير الواقعي بشأن نهج تركيا تجاه مطالباتها البحرية. فمن أجل تجاوز المعارضة اليونانية والقبرصية، دعا إلى توقيع اتفاقيات ثنائية حول المنطقة الاقتصادية مع مصر ولبنان وإسرائيل والسلطة الفلسطينية.

ويجادل بأن مثل هذه الاتفاقيات من شأنها أن تصب مباشرة في المصلحة الذاتية لهذه الدول. وبصرف النظر عن مطالبات اليونان وقبرص، سيستمتع كل طرف موقع على هذه الاتفاقيات بمساحة أكبر من قاع البحر. وقد أيد جوردينيز هذه الاقتراحات وشجع الحكومة التركية على توقيع اتفاقيات منطقة اقتصادية مع كل من مصر وإسرائيل.

ومع ذلك، لم يتبن أي مسؤول داخل الحكومة التركية مثل هذه الخطة حتى الآن. نظرًا إلى سوء علاقات أنقرة مع مصر وإسرائيل، فضلاً عن الدلائل القائمة على أن الدولتين قد اقتربتا أكثر من اليونان في الأشهر الأخيرة، فإن احتمالية توقيع تركيا على اتفاقيات منطقة اقتصادية متعددة مع جيرانها المتوسطيين تبدو ضئيلة.

ومع ذلك، فقد تبنى أردوغان الأساس القانوني لحجة يايجي بقوة (على الرغم من حقيقة أن تركيا ليست من بين الدول الموقعة على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار). وبينما اقترح سابقًا عقد مؤتمر دولي لتسوية قضية المنطقة الاقتصادية لتركيا، يتكهن محللون قانونيون في تركيا بأن أردوغان قد يكون له الحق القانوني في “الإعلان من جانب واحد” عما يعتبره المجال البحري المشروع لتركيا.

الوطن الأزرق والإجماع التركي

يايجي

على مدى الأشهر العديدة الماضية، وفرت تصريحات يايجي مادة للنقاش بشأن الخصومات الحزبية أو الشخصية الجارية في أنقرة اليوم. في البداية، استنتج البعض من استقالته أنه أُجبر على الاستقالة نتيجة مؤامرة قادها جولن. ورأى آخرون الاستقالة بمثابة استيلاء محتمل على السلطة من قبل خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي القوي، الذي همش العديد من الضباط المؤثرين في السنوات الأخيرة.

وفسر آخرون رحيله على أنه إشارات لوجود انقسامات داخل المعسكر الأوراسي. فقد اتبعت صحيفة “أيدينليك” وهي صحيفة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحزب الوطن الأوراسي، منذ ذلك الحين نهجًا أكثر سلبية تجاه آراء يايجي، بعد أن كانت تكيل له المديح.

وقرر جوردينيز، وهو أحد كتاب الأعمدة البارزين في أيدينليك منذ فترة طويلة، الاستقالة من الصحيفة بعد أن وجه دوغو برينجيك، مؤسس حزب الوطن، انتقادًا إلى يايجي على شاشة التلفزيون.

ومع ذلك، فإن التقارب الذي يظهر بين هذين الجنرالين السابقين لا يعني أنهما يتشاركان في وجهات نظر متطابقة حول العالم. فمنذ مغادرته البحرية، لم ينخرط يايجي في الخطاب المعادي لأمريكا وحلف شمال الأطلسي المرتبط بجوردينيز والعديد من الأوراسيين.

وعلى نحو أكثر وضوحًا، تنصل يايجي من أي انتماء إلى المعسكرات الأوراسية أو الأطلسية. وبدلاً من ذلك، عرّف توجهه السياسي ببساطة على أنه “مواطن ووطنيّ”، وهي العبارة التي طالما فضلها أردوغان وصاغها مؤسس حزب العمل القومي، الشريك الأصغر للحزب الحاكم.

بالتأكيد يوجد خطر كامن في المبالغة في تفسير أهمية آراء ومعتقدات شخص واحد. وفي حالة يايجي، اتُّخِذ العديد من تصريحاته وأفعاله كمؤشرات على صعود أو سقوط فصائل مختلفة داخل أنقرة. إن تحميل كل تعبير من تعبيراته أو أفعاله بدلالة أكبر من دلالتها قد يفسح المجال لما وصفه أحد المعلقين بـ”الكرملينية التركية”، حيث تُحلَّل الإشارات الصغيرة خطأً للحصول على معنى عميق.

وإذا كان يمكن استخلاص شيء من لقاءاته مع الصحافة بعد التقاعد، فهو كيف تعكس وجهات نظره نقاطًا مهمة للاتفاق بين صانعي السياسة الأتراك اليوم. ومهما كانت آرائه الشخصية في ما يتعلق بالسياسة الداخلية، فمن الواضح أن يايجي، مثل الكثير من الضباط والمواطنين العاديين، يعطي الأولوية في ولائه وخدمته للدولة التركية.

إن رغبته المعلنة في تقوية الدولة التركية، وتعزيز مصالحها الوطنية في الخارج، هي إحدى الرغبات التي يتشاركها مع شخصيات عديدة عبر الطيف السياسي التركي.

خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي الحالي

في تركيا عدد قليل، حتى من بين معارضي أردوغان، ممن سيرفضون تصويره لليونان بوصفها العدو الرئيس للبلاد في أعالي البحار. إن اعتقاد يايجي بأن التاريخ والجغرافيا هما اللذان يهيئان لتركيا صعودها كقوة عظمى يحظى الآن بجاذبية كبيرة في جميع أنحاء البلاد تقريبًا.

ومن هذا المنطلق، تبنى الموالون للحكومة التركية والمعارضون لها إستراتيجية “الوطن الأزرق” على نطاق واسع كضرورة وطنية. وإلى حد كبير، يمثل هذا الإجماع العام شهادة على القوة المستدامة للأيديولوجيا الكمالية. الكمالية، كما وصفها باحث تركي مؤخرًا، يجب أن تُفهم على أنها قوة أكثر تغلغلاً في السياسة والمجتمع التركي.

وبوصفها حجز زاوية مهم في التعليم التركي والهوية الوطنية، فإن جوانب الكمالية تشكل وجهة نظر الإسلاميين المحافظين واليساريين والقوميين من مختلف الأطياف.

هذا المصطلح المتشارك والقاعدة المرجعية هو الذي يسمح، من بين عوامل أخرى، لـ”يايجي” وأردوغان وآخرين أن يجدوا أرضية مشتركة لخدمة الدولة التركية. وهذا لا يعني أن الخلافات الحزبية أو الشخصية داخل هذه الدائرة ليست ذات قيمة.

فعلى سبيل المثال، قد يختلف أردوغان مع يايجي في ميله مع جوردينيز إلى عداء الولايات المتحدة. وعلى المدى الطويل، من المرجح أن تظل الأرضية المشتركة بين هذه المعسكرات المختلفة حاسمة لمستقبل السياسة الخارجية التركية.

لهذا السبب، من المرجح أن تستمر رؤية يايجي لتركيا الأكثر جاهزية للقتال وتعظيمًا للذات، إن لم تزد أكثر، لبعض الوقت في المستقبل.

 

المصدر
War On The Rocks

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى